لا يُبنى المجتمع بالتَّشريع وحده

إنّ الإسلام ليس مجرّد تشريع وقانون؛ إنّه عقيدة تفسّر الوجود، وعبادة تربّي الروح، وأخلاق تزكّي النفس، ومفاهيم تصحّح التصوّر، وقيم تسمو بالإنسان، وآداب تَجْمُل بها الحياة، وآيات الأحكام التشريعيّة لا تبلغ عُشْرَ آيات القرآن، وهي ممزوجة مزجاً بالعقيدة والضمير، مقرونة بالوعد والوعيد، مرتبطة ارتباطاً عضوياً بسائر توجيهات القرآن.

اقرأ مثلاً في أحكام الأسرة قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ، فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا، إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة:229). هذا ليس تشريعاً جافّاً كمواد القانون، بل هو تشريع ودعوة وتوجيه وتربية وترغيب وترهيب.

واقرأ في أحكام الحدود قوله جلّ شأنه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا، جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة:38-40).

هنا نجد كذلك التشريع الزاجر، مقروناً بالوعد والوعيد، حاملاً التخويف والترجية، والتوجيه والتربية، مرغباً في التوبة والإصلاح، مذكّراً بأسماء الله الحسنى: العزيز إذا أمر ونهى، الحكيم فيما شرع، والغفور الرحيم لمن تاب وأصلح. مالك الكون، وصاحب الخلق والأمر، وهو على كلّ شئ قدير. 

هذا هو سياق التشريع في القرآن، ومثله في السُّنَّة، فليس بالتشريع وحده يبنى المجتمع المسلم، بل لا بدّ من وسيلتين أخريين: الدعوة والتوعية، ثمَّ التعليم والتربية، إلى جوار التشريع والقانون، بل قبل التشريع والتقنين.

ولهذا بدأ الإسلام بالمرحلة المكيّة -مرحلة الدعوة والتربية- قبل المرحلة المدنيّة، مرحلة التشريع والتنظيم، وفى هذه المرحلة نرى التشريع يمتزج بالتربية أيضاً امتزاج الجسم بالروح.

إنّ مجرّد تغيير القوانين وحده لا يصنع المجتمع المسلم، إنّ تغيير ما بالأنفس هو الأساس.

وأعظم ما يعين على تغيير ما بالأنفس هو الإيمان الذي ينشئ الإنسان خلقاً آخر، بما يضع له من أهداف، وما يمنحه من حوافز وضوابط، وما يرتّبه على عمله من جزاء في الدنيا والآخرة، والإسلام كلّ لا يتجزّأ، فإذا أردنا أن نحارب جريمة ممّا شرّعت له الحدود، فليست محاربتها بإقامة الحدّ فقط، ولا بالتشريع فقط، بل الحدّ هو آخر الخطوات في طريق الإصلاح.

إنّ العقاب إنّما هو للمنحرفين من النّاس، وهؤلاء ليسوا هم الأكثرين، وليسوا هم القاعدة، بل هم الشواذّ عن القاعدة، والإسلام لم يجئ فقط لعلاج المنحرفين، بل لتوجيه الأسوياء ووقايتهم من أن ينحرفوا، والعقوبة ليست هي العامل الأكبر في معالجة الجريمة في نظر الإسلام، بل الوقاية منها بمنع أسبابها هو العامل الأكبر، فالوقاية دائما خير من العلاج.

فإذا نظرنا إلى جريمة كالزنى نجد أنّ القرآن الكريم ذكر في شأن عقوبة الحدّ فيها آية واحدة في مطلع سورة النور، وهى قوله تعالى: {الزَّانِيّة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}(النور:2) ، ولكنّ السورة نفسها اشتملت على عشرات الآيات الأخرى التي توجّه إلى الوقاية من الجريمة؛ وحسبنا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} (النور:19) وقوله سبحانه في تنظيم التزاور وآدابه، واحترام البيوت ورعاية حرماتها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النور:27).

ويدخل فيها آداب الاستئذان للخدم والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاء ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ}(النور:58).

وأهمّ من ذلك تربية المؤمنين والمؤمنات على خلق العفاف والإحصان، بغضّ البصر وحفظ الفروج، وذلك في قوله جلّ شأنه: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ.. الآيّة}(النور:30-31) وهنا برز عنصر جديد في الوقاية من الزنا وجرائم الجنس، وهو منع النساء من الظهور بمظهر الإغراء والفتنة للرجال، وإثارة غرائزهم وأخيلتهم، حتّى جاء في الآية الكريمة قوله تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} (النور:31) ، ثمَّ تختم الآية بقوله سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

ومعنى هذا: وجوب تطهير المجتمع من أسباب الإغراء والفتنة، وسدّ الذرائع إلى الفساد، وأهمّ من ذلك كلّه الأمر بتزويج الأيامى من الرجال والنساء، ومخاطبة المجتمع كلّه بذلك، باعتباره مسؤولاً مسؤوليّة تضامنيّة: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور:32).

ومسؤوليّة المجتمع هنا -وعلى رأسه الحكّام- تتمثّل في تيسير أسباب الارتباط الحلال، إلى جوار سدّ أبواب الحرام، وذلك بإزاحة العوائق الماديّة والاجتماعيّة أمام الراغبين في الزواج، من غلاء المهور، والإسراف في الهدايا والدعوات والولائم والتأثيث، وما يتّصل بذلك من شؤون، ومساعدتهم -ماديّاً وأدبيّاً- على تكوين بيوت مسلمة؛ فليست إقامة الحدّ إذن هي التي تحلّ المشكلة، والواقع أنّ الحدّ هنا لا يمكن أن يقام بشروطه الشرعيّة إلا في حال الإقرار في مجلس القضاء، أربع مرّات، على ما يراه عدد من الأئمّة، أو شهادة أربعة شهود عدول برؤية الجريمة رؤية مباشرة في أثناء وقوعها، ومن الصعب أن يتاح ذلك؛ فكأنَّ القصد هنا هو منع المجاهرة بالجريمة، أمّا من ابتلي بها مستتراً فلا يقع تحت طائلة العقاب الدنيويّ، وأمره في الآخرة إلى الله سبحانه.

………………..

* من كتاب “المجتمع المسلم الذي ننشده” لفضيلة العلّامة.

المصدر: موقع الاتِّحاد العالميّ لعلماء المسلمين




في تجديد معنى سؤال النهضة

ظل سؤال النهضة هاجسا مرافقا للوعي العربي الإسلامي منذ حدوث الصدمة الأولى مع الغرب المعاصر في القرن الثالث عشر الهجري (19م) إلى اليوم. إذ كان ولا يزال السؤال الإشكالي المحوري الذي تضافرت الجهود وتجادلت في محاولة الإجابة عنه.

وليس من المبالغة أن نقول إنه يمكن اختزال النتاج الفكري العربي بأكمله وبمختلف تياراته واتجاهاته في كونه مجرد حاشية على هذا السؤال، حاشية تقاربه وتعيد صياغته، أو حاشية تروم أن تكون متنا يقدم إجابة عنه.

بل يصح القول أيضا إن انقسام الوعي العربي النهضوي إلى تيارات متباينة يعكس الانقسام والتباين في الإجابة عن هذا السؤال.

ومن الملاحظ من حيث التوقيت التاريخي لتبلور تلك الإجابات أن الإجابة الفكرية الإسلامية كانت الأسبق زمنيا إلى البروز والظهور، إذ يمكن عد كتابات جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده أولى محاولات التفكير في بلورة إجابة نظرية عن سؤال النهوض.

ومن نافلة القول، أن الإجابة الفكرية الإسلامية -وإن كانت السباقة إلى التبلور والظهور- لم تكن الوحيدة التي قاربت هذا السؤال وفكرت فيه، بل كما أسلفنا تعددت وتنوعت وتباينت الإجابات باختلاف المرجعيات المذهبية التي يصدر عنها التفكير.

ذلك لأن الجدل الحضاري مع الغرب أوجد في واقعنا الثقافي تيارات مقلدة له، ومتمذهبة ببعض مذاهبه الفلسفية والسياسية، كما أن التيار الإسلامي القائم على فكرة التأصيل والعودة إلى الذات الثقافية، لم ينتج قراءة واحدة لتراثه الفكري بل أنتج قراءات تختلف في انتقاء المقومات التراثية الكفيلة بتحقيق النهضة، وإن كانت تتفق على أن النهوض يكون من داخل ذاتيتنا الثقافية.

ولهذا تعددت الإجابات وتكاثرت، مقدمة أطروحات متباينة حول ذلك السؤال/الهاجس.

لكن رغم تعدد الإجابات وتنوع الأطروحات النهضوية فإن الوضع العربي اليوم ما زال –سواء من الناحية الثقافية أو من الناحية المجتمعية– مختلا مأزوما، ومن ثم ما زال سؤال النهوض يعبر عن مطلب لا عن ماصدق واقعي منظور.

فما هو السبب؟ هل يرجع الفشل إلى خلل في الإجابات؟ أم أن سؤال النهضة لا يتطلب أجوبة نظرية فقط، بل أيضا أفعالا منظورة وممارسة تغييرية واقعية؟

لكن هل يمكن أن يوجد فعل أو ممارسة رشيدة دون سابق نظر وتفكير؟ وهل يصح اختزال عجز الفعل النهضوي في مجرد عجز اعتور عملية تطبيق الإجابة النظرية، وليس اختلالا في الرؤية الفكرية ذاتها التي أنتجت تلك النظرية ووجهت عملية تطبيقها؟

أسئلة واستفهامات مشروعة وضرورية، لكننا سنخصص هذا المقال لمحاولة الاقتراب الدلالي من لفظ النهضة، مع الإشارة بإيجاز إلى معالم ومحددات الجواب.https://www.aljazeera.net/KnowledgeGate/KEngine/imgs/top-page.gif

في معنى لفظ النهضة
من الناحية اللسنية من الملاحظ أنه في اللحظة الأولى للقاء الصدمة مع العالم الغربي في القرن الثالث عشر الهجري (19م)، كان السؤال النهضوي مطروحا بصيغة تعبيرية تتوسل لفظ “التأخر” للدلالة على الوضعية الإشكالية التي يعيشها العالم العربي الإسلامي وقتئذ.

وهذا ما يتجلى واضحا في سؤال شكيب أرسلان: “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟”، بمعنى أن الزوج المفهومي المستعمل في توصيف الوضعية التي يعشيها العالم العربي بالمقارنة مع العالم الغربي، كان هو “التأخر/التقدم”.

لكن مع تأمل وضعية العالم الأوروبي، ودرس صيرورته التاريخية لفهم سبب تقدمه، استوقفت الوعي العربي تلك اللحظة الموسومة بـ”رنيسانس” Renaissance الدالة على لحظة ابتداء “التقدم” الأوروبي في القرنين الرابع والخامس عشر، وترجم لفظ “رنيسانس” إلى النهضة.

فأصبحت الكلمة بذلك تختزل المطلوب لتحقيق النقلة الحضارية الواجب إنجازها لنخرج من وضعية التأخر، كما خرجت أوروبا من تأخرها في عصر الإنسية والإصلاح الديني، الموسوم برنيسانس. وهكذا أخذ لفظ النهضة في التداول.

فما المقصود دلاليا بهذا اللفظ؟ وهل يكفي معناه اللغوي لتوصيف ماصدقه الحضاري؟

من حيث الدلالة اللغوية يطلق لفظ النهضة ومشتقاته على أفعال حركية، إذ النهضة كلمة دالة على “البراح من الموضع والقيام عنه، والنهضة: الطاقة والقوة. وأنهضه: قواه على النهوض”. ومنه وصف الطائر/الفرخ بالناهض للدلالة على أنه “وفر جناحيه ونهض للطيران”.

أما من ناحية الاصطلاح فلفظ النهضة ليست له دلالة محددة، فهو إذا كان يدل على إنجاز حراك ثقافي ومجتمعي، فإن دلالة ذلك الحراك مختلفة حسب المرجعية الفكرية.

فقد يكون حراكا يتجه نحو الماضي لإعادة إنتاجه أو استحضاره وانتهاجه، أو حراكا يقفز إلى حضارة الآخر داعيا إلى تقليدها واستنساخ نماذجها المجتمعية، أو الاستهداء بمنهجها في التفكير والعيش، بمعنى أن كل تيار فكري يصطلح على جملة معان ومواصفات يراها محددات النهوض.

لكن النظر إلى هذه المحددات المختلفة يكشف أن ثمة مشتركا بينها، نراه في تقديرنا يعكس اختلالا في فهم النهضة ومستلزماتها. فما هو هذا الخلل المشترك؟

أرى أن الاختلال يكمن في المقاربة المذهبية الجاهزة لسؤال النهوض، إذ تنزع التيارات الفكرية السائدة في واقعنا الثقافي إلى اتخاذ مرجعياتها المذهبية الجاهزة أفقا وسقفا لمطلب النهوض.

فالتيار الليبرالي مثلا يرى أن النهضة لا تتحقق إلا بتطبيق الليبرالية، والتيار اليساري الاشتراكي الذي ساد خلال القرن العشرين يرى أن لا نهضة إلا بالاشتراكية، والتيار الفكري الإسلامي في نموذجه السلفي مثلا يرى أن لا نهضة إلا بإعادة إنتاج نفس مواصفات الاجتماع الإسلامي الذي تجسد في لحظة تاريخية ماضية ( اللحظتين النبوية والراشدية).

وإذا كنت أعتقد أن النهوض في عالمنا العربي الإسلامي لن يتحقق خارج إطار ذاتيتنا الثقافية الإسلامية، فإني لا أعتقد أن المطلوب -بل ولا من الممكن- تقليد لحظة من لحظاتنا الماضية وإعادة إنتاجها، كما تنزع إلى ذلك بعض توجهات الفكر السلفي عندما تدعو إلى استنساخ، ليس أفكار ومبادئ العصر الإسلامي الأول، بل استنساخ حتى ديكور الحياة وشكلها في اللباس وطرائق المعاش!

إن اتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) والاسترشاد بهدي قرنه، لا يكون إلا باتباع المبادئ والمحددات الفكرية العامة، وليس باستنساخ صورة الحياة حتى في شكلها المادي، كما يرى هذا التيار السلفي الذي وسع من مفهوم البدعة المذمومة ليشمل كل مستحدث ومستجد.

كما أن النهوض لن يتحقق باستنساخ نموذج ثقافي ومجتمعي غربي، لأن الحضارات التي لها هوية عقدية قوية، كما هو حال الحضارة الإسلامية، يستحيل أن تزول محدداتها وتندثر مقوماتها لصالح غزو ثقافي جذري يروم اقتلاع شخصيتها الحضارية، وإحلال نسق بديل محلها.

إن التفكير في النهضة من مدخل مذهبي جاهز نراه عائقا أمام حركة النهوض، وليس حافزا لها. ومن ثم فالخلل الأكبر في فهم ماهية النهضة يكمن في هذه النظرة المذهبية والماهوية التي سقطت في فخها كل مشاريع النهوض، إسلامية كانت أو متغربة، فأنتجت رؤى وثوقية تكبل فعل النهضة ولا تحفزه.

بينما سؤال النهوض ليس سؤالا يستلزم جوابا ماهويا في كل مستوياته، بل هو سؤال تاريخي متحرك. وأقصد بالسؤال المتحرك أنه في كل لحظة تاريخية يحتاج إلى جواب خاص ينسجم مع حاجات تلك اللحظة وشروطها الآنية، واستشرافاتها المستقبلية.

إن النهضة مطلب ثقافي ومجتمعي يعبر عن حالة جدل تاريخي مرتبط بمجموعة من القيم والحاجات، ينبغي ترتيبها وفق أولويات حسب الوضعية التاريخية.

فالنهضة في زمن الاستعمار مثلا من الطبيعي أن ترتبط بأكبر حاجياتها الآنية المتمثلة في مطلب الاستقلال السياسي؛ لأنه يصير مطلبا ذا أولوية، ومقدمة لغيره من المطالب والاحتياجات.

وأن ننهض في لحظة تأزم اقتصادي معناه أن نعمل على معالجة الإشكال الاقتصادي بإعطائه الأولوية…

بمعنى أن الجواب على سؤال النهضة ليس جوابا ماهويا على سؤال ثابت المطلب، بل هو متحرك مع صيرورة التاريخ، ومرتبط بتحديد دقيق لحاجيات اللحظة، وترتيب لها وفق منظور الأولويات.

ومن هذا المدخل القارئ لماهية النهضة على مستوى الحاجات، يأتي رفضنا لكل تمذهب جاهز، يقولب فعل النهوض في استنساخ مرحلة ماضية، أو تقليد لنموذج مستورد.https://www.aljazeera.net/KnowledgeGate/KEngine/imgs/top-page.gif

في المعنى الماهوي لسؤال النهوض
لكن رغم رفضنا للاختزال المذهبي والماهوي للسؤال، فإننا لا نطلقه من كل تحديد، بل إذا كنا في مستوى الحاجات ننظر إليه بوصفه سؤالا تاريخيا متحركا بسبب انشداده إلى ما هو لحظي، فإنه من جهة القيم سؤال نحتفظ بطابعه الماهوي.

لذا نقول إن النهضة توكيد للقيم المثالية التي تعد أفقا يتحرك تاريخ الوعي والفعل البشريين نحوهما. إنها توكيد لإنسانية الكائن الإنساني وكرامته، بوصفه كائنا واعيا وحرا وأخلاقيا.

وتأسيسا على هذه القيم الثلاث تتحدد ماهية النهضة كفعل اقتراب من هذا الأفق القيمي المثالي، وهو اقتراب دائم لا يتحقق ويكتمل في التجسيد الواقعي، بل يبقى أفقا متعاليا ليتم جذب الفعل الإنساني -سواء كفعل ذهني أو كسلوك اجتماعي– لمزيد من العطاء والاجتهاد.

فمن حيث الكينونة الواعية للإنسان يكون النهوض حركة وعي بالذات، وتوكيدا على القيم المميزة للكائن الإنساني، ككائن واع وحر وأخلاقي.

أما من حيث إن النهضة وعي بالذات، فتلك مقدمة لكل ذات تريد لنفسها أن تتحرك وتبعث قدراتها الذاتية، وتحفزها على الفعل. ونقصد بوعي الذات إدراك الشخصية الحضارية ومقوماتها، والعمل على تعميق الإحساس بالهوية، لكن مع الاحتراس من الوقوع في محاذير الانغلاق.

وتأسيسا على ذلك نقول إنه لا نهضة للعالم الإسلامي خارج شرط وعيه بذاته، أي خارج مقوماته الحضارية الذاتية.

كما أن النهضة من حيث التقييم المعياري تدل على حالة ارتقاء بالمجتمع الإنساني. ومن ثم نرى أن فعل الارتقاء هذا يستلزم تعميق القيم المميزة للإنسان، تلك التي اختزلناها سابقا في الوعي والحرية والأخلاق.

وبناء على ذلك نقول إنه من حيث كينونة الإنسان كذات واعية تأتي قيمة المعرفة، ومنها نؤكد أن لا نهضة للكائن الإنساني، فردا كان أو جماعة، بدون المعرفة، إذ هي محدد من محددات الإنسانية، وكلما انخفضت المعرفة انخفضت درجة ارتقاء الكائن البشري نحو إنسانيته.

ومن حيث كينونته كفاعل حر تأتي قيمة الحرية وما يرتبط بها من عدالة وانعتاق من الجبر الفكري والسياسي. ومن ثم فلا نهضة للفرد ولا للاجتماع الإنساني إلا بالتحرر من عائق الاستبداد بمدلوله الشامل، سواء كان استبدادا ثقافيا أو سياسيا أو اقتصاديا.

ومن ثم فكلما ازدادت أوهاق الاستبداد قلت قدرة الإنسان على الاجتهاد والإبداع. وكلما ازداد التنميط وسلب الحرية اقترب الكائن الإنساني من مملكة الضرورة، أي اقترب من الحيوانية، وانتفت عنه خاصية الفعل الحر المسؤول.

ومن حيث إن الإنسان كائن أخلاقي تأتي قيمة الفعل الإنساني، بوصفه فعلا مسؤولا أخلاقيا، وقابلا للمعايرة والحكم عليه قيميا. فالمحدد الأخلاقي يميز الفعل والوجود الإنساني عن الفعل الحيواني الخاضع لمنطق الضرورة الطبيعية. ومن ثم نرى أن لا نهضة إلا بتعميق هذا البعد المميز للكينونة الإنسانية.

ولذا فأنماط الاجتماع التي تفصل الفعل السياسي، والفعل العلمي، والفعل الفني.. عن القيم الأخلاقية، كما هو الحال في نمط الاجتماع الغربي اليوم، هي تعبير عن انحراف عن النهضة وإخلال بأحد شروطها.

وهذا ما ينبغي لنا أن نعيه من الوحي القرآني الكريم، الذي أكد الرسول الخاتم أن قصده الحضاري هو تتميم مكارم الأخلاق




الخلافة على منهاج النبوة والخلافة على منهاج “داعش”

في أواسط العقد الثاني من القرن العشرين الميلادي، نفَّذ القائد العسكري التركي الضابط مصطفى كمال -الملقب لاحقا بكمال أتاتورك- أول انقلاب عسكري -بالمعنى الحديث- في العالم الإسلامي، ونفذ بعد ذلك قرارا أوروبيا يقضي بإلغاء الخلافة العثمانية التي كانت تجمع تحت مظلتها معظم الأقطار الإسلامية.

عندها أحس كثير من المسلمين -من عامتهم وخاصتهم- بنوع من التيتم والضياع، ومن يومها أصبح التطلع إلى عودة الخلافة حلما يراود -أو يؤرق- أذهان كل الغيورين الخائفين على مصير الإسلام والأمة الإسلامية.

وفي هذا السياق أيضا، أصبحت قضية “استعادة الخلافة السليبة” من أكثر القضايا التي تشغل الحركات الإسلامية المعاصرة، بل إن إسقاط الدولة العثمانية -أو الخلافة العثمانية- كان من جملة الأسباب القوية والمباشرة التي دفعت إلى ظهور كبريات الحركات الإسلامية العالمية، مثل: جماعة الإخوان المسلمين التي انطلقت من مصر، وجماعة التبليغ، والجماعة الإسلامية، اللتين انطلقتا من الهند، وجماعة النور التي انطلقت من تركيا، ثم ظهر بعد ذلك حزب التحرير الإسلامي، الذي تخصص في مسألة الخلافة وجعل منها شغله الشاغل ومسعاه الدائم.

فقيام الحركات الإسلامية الحديثة مرتبط بفكرة الخلافة، ردا على إلغائها، أو سعيا لإحيائها، أو تصحيحا للمسار الذي انتهى بسقوطها. فبعضها جعل من إقامة الخلافة بداية ومدخلا لمشروعه الإصلاحي النهضوي، كما هو حال حزب التحرير، وبعضها جعل منه غاية لعمله ومساره عبر مراحل أخرى، كحال جماعة الإخوان المسلمين، وبعضها اعتبر أن مشكلة المسلمين في أساسها وجوهرها ليست قضية خلافة وقضية حكم وسياسة، بل هي قضية أمة ابتعدت عن دينها وتراخت في إيمانها وتدينها، وأن الداء والدواء والمشكلة والحل ها هنا، وهذه هي رؤية جماعة التبليغ وجماعة النور.

وبين هؤلاء وهؤلاء -وعلى فترة من الزمن- نشأت جماعات وتيارات وتعبيرات وأحزاب إسلامية أخرى، لا تجعل من الخلافة حلما من أحلامها، ولا مطلبا صريحا من مطالبها، ولكنها استبدلت بها مطالبَ وأهدافا سياسية محددة ذات طبيعة عملية مقاصدية، مثل: المشروعية، والحرية، والشورى، والعدالة، والحكم الرشيد.

وهذا هو ما يمكن تسميته “الجيل الثاني” من الحركات الإسلامية، أو جيل القرن الـ15.

ولعل أبرز تجلٍّ وأقرب تعبير لهذا الجيل الإسلامي الجديد هو الذي نجده ممتدا من تركيا شرقا إلى موريتانيا والسنغال غربا، ومن حزب العدالة والتنمية التركي، إلى حزب العدالة والتنمية المغربي، وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) الموريتاني.

وفي ما بين تركيا وموريتانيا نمر بالعديد من التيارات الإسلامية الجديدة أو التجديدية في كل من مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب. وهذا مجرد تمثيل بمنطقة جغرافية متصلة، تحتضن -أكثر من غيرها في ما يبدو لي- مواطن مزدهرة ورائدة للجيل الحركي الثاني، وإلا فهذا الفكر منتشر ومتنام، وله كياناته وتجاربه، في دول شرق آسيا وشبه الجزيرة العربية، وغيرها.

على مدى العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، نجد رؤية هذا الجيل تترسخ في صفوف الحركات الإسلامية قديمها وجديدها، وتمضي ناسخة أو مغيِّبة شعار الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية، ومركزة على المحتويات لا على المصطلحات، وعلى المعاني لا على المباني.

وفجأة في الأيام الأخيرة، عاد هذا الشعار إلى الساحتين الإعلامية ثم العلمية، وانفجر السجال على أشده حول “مسألة الخلافة”، وعاد أمل الخلافة وحلمها يخيمان على الآلاف من الشباب المسلمين عبر العالم، فمنهم من بايع، ومنهم من أيد من بعيد، ومنهم من يهفو وينتظر.

وحتى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين -الذي بادر مشكورا إلى إعلان موقفه الرافض للخلافة المعلنة مؤخرا، مؤكدا عدم شرعيتها وفقدانَها كل شروط الخلافة ومقوماتها- افتتح بيانه الصادر في الخامس من رمضان 1435هـ (3\7\2014م) بالقول “والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إزاء هذه القضية يرى ويؤكد على ما يلي:

أولا: إننا كلنا نحلم بالخلافة الإسلامية على منهاج النبوة، ونتمنى من أعماق قلوبنا أن تقوم اليوم قبل الغد”.

عمدة الحالمين بالخلافة وعودتها، هو الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره، وهو عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة”.

وهذا الحديث، أولا: لا يخلو من هشاشة في ثبوته وصحته، وأقصى ما يقوله فيه أهل الاختصاص هو أنه “حَسَنُ الإسناد”. ومثل هذا لا يبنى عليه شيء من الأحكام الغليظة والأمور الجسيمة، وقصارى ما يصلح له هو التبشير وبث الأمل، أما إذا جد الجد وعظمت الأمور، فلا بد من أدلة صحيحة متينة، وإلا فلا.

وثانيا: هناك حديث آخر في الموضوع، وهو في مثل درجة هذا أو أعلى منه، وأعني به حديثَ سفينةَ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي اللهُ مُلكه من يشاء». فهذا الحديث لم يذكر خلافة ثانية تأتي وتكون على منهاج النبوة بعد الخلافة الأولى.

وثالثا: كلا الحديثين ليس فيه أمر ولا نهي، أي ليس فيه تكليف بشيء. فمن ادعى أنه بإعلانه الخلافة وتبعاتها الخطيرة قد قام بما أوجب الله عليه، فليخبرنا أين كلفه الله بهذا؟ ومن أين له هذا الوجوب؟ وإلا فهو دعي، ومن الذين يفعلون ما لا يُؤمرون.

الخلافة بين منهاجين
وأما إذا جئنا إلى مسمى الخلافة الراشدة، أو “الخلافة على منهاج النبوة” فسنجد من صفاتها وأحوالها ما يلي:

1- أنها كانت تجمع تحت ولائها وسلطانها كافة المسلمين -بغض النظر عن قلتهم أو كثرتهم- وأن المسلمين جميعا كانوا راضين عنها فرحين بها. وأما الخلافة المعلنة مؤخرا (خلافة داعش “تنظيم الدولة الإسلامية”) فليس تحت سيطرتها حتى واحد من ألف من المسلمين ومن بلاد المسلمين. ثم هل كل من تحت سيطرتهم مسَلِّم لهم وراغب فيهم ومحب لسلطانهم؟ قطعا لا.

2- أن اختيار الخليفة كان يتم بعد تشاور وتداول بين عامة أهل الرأي والمكانة، بل حتى بمشاركة واسعة من عامة المسلمين -نساء ورجالا- كما في اختيار الخليفة عثمان رضي الله عنه. ولذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه -كما في صحيح البخاري- “فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابَع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا”.

وأما خليفة المسلمين المزعوم، فلا ندري من بايعه ومن اختاره؟ وما قيمتهم ومكانتهم في الأمة الإسلامية؟ والذي نعلمه ولا نشك فيه هو أن صاحبنا بايعه حفنة من أصحابه وأعوانه، وهذا قد يخوله أن يكون أميرا عليهم في شؤونهم الخاصة، وأما أن يصبح بذلك خليفة للمسلمين، فدونه ما بين السماء والأرض.

3- أن التداول والاختيار للخلفاء الراشدين كانا يتمان في حرية مطلقة وأمان تامّ، وليس تحت سطوة السيوف والتهديد والوعيد. وأما الخلافة المتحدث عنها في وسائل الإعلام، فيراد فرضها وتثبيتها في خضم الفتنة والحرب، وفي جو الخوف والرعب، وتحت التسلط والإكراه. وفي ما هو دون هذا بكثير كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يفتي ويقول: طلاق المكره لا يقع. فبيعة المكره والخائف لغو.

4- أن الخلافة الراشدة كانت خلافة وحدة ورحمة ونعمة على المسلمين، لا خلافة حروب أهلية بين المسلمين، ولا خلافة نقمة وفتنة وتمزيق وعذاب.

5- أن الخلافة على منهاج النبوة كانت قائمة على تحقيق المعاني والمقاصد والأعمال، وليس على الشعارات والبيانات، والمظاهر والألقاب. نقل الإمام البغوي في “شرح السنة”، عن حميد بن زنجويه “أن الخلافة إنما هي للذين صدقوا هذا الاسم بأعمالهم، وتمسكوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، فإذا خالفوا السنة، وبدلوا السيرة، فهم حينئذ ملوك، وإن كانت أساميهم الخلفاء”.

وما أكثر الحكام الذين بالغوا في تدبيج ألقابهم وتقديس أنفسهم وتمطيط أنسابهم، وهم في الحقيقة لم يجلبوا لشعوبهم وأمتهم سوى الفتنة والمحنة والوبال والخبال. وفي بعضهم قال الشاعر:

مما يُزهِّدني في أرض أندلسٍ ألقابُ مملكة في غير موضعها
ألقابُ معتضِدٍ فيها ومعتمِدٍ كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ

لا شك أن الهرَّ في أصله كائن محترم ومحبوب، وله مكانته ووظيفته، ولكن حين ينتفخ ويعلن نفسه أسدا، وينصب نفسه “ملك الغابة”، هنا يفقد كل شيء ويصبح لا شيء.

“نَوطُ الأحكامِ الشرعية بمعانٍ وأوصاف، لا بأسماء وأشكال”

هذه العبارة للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور، وقد جعلها عنوانا لمبحث من مباحث كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”. ومعناها أن الأحكام الشرعية لا تبنى ولا تترتب على الأشكال والأسماء والمظاهر، وإنما تبنى على مراعاة حقائق الأشياء وصفاتها المؤثرة.

فليس في الشريعة تحريم شيء أو إباحته أو وجوبه لأن اسمه كذا، ولقبه كذا، أو لأن شكله أو لونه كذا. قال ابن عاشور رحمه الله: “وإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفية للمعاني الشرعية، فتقع في أخطاء في الفقه”.

وفي ما يخص قضيتنا -قضيةَ الحكم والخلافة والسياسة- نجد أن الشرع جاء بالعدل وأوجبه في كل المجالات، وجاء بالإحسان وكتبه على كل شيء، وجاء بالشورى والمشروعية ومنع الاستبداد، وجاء بالإيثار وذم الاستئثار، وجاء بالمساواة والتواضع وتحريم التجبر والطغيان، وجاء بحفظ الأموال العامة وألا تُقرب إلا بالتي هي أحسن، وحرم التخوض فيها بأي استئثار أو اختلاس أو تبذير أو محاباة، وجاء بنصرة الضعفاء وتمكينهم من حقوقهم وكرامتهم وحاجاتهم، وجاء بردع الأقوياء، ومنعهم من البغي والاعتداء، وجاء لتحقيق الأمن ورفع الخوف.

وهذه كلها أركان وفرائض وعزائم قطعية، معلومة مواضعها ومكانتها وأدلتها في الدين. فإذا تحققت هذه المعاني والمقاصد في ظل شيء اسمه الخلافة فنِعْمَتِ الخلافة، وهي التي نريد. وإذا انتهكت وضيعت في ظل “الخلافة” فبئست الخلافة، وهي ما لا نريد. وإذا تحققت دون اسم الخلافة، وتحت أي اسم آخر، فقد حصل المقصود كاملا غير منقوص.

والشرع الذي فرض علينا ما تقدم ذكره -وغيره- من الأحكام والمبادئ والمقاصد، لم يفرض علينا أبدا أن نقيم شيئا نسميه الخلافة، أو الخلافة الإسلامية، أو دولة الخلافة، ولا فرض علينا أن نقيم شكلا معينا ولا نمطا محددا لهذه الخلافة أو لهذه الدولة، ولا أمرنا -ولو بجملة واحدة- أن نسمي الحاكم خليفة، وأن نسمي نظام حكمنا خلافة.

ولذلك أقول: لو اختفى لفظ “الخلافة والخليفة” من حياة المسلمين إلى الأبد، ما نقص ذلك من دينهم مثقالَ ذرة ولا أصغرَ منها. ولكن إذا اختفى العدل، واختفت الشورى، وشرعية الحكم ليوم واحد، فتلك طامة كبرى.

إن “خلافة” تأتينا بالسيف وتخاطبنا بالسيف، لن تكون -فيما لو كانت- إلا نذير شؤم ومصدر شر لهذه الأمة.

نحن نعاني من ويلات حكام أتونا بالسيف، ويحكموننا بالسيف، وبعضهم ما زال يتخذ السيف شعارا لدولته ورايته، فكفانا سيفا وتسلطا.

نعم للسيف حين يصد الغزاة ويطرد المحتلين ويذل عملاءهم وأولياءهم، وحين يحمي الأوطان ويؤمن الثغور والجبهات. أما حين يتجه السيف إلى نحور المسلمين، ويتجه إلى السيطرة والتحكم، ويصبح بديلا عن الشرعية والشورى، ووسيلة لإعلان الخلافة، فهو باطل ومرفوض هو وخلافته.