لا حُكْمَ لتجفيف أعضاء الوضوء!

هذه المسألة مما أشكل عليّ في صغري، حيث كنتُ أشاهد حرصاً شديداً من بعض طلبة العلم الشرعيّ على عدم تجفيف أعضائهم بعد الوضوء (لأنّه مكروهٌ عند الشافعيّة)، وكنتُ أستغرب ذلك، وأحتار بحِكمتِه، فلماذا كلّ الناس يحرصون على تجفيف أعضائهم في حياتهم العادية، ثمّ نتركه نحن عند الوضوء أو الغُسل؟! وكان تعليلهم غريباً حيث قالوا: (فيه تبرأٌ من الوضوء والطاعة)!

وكنتُ أقول في نفسي: أين التبرّي عندما أغسل يديّ بالصابون ثمّ أجفّفهما بـ (البشكير)؟

هل أتبرّى بذلك من غسل يدَيَّ؟! 

ومرّت الأيام، وكنتُ أتابع الحنفيّة في قولهم: (بعدم الكراهة) وأجفّف، وزادت راحتي عندما قرأتُ أدلّتهم المجيزة للتجفيف.

ثمّ خطر ببالي أنّ هذا الأمر لا علاقة له بالمأمور والمنهيّ عنه أصلاً، فهو ليس من صلب الوضوء ولا من صلب الغُسل، فهو تابع لعاداتنا وبيئاتنا، يغلب على ظنّي أنّه لو كان النبيّ ☺ في بلد بارد لحرص على توصية أمّته بالتجفيف، حتّى لا يُصابوا بالبرد والمرض، لأنّه رؤوف رحيم بنا، وديننا جاء للناسِ كلّ الناس، في البلدان كلّها.

فكيف يعقلُ نقول للمسلمين في بلد بارد: يُكره تجفيفُ الجسم من الوضوء أو الغُسل؟!

ومع مرور الأيّام، تزداد قناعتي بأنّ الأحكام الشرعيّة الأصل، فيها التعليل، وأنّها لفائدة وحكمة، و بأنّ ديننا دين الفطرة السليمة، والعقل الراجح، ويستحيل تعارضهما، فبحثتُ في الموضوع، وهذه خلاصة الرأي فيه:

الذي أمرنا الله تعالى به هو الوضوء، وبيّنه لنا، مع الغُسل، مع بديلهما؛ وهو التيمّم، ذلك كلّه في آية واحدة في كتابه الكريم، وهي الآية السادسة من سورة المائدة، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ)) وختم الله ﷻ الآية ببيان أنّه أراد (التيسير) وبيّن الحكمة وهي (التطهير) فقال ﷻ: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [المائدة: 6]

وطبّقها النبيّ ☺ وعلّمها لأصحابه عمليّاً وهكذا فعل أصحابه من بعده، روى البخاريّ في صحيحه عَنْ حُمْرَانَ رَأَيْتُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثمّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثمّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثمّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثمّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثمّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثمّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثمّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثمّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ☺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وَضُوئِي هَذَا، ثمّ قَالَ ☺: ((مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثمّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).

فلم يذكروا شروط وأركان وسنن ومستحبّات الوضوء لعامّة الناس حتّى لا يعقّدوهم، كما ذكر الدكتور القرضاوي وأطال في نهاية كتابه النفّاع: (العبادة في الإسلام) في فصل (المنهج الأمثل في تعليم العبادات)، في مبحث: (الرجوع لعهد البساطة): حيث ذكر أنّ كثيراً ممّن التقى بهم ودعاهم للصلاة كانوا يعتذرون بأنّهم لا يعرفون هذه الأحكام، والعتب ليس عليهم، بل على من علّمهم واستعرض (عضلاته العلميّة) عليهم!

أما بالنسبة إلى مسألتنا هذه، فقد ورد عنه ☺ أنّه كان أحياناً يجفّف جسدَه بعد الوضوء أو الغسل، وأحياناً لا يفعل، وهذا طبيعيٌ في بيئة مثل مكّة أو المدينة، حيث لَفْح الصيف يجفّف الجسد المبلل خلال دقائق قليلة! فالموضوع ليس له علاقة بالدِّين ولا بالعبادة، بل تروي السيّدة عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها أنّه كان لرسول الله ☺ خرقة ينشّف بها بعد الوضوء، وكان -كعادة العرب للآن- يمسح أحياناً وضوءه بطرف ثوبه، كما يُروى عن معاذ بن جبل ؓ قال: رأيت النبيّ ☺ إذا توضّأ مسح وجهه بطرف ثوبه، روى الترمذيُّ تلك الأحاديث وضعّفها، وأنا أميل لتصديقها.

وكما يُروى عن سلمان الفارسيّ، أن رسول الله ☺ توضّأ، فقلب جبّة صوف كانت عليه، فمسح بها وجهه (رواه ابن ماجه).

أمّا ما ورد عنه أنّه لم يجفّف، فله عدّة أسباب محتملة: فقد كان أحياناً مستعجلاً ☺ كما يظهر ممّا يرويه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ☺ فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثمّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ.

فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثمّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ.

بل أشهر ما استدلّ به من كرهوا تجفيف أعضاء الوضوء أو الغُسل هو حديث ميمونة عن ابن عباسؓ:

عن ميمونة قالت: وَضَعَ رسول الله  صلّى الله عليه وسلّم وضوءًا لجنابة، فأكفأ بيمينه على شماله مرّتين أو ثلاثًا، ثمّ غسل فرجه، ثمّ ضرب يده بالأرض أو الحائط مرّتين أو ثلاثًا، ثمّ مضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثمّ أفاض على رأسه الماء، ثمّ غسل جسده، ثمّ تنحّى فغسل رجليه، قالت: فأتيته بخرقة فلم يردّها، فجعل ينفض بيده (رواه البخاري)، ولفظ مسلم: ((ثم أتيته بالمنديل فردّه)) وهذا الحديث لا يدلّ على الكراهة من عدّة أوجه:

قال ابن حجر ؒ: “استدلّ بعضهم بقولها: “فناولْتُهُ ثوبًا فلم يأخذه” على كراهة التنشيف بعد الغُسل، ولا حجّة فيه؛ لأنّها واقعةُ حالٍ يتطرّق إليها الاحتمال، فيجوزُ أن يكون عدم الأخذ لأمرٍ آخر لا يتعلّق بكراهة التنشيف؛ بل لأمر يتعلّق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلاً، أو غير ذلك. قال المهلّب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ، وقال أيضًا عن ابن دقيق العيد بأن نفضَه الماءَ بيديه يدلّ على ألّا كراهة للتنشيف؛ لأنّ كلاًّ منهما إزالة الماء.

 وقال إبراهيم النخعي: إنّما ردّه لئلّا تصير عادة”

وقد أجاد الإمام النوويّ في شرحه على مسلم حينما رجّح إباحة ذلك بدليل قويّ جداً، وهو حاجة الاستحباب أو الكراهة لدليل واضح، بل إنّه نقل قولاً للشافعيّة باستحبابه لأنّه يجفّف الأعضاء ويحميها من الغبار والاتّساخ.

وهناك قول لاحظ موضوع المناخ، فميّز بين الصيف والشتاء، فقال:

“وقد اختلف علماء أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء والغسل على خمسة أوجه: أشهرها: أنّ المستحبّ: تركه، ولا يقال: فعله مكروه.

والثاني: أنّه مكروه.

والثالث: أنّه مباح يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره، فإنّ المنع والاستحباب يحتاج إلى دليل ظاهر.

والرابع: أنّه مستحبّ، لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ.

والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء“.

هذا مذهب الشافعيّة، أمّا سواهم فقد أباحوا التجفيف: 

قال ابن قدامة ؒ : “ولا بأس بتنشيف أعضائه بالمنديل من بلل الوضوء والغُسل، وهو المنقول عن أحمد.. وممّن روي عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وكثير من أهل العلم، ونهى عنه جابر بن عبد الله وكرهه عبد الرحمن بن مهدي وجماعه من أهل العلم.. والأوّل أصحّ لأنّ الأصل الإباحة وتَرْكُ النبيّ ☺ لا يدلّ على الكراهة، فإنّ النبيّ ☺ قد يترك المباح” انتهى بتصرّف [المغني، 1/195]

وقد سُئل الشيخ ابن عثيمين ؒ عن حكم تنشيف أعضاء الوضوء فأجاب:

 “تنشيف الأعضاء لا بأس به ؛ لأنّ الأصل عدم المنع، والأصل فيما عدا العبادات من العقود والأفعال والأعيان الحلّ والإباحة حتّى يقود دليل على المنع.

فإن قال قائل: كيف تجيب عن حديث ميمونة رضي الله عنها؟

فالجواب: إنّ هذا الفعل من النبيّ ☺ قضيّة عَيْن تحتمل عدّة أمور: إمّا لأنّه لسبب في المنديل، أو لعدم نظافته، أو يخشى أن يبلّله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، فهناك احتمالات ولكن إتيانها بالمنديل قد يكون دليلاً على أن من عادته أن ينشّف أعضاءه، وإلا لما أتت به” [مجموع فتاوى ابن عثيمين (11/93)]

حتّى المالكية الذين يقولون بفرْضيّة (الموالاة في غسل أعضاء الوضوء) لا حرج عندهم من تجفيف بعض الأعضاء في أثناء الوضوء!

وكان الإمام مالك ؒ يجفّف أثناء الوضوء، وهو الحريص على السُّنَّة، وشهد سلوك الناسِ في مدينة رسول الله ☺.

قال الإمام القرافي: “وَإِذَا أُبِيحَ التَّنْشِيفُ، فَهَلْ يُبَاحُ قَبْلَ الْفَرَاغِ؟.. عَلَى الْمَشْهُورِ: يَجُوزُ؛ لِيَسَارَتِهِ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ: قيل لِمَالِكٍ: أَيَفْعَلُ ذَلِكَ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنِّي لأفعله” [الإمام القرافي، الذخيرة (1/289)]

أختم بملاحظتين طبيّتين:

الملاحظة الأُولى: قرأتُ لبعضهم أنّ ترك الماء يجفّ وحده له فوائد صحيّة للجِلد، وأقول: المرجع في ذلك إلى العلم التجريبيّ (إلى الأطبّاء) مع مراعاة اختلاف طبيعة الأشخاص والبيئات والمناخ والفصول الموسميّة برداً وحرّاً، وبعدها يمكن الاستدلال أو الاستئناس بالفائدة أو الضرر الصحيّ، أمّا إطلاق الكلام دون بيّنة فلا يجوز، لأنّ بعضهم تدفعهم العاطفة الدينيّة للإقناع بحكم شرعيّ إلى التساهل بنقل مثل هذه المعلومات؛ لأنّها تؤيّد (برأيهم)حكماً شرعيّاً.

الملاحظة الثانية: عدم تجفيف الأقدام بعد الوضوء ولبس الجوارب قبل جفاف الأقدام، مما يتسبّب بنمو الفطور بين الأصابع ممّا يشكّل مصدراً للروائح الكريهة، وهنا ننصح باستخدام سائل مضادٍ للفطور، يُباع في الصيدليّات يوضع بشكل قطرات بين الأصابع، تساعد على القضاء على الفطور بشكل علاجيّ، كما يستخدم وقائيّاً، بعد تجفيف الأقدام، وستكون النتائج ممتازة إن شاء الله.

 وخلاصة الأمر كما ظهر –والله أعلم- أنّ تجفيف الجسم من أثر الوضوء أو الغسل أمرٌ لا علاقة له بالعبادة (الوضوء أو الغُسل) بل يعود لرغبة المرء وفطرته، إن شاء جفّف وإن شاء تركه، فهو مباح، وقد عنونت مقالتي بقولي: (لا حُكْم) للفت النظر واتّباعاً للقول بأنّ الإباحة ليست (حكماً تشريعيّاً تكليفيّاً) رغم استقرار ذكرها بين الأحكام التكليفيّة الخمسة، وقد ناقش ذلك الأصوليّون طويلاً فمنهم من لم يعدّها حكماً تكليفيّاً لعدم الكُلفة في تطبيقها، ولكنّهم في النهاية اتّفقوا على ذكرها بين الأحكام التكليفيّة للتغليب، أي أنّ الأحكام الأربعة المتبقيّة فيها تكليف بالترك أو بالفعل، وألحقوا بها الإباحة إلحاقاً.

والله أعلم بالصواب.




بين النقد والهدم!

في ثقافتنا عادةً ما نردّد عبارة: (النقد البنّاء)، ولكنّنا عمليّاً نخشى النقد، ونتوجّس منه، بل نكرهه، فهو كالدواء مرٌ، لكنّه مهمّ في التقويم والتصويب.

والناجحون دائماً يطلبون من يرشدهم للخلل، وكذا الأمم المتطوّرة تفرح بالكتابات الناقدة النوعية، حتّى إنّ الشركات الكبرى تموّل أبحاثاً لنقدها وذلك لتطوّر منتجاتها وخدماتها وأدائها.

بل أضحى للتفكير الناقد كتبٌ ودورات تقوم بها المؤسّسات والمنظّمات، وتحرص في اجتماعاتها على تمثيل الفكر الناقد، وذلك لأجل الانتباه للأخطاء والمخاطر والعيوب ونقاط الضعف في القرارات، وحرصاً على التطوير والإبداع، فلا يمكن إبداع جديد ما لم نشعر بقصور القديم، وبالتالي نقوم بالبحث والتنقيب والتفكير بحلول جديدة. 

فالتطوير والتقدّم مدينٌ للنقد، فلولاه لما عرفنا خطأ السابق أو قصوره على الأقلّ، والحاجة لشيء أكثر صلاحيّة وتطوّراً، فالنقد بداية الإبداع، فلا بدّ من نقد السابق لنفكّر بإبداع الجديد.

وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي».

فالمطلوب مرآة صقيلة ترينا صورتنا على حقيقتها، لا المقعّرة التي تضخّمنا، ولا المحدّبة التي تصغّرنا. 

قد يضيق بعض الفضلاء بالنقد ويعتبرونه نشراً للغسيل الوسخ، أو جلداً للذات أو هدماً للرموز، أو تشويهاً للتاريخ.

هنا يجب أن نميّز بين المندّسين المغرضين الهدّامين المعادين للمشروع الإسلاميّ، وبين الناقدين الناصحين الصادقين المنتمين للتيار الإسلاميّ، الذين همّهم النصح والإصلاح والتطوير والتصحيح، فلا يدفعنا حبّنا وانتماؤنا وولاؤنا للتنظيمات والجماعات، وحماسنا لأفكارنا أن نضع الجميع في سلّةٍ واحدة.

فهل كلّ ناقد كاره لمن ينقدهم؟ أو ضالّ أو مخطئ؟ أو يريد الشهرة والصعود على أكتاف المنقود، أو صاحب مصلحة أو مدفوعٌ له؟!

كلّ حركة وتيّار إسلاميّ لها نقد لبقيّة التيّارات والاتجاهات الإسلاميّة الأخرى، وهذا طبيعيّ لأنّه المسوّغ المنطقيّ لعدم تبعيّتهم لغيرهم، ودليل استقلالهم بمنهج خاصّ.

قد يكون عندنا -مثل ما عند غيرنا- نقدٌ لكثير من أفكار التيّارات الإسلامية في الساحة، ونرى أنّهم لو طبّقوا نقدنا لكانوا أقرب إلى الصواب، وأكثر نفعاً للمسلمين، وأقرب منهجاً للإسلام، والبقاء بالنهاية للأصلح، فعند تصادم الأفكار تبرق بارقة الحقيقة.

علينا سماع المخالفين والنقّاد، بل البحث عنهم وعن أطروحاتهم، حتّى نطّلع عليها، ونقارن بينها وبين أفكارنا وسلوكنا، فنأخذ ما نراه صواباً، ونترك مالا نراه مناسباً.

 على منهج الصحابيّ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي قال كما في صحيح مسلم: (كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي) وغالباً ما يكون ذلك عند المختلف معنا، لأنّ المحبّ والمنتمي عادة لا ينتبه للأخطاء، لانغماسه بالعمل والتنفيذ أو لشدّة حبّه وولائه، بينما من نصنّفهم (ناقدون متحاملون) فإنّهم كثيراً ما ينقدون أشياء تستحقّ النقد.

ينبغي ألا نتعامل مع كلّ فكرة مخالفة، أو نقد على أنّه طعن وشبهات ينبغي الردّ عليها، فنكون نتلقى الكلام دون استماع ولا فهم ولا تعقّل، بل نتلقّاه بألسنتنا بدل آذاننا لنردّ عليه، ولا نتركه يمرّ على عقولنا، فلعلّ النقد صواب! ولعلّ الحقّ معه، كما قال تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) [النور:15]، وقد امتدح الله سبحانه: ((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)) [الزمر:18]

الكلام والنقد والحوار ينفع من كان ولاؤه للإسلام أكبر من ولائه للفكرة أو الحركة أو التنظيم، ينفع من يرى حزبه وجماعته ومذهبه الفكريّ أو الفقهيّ أو العقديّ أو السلوكيّ يراهم جزءاً من المسلمين، وليس الممثل الحصريّ للإسلام.

أمّا من يرى تطابقاً بين فكره والإسلام، فلا ينفع معه النقاش، فهو ينطلق في نقاشه من كونه الممثّل للإسلام، فأيّ نقد لفكره يعني نقداً للإسلام!!

وعلى كلّ حال.. فليس الحلّ مع الناقدين بنصب محاكم التفتيش والإقصاء وتراشق التهم والألقاب والدخول بالنّيّات.

كما أنّ السخرية والاستهزاء والتسخيف والاستخفاف بالناقدين ليس حلّاً، لأنّه يوغر الصدور، ويجافي بين القلوب، ويفرّق الصفّ، وقد يحوّل المنتقِد من مجرّد منتقد إلى عدوٍّ حقيقي.

من موانع قبول النقد:

1- عدم تقديم البديل أو الحلّ: 

طبعاً من الأفضل أن يأتي الناقد بالنقد والحلّ معاً، أو البديل، لكن ذلك ليس شرطاً، فمن رأى بناء خطراً آيلاً للسقوط وإيذاء سكّانه، لا يشترط أن يسكت حتّى يحضر البديل، بل يجب عليه أنْ ينبّه أهله ويدعوهم للإصلاح أو الاستبدال وهم بعدها أحرار، إن شاؤوا استمعوا للنصح وفكّروا بالبدائل وأصلحوا، وإن شاؤوا ألقوا التحذير وراء ظهورهم (لأنّه لا يقدّم بديلاً)، ولا أعتقد أنّ عاقلاً يفعل ذلك! لكنّه مع الأسف في واقعنا كثيراً ما نكابر ونفعل ذلك.

2- صغر سنّ الناقد، أو ضعف خبرته، أو عدم شهرته:

قد يكون الناقد صغيراً سنّاً وقدراً من بعض القيادات (فهو في سنّ أولادهم) لكن هذا لا يسوّغ لهم الأسلوب الوصائيّ والاستعلائيّ وسياسة (تكسير المجاديف) فهذا الأسلوب لم يعد ناجعاً في أيّامنا، حتّى مع أولادنا الصغار، ولا بدّ للقيادات أصحاب الخبرات، الذين تعرّضوا للمحن والابتلاء في سبيل الدعوة من الإصغاء للجيل الجديد، إن أرادوا أن يستوعبوهم ويستفيدوا من حِدّة عقولهم، وفهمهم للمستجدّات (كما كان يفعل الفاروق عمر رضي الله عنه) حيث كان يحرص على وجود حدثاء السنّ في مجلس شوراه.

ثمّ إنّ من أسوأ آفات الكبر: (بَطَرَ الحقّ وغَمْطَ الناس) كما ورد في الحديث الصحيح في تعريف الكبر، وبَطَرُ الحقّ: هو عدم الانصياع للحقّ عندما يظهر على لسان الآخرين، وغمط الناس: احتقارهم واستصغارهم!

3- عدم تخصّص الناقد:

 صحيح أنّ الأَوْلى بالنقد والاجتهاد المتخصّصون، لكن بالمقابل ينبغي أن ننزل آراء غير المتخصّصين منزلةَ فكرةٍ تحتاج عرضاً على المتخصصين، وتأكّداً من صوابها، فلا نردُّها مباشرة؛ لأنّها فقط صدرت عن غير متخصّص، فغير المتخصّصين -عادة- يفكّرون (خارج الصندوق) كما يقال، فكم يقيّد التخصّص صاحبه بالقواعد والشروط  والتفصيلات، فيأتي غير المتخصّص بأفكار جديدة تظهر أوّل وهلة كأفكار مجنونة، لكنّ الحلّ يكمن فيها، وهذا شأن الأفكار الإبداعية تظهر كجنون، لكنّنا نكتشف لاحقاً أنّ العقل كلّه فيها!

4- فقْدُ الثقة بالناقد، لكونه ليس مخلصاً، أو ربّما يكون عميلاً أو عدوّاً:

هذه القضيّة أقصد (التخوين) قضيّة منتشرة -مع الأسف- في مجتمعاتنا، وليست كلّها اتهامات باطلة، فبيننا عملاء ومحبّو شهرة، يريدون التسلّق على أكتاف المنقودين، وهناك التحاسد بين الأقران، هذا كلّه صحيح وواقعيّ، لكن بالمقابل كثير من هذا النقد صحيح، وفي مكانه، كما قال الشاعر:

عداتي لهم فضلٌ عليّ ومِنّة ٌ ** فلا صَرَفَ الرحمنُ عنّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها ** وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

ثم إنّ كثيراً من التّهم السابقة تنطلق من تخمين وظنّ، بل كثير منها عارٍ عن الصحّة، فالقاعدة المريحة للجميع، التي تقينا الدخول بالظنون والتخرّصات والخوض بالنيّات، هي: (علينا بالظاهر، والله يتولّى السرائر)، فننظر في النقد بغضّ النظر عن قائله، فما كان من النقد منصفاً وصواباً أخذنا به، وما كان بعيداً عن الصواب، أو مجانباً إيّاه، تركناه، وبذلك لا نُحْرَمُ النقدّ البنّاء.

5- الاعتداد بالتاريخ والخبرة والانتشار:

لا شكّ أنّ القدم والانتشار يعطي الجماعات والأفراد والمؤسّسات خبرة لا يستهان بها، لكنّ ذلك يجعلهم أيضاً معتدّين بأنفسهم، ممّا يمنعهم من التعامل مع النقد بجدّيّة، وبخاصّة في حالات الإيمان بآيديولوجية معيّنة (أقصد بها نظريّة في التغيير) لأنّ الآيديولوجيّة عادة تكون صمّاء لا تذعن  للواقع، بل تحاول تغيير الواقع وفق خطواتها التي تتبنّاها، لذلك تكون عادة عصيّة على النقد، ولهذا فإنّ الكيانات العريقة عادة تتكلّس أفكارها وتتصلّب ولا تلتفت للناقدين، رغم تطوّر الحياة وتغيّر الواقع الذي نشأت وفق معطياته وحاجاته وإمكانيّاته، فهي بحاجة للإصغاء جيّداً للأصوات الناقدة، لكنّ ذلك يحتاج قيادات استثنائيّة، ذوي عقول منفتحة، ونفوس متواضعة.

ونحن إذ ننادي بالنقد ونشجّع عليه، وتقديم البدائل، إنّما نطمح من ورائه إلى النهوض بالنخبة الفاعلة في مجتمعاتنا، وكسر حال الجمود التي صرنا إليها نتيجة ركام عقود خلت، وقد سبق إلى مثل هذا العمل أئمّة ومفكّرون ومصلحون كبار.

الحلّ مع المخالفين من إخواننا يكمن بالحوار البنّاء معهم، والتواصل الحميد، وإن كان لا بدّ فبمدافعة الفكرة بالفكرة، والحجّة بالحجّة، والدليل بالدليل، فليس الحلّ ببناء قلاع القطيعة، بل ببناء جسور التواصل.




المنقِذ من الجمود الديني

الجمود الفكري والعلمي والاجتهادي أحد أسباب تخلفنا وحتى تنهض أمتنا من جديد لا بد من كسر قيد الجمود.

ولكي نتخلّص من الجمود وندخل في التجديد والاجتهاد المطلوب علينا أن نقوم بالخطوات الأربعة الآتيّة:

الخطوة الأولى: ترك مهاجمة من يترك التقليد:

ليت الجمود يقتصر على نفسه، بل –مع الأسف- يتناول كلّ من تجرّأ واقتحم غمار الاجتهاد، فلا يتلقّى تشجيعاً كما هو المفروض أنه الطبيعيّ والمنطقيّ، بل يُواجه بالاستهزاء والسخريّة والهجوم والاتهام.

لا بدّ أن نترك عقليّة الهجوم على كلّ من يخالفنا ونتّهمه في دينه وعقله وانتمائه وولائه، فهذا: (مبهور بالغرب)، وذاك (يحبّ الظهور) لذلك يخالف الرأي السائد (المقرّرات)، والآخر (مشبوه)، وفلان (لم يأخذ عن الراسخين)، وعلّان (غير متخصّص)، و(دع عنك إرضاء اليهود والنصارى)، ودع عنك (الأقوال الشاذّة)، و(مَنْ قال بهذا قبلك؟!)، وهذا (مخالف للجمهور)، وهذا (خَرْقٌ للإجماع)، وذاك (عميل)، وهذا (دَرَس أو درّس أو عاش في الغرب).. مع أنّ كثيراً من رموزهم تنطبق عليه بعض الصفات الماضية، لكنّه لم يخالفهم، فلا مشكلة، أمّا لو خالفتهم فسيرمونك بكلّ تهمة، وسيلبسونك أيّ تهمة تناسبُك.. خالفْهم فقط وسترى العجب.. من قائمةِ التُهَمِ المجهّزة مسبَقاً.

صحيح أنّ الصواب من الجماعة أقرب، لكن هذا ليس بإطلاق، فكم رجّح علماؤنا قولَ عالم بخلاف الجمهور، وكان قوله هو المخلّص والموئِل في كثير من النوازل، فميزان الحقّ ليس بالإحصاء والأغلبيّة، فذاك مجاله بالانتخابات السياسيّة وليس طريقة للترجيح العلميّ! وإلا لكان الترجيح بحسب الأغلبيّة دائماً، وهذا ليس سبيل المحقّقين، نعم يمكن اللجوء للأغلبيّة عند تكافؤ الأدلّة، أمّا عند رجحان الدليل والحجّة على غيره، فندور مع الدليل أينما دار.

أمّا عن إرضاء الآخَر من اليهود والنصارى والغرب والآخرين كلّهم، فهؤلاء (الآخرون) متقدّمون وسعداء ومشغولون بأنفسهم، راضون بواقعهم، وهم ليسوا متآمرين علينا يريدون فَرْضَ حلولهم التي نجحت في مجتمعاتهم، فهم ليسوا حقول تجارب ثم يصدّرون لنا ما نجح عندهم، وهم لا يهتمّون بنا ولا بأفكارنا، إلا بمقدار ما يمسّ مصالحهم، ويؤثّر عليهم، بينما نحن من يذوق ويلات أفكارنا، وجمودنا، ونحن مَنْ تخلّفنا عن فقهائنا وعلمائنا العظام، الذين كانوا يجتهدون ويجدّدون، ويغيّرون أقوالَهم، ويخالفون شيوخَهم، ويتّبعون الحجّة والبرهان من أيّ إناء خرج، فنحن بحاجة للحكمة من أي إناء خرجت.

يجب التعويل على الحجّة والبرهان في نقاش من يجتهد، ولا نترك القول والاجتهاد الذي قدّمه، ونهاجم القائل: هل جمعتَ شروط المجتهد؟ هل حفظتَ كذا؟ هل فعلتَ كذا؟

 بدلاً من مهاجمة القائل واتهامه بكلّ نقيصة ناقشْ فكرتَهُ وأدلّتَهُ، اعتبره لم يملك شروط الاجتهاد التي تشترطها، لكنّه استطاع أن يتعب ويأتي بقولٍ ويستدلّ عليه، ويأتي بالحجج والأدلّة، وقدّم وجهة نظره في اجتهاده ذاك، فلنناقش الفكرة ولنترك المتكلّم.

الخطوة الثانية: نشر ثقافة الاجتهاد والتجديد:

لن نستطيع الإبداع العلميّ، وأن يكون لنا شهود حضاريّ في عصرنا، حتّى نحطّم الأصنام الفكريّة المزيّفة التي نعكفُ عليها، وننشر بدلاً عنها أفكاراً صحيحة، قابلة للتطبيق، ونناضل في نشرها حتّى تضحي مألوفة معروفة، وتأخذ حقّها من التطبيق والانتشار.

فالفكرة تأخذ قوّتها من صحّتها وحجّتها وأدلّتها: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:١١١]  أوّلاً، ثمَّ من صلاحيّتها للتطبيق في الواقع ثانياً، ومن مدى انتشارها ثالثاً، فما فائدة فكرة ممتازة غير معروفة؟!! ومن تطبيقها عمليّاً رابعاً، وإلا فستبقى فكرة لا أثر لها في أرض الواقع.

وآفة العلم الجمود والتحجّر والانغلاق، وكثيراً ما نبني أسواراً عالية ونسجن أنفسنا داخلها، فمن أين يأتي التجديد؟ 

فإذا كنّا التزمنا بالمدرسة الفكريّة التي نشأنا فيها بحكم الظروف، ولم نخترها بعد دراسة مقارنة، وإذا كنّا لا نقرأ إلا لنفس المدرسة، ولا نسمع إلا لها، ولا نزور إلا رموزَها، ولا نصاحب إلا منها، من أين سنسمع الرأي المخالف أو الحجّة المُغايرة؟!!

بينما علينا أن نربي (طلّاب علم) باحثين، يتعشّقون الأسئلة الجديدة، ويجِدّون بالبحث والتفكير في حلّها، يتقنون فنّ البحث، وحلّ المشكلات، والحفر المعرفيّ، والإتيان بحلول (من خارج الصندوق) كما يُقال، أي: من خارج المقررات التي يحفظونها، أو من داخل الصندوق، إذا كان ما في الصندوق صالحاً لزماننا، فالمشكلة لا تبرز أصلاً لو كان القول القديم المعروف المنتشر يُنجِد ويُسعِف ويَصلُح، المشكلة تبرز عندما يصبح ما حفظناه يلائم زماناً سابقاً، والواقع قد تغيّر مائة وثمانين درجة!

ويلزمنا أن نضع منهاجاً ينتج بنهايته طالبَ علمٍ مؤهّلاً للاجتهاد بدرجاته المختلفة، وتقف درجة الطالب الاجتهاديّة مكان وقوفه، بحسب قدرته وإرادته وهمّته، بمعايير دقيقة وواضحة، وللإنصاف فقد سبقنا الشيعة الإمامية في هذا الأمر.

أمّا أن نربيّ ببغاوات يكرّرون ما حفظوه، فالببغاوات لا يصلحون إلا للعَرْض والتندّر.

وقد قدّم الفاروق عمر رضي الله عنه أعظم نموذج لفقيه يراعي الواقع ويتفاعل معه، ويقدّم المصلحة المعتبَرة شرعاً بما لا يُعارض مقاصد الشرع، فأوقف العمل بعدّة نصوص قرآنيّة، مراعاة للواقع، الذي تبدّل برأيه رضي الله عنه، والحقيقة أنّ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لم يوقف العمل بالنصّ بالتشهّي بل إنّ شروط العمل بالنصّ لم تعد تتحقّق، والواقع الذي جاء النصّ له قد تبدّل.

ولو كان بعض الجامدين في زمنه لأنكروا عليه ترك العمل بالنصوص! وكثير من فقهائنا رووا أحاديث وخالفوها في اجتهاداتهم، لأنّهم قدّموا نصوصاً أخرى عليها، مراعين مقصد الشارع الحكيم، والمبادئ العامّة التي رسّختها النصوص، فعلوا ذلك كلّه باجتهادهم ورأيهم.

كما فعل الإمام مالك رحمه الله في أحاديث رواها في الموطأ ولم يعمل بها، ومثله الإمام محمد صاحب أبي حنيفة الذي روى الموطّأ، وهذا مشهور معروف في كتب الفقه التي تذكر الأدلّة ووجه الاستدلال، حيث يسوقون القول ويذكرون الأدلّة التي أخذوا بها ورجّحوها، كما يذكرون الأدلّة التي خالفوها والردود عليها.

الخطوة الثالثة: الاستفادة من أطروحات المفكّرين والباحثين المعاصرين:

من المفيد أن ينظر المتخصّصون في الفقه في الاجتهادات المعاصرة الجديدة، وبخاصّة في آراء (المفكّرين) من غير المتخصّصين في الفقه، فهؤلاء المفكّرون أقرب لروح العصر والواقع والعُرف البشريّ، وأكثر انعتاقاً من قولبة وتأطير الاجتهادات القديمة، التي يغلب عليها ثقافة تلك العصور، فليأخذوا من اجتهاداتهم المعاصرة ما يرونه صالحاً، ثمَّ يؤصِّلونه ويذكرونه كاجتهاد معاصر.. فعند المفكّرين منجَم غنيّ من الاجتهادات المعاصرة الممتازة، كثير منها مؤصّل، وبعضها ينقصها التأصيل، فكثير من المفكّرين لا يصبرون على الـتأصيل، وربما بعضُهم لا يتقنه، وقد كان الفاروق عمر رضي الله عنه يستعين بالشباب من صغار السنّ، يعجبه حِدّة ذكائهم في حلّ المشكلات، فلماذا نزهد نحن بأقوال غير المتخصّصين من الأذكياء وأصحاب الرأي؟!

 ومن البدهيّ هنا أن نقول: كلّ من يجتهد يخطئ، فليست كلّ أفكارهم صحيحة بطبيعة الحال.

لكن المثقف المتخصّص بتخصّص ما قد يرى آراء فقهية في مجال تخصصه تكون موفقة ومناسبة لروح العصر والدين، أكثر من رأي الفقهاء القدماء، لأن الواقع تغيّر، وظهرت فيه تفاصيل لا يحيط بها عادة إلا الفقيه المعاصر، ومن التوفيق أن المجامع الفقهية تستعين بالمتخصصين في اجتهاداتهم المعاصرة.

الخطوة الرابعة: نشر الاجتهاد المقاصدي:

هذا لا يعني فتح الباب لكلّ من هبّ ودبّ، ليقول في دين الله برأيه وهواه، دون علم وبرهان، لكنْ لو قال مثقّف أو مفكّر -غير متخصّص- رأياً دينيّاً، فعلينا أن ننظر فيه بحياديّة كاملة، ولا نردّه لمجرّد كونه خرج من غير متخصّص، فالعبرة هنا بطريقة الاستدلال والحجّة والبرهان، (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ).

نحن ندعو المتخصّصين إلى أن ينفتحوا على كلّ الأقوال والاجتهادات، قديمها وحديثها، ما كان ضمن المذاهب الأربعة، وما كان خارجها، المهمّ أن يكون ممّا نُقل إلينا مع دليله وحجّته، وعندها لا يهمّنا مَنْ القائل؟ بما أنّ القولَ ودليلَه أمامنا، نستطيع تأمّله ووزنه بميزان العلم والحُجّة والبرهان.

 فالمطلوب الانفتاح على كلّ الاجتهادات، وأن يجتهدوا بما يناسب روح العصر، مراعين مقاصد الشارع الحكيم، والقيم العامّة، والمبادئ القطعيّة، فهذا هو لبّ الدين وبه يكون صالحاً لكلّ زمان ومكان.

أمّا النصوص التفصيليّة فقد راعت الظروف الخاصّة زماناً ومكاناً وحالاً، فالمهمّ الحفاظ على النسق العام والمقاصد القطعيّة والمبادئ الراسخة، وعدم تضييع المبادئ العامّة لنصّ جزئيّ جاء في حال خاصّة.

هذه خطوات أربعة لعلها تساهم في طريق التخلّص من الجمود والدخول بالتجديد المنشود، ولعل بعض الباحثين يساهمون في خطوات أخرى حتى تكتمل الرؤية ويتضح المنهج.

والله من وراء القصد.




العلوم الشرعيّة بين الحفظ وتكوين الملكة

أسمى ما يطمح إليه طالب العلم هو تحصيل المَلَكة في التخصّص العلميّ الذي يدرسه، والمقصود بـ(المَلَكَةِ) عقليّة ذلك العلم وصَنعته وحِرفته وإتقانه حفظاً وفهماً وتطبيقاً وتقويماً ونقداً وتأييداً وإبداعاً جديداً، فالملكة تحصيل المهارة والتذوّق، وامتلاك عقليّة ناقدة مبدِعة في ذلك العلم، بحيث يستطيع العالم من خلال تلك الملكة حفظ المسائل بسرعة وفهمها وتقويمها وإلحاقها بنظائرها، وإدراجها تحت قواعدها، وتقويم الأقوال في المسألة أو القضيّة التي يدرسها والترجيح بين وجهات النظر، بل اشتقاق واجتراح وإبداع أقوالٍ جديدة (إن أمكن).

 لكنّ واقع تعليم العلوم في المجتمعات الراكدة هو تحفيظ مسائل تلك العلوم، والمحفوظات -بطبيعة الحال- لا آخر لها لكثرة المصنّفات! ورحم الله العبقريّ ابن خلدون حينما وضع قاعدة في التعليم: وهي:

– إنّ (كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل).

فالحاصل فعليّاً في بيئاتنا أنّ المعلّم هو أصلاً غافل عن هدف العلم الذي تخصّص فيه، ويشتغل بجمع المعلومات وحفظها، حتّى أصبح ينطبق عليه قوله تعالى: (ألهاكم التكاثر)، ويشغل غيرَه من الطلبة بذلك! طبعاً هو لا يفعل ذلك بسوء نيّة، ولا يقصد إشغال المتعلّمين بدوّامة المعلومات التي لا تنتهي! 

لكنّه هو نفسُه غافلٌ عن هدف تلك العلوم وهو (تكوين الملكة)، فكيف سيهدي غيرَه، (ففاقد الشيء لا يعطيه)! لذلك واقع تعليمنا أنّ الطالبَ مثاله كالعدّاء الذي يدخل في مضمار سباق دائريّ الشكل يبقى يدور ويدور وهو في مكان واحد لا يبرحه، مهما أسرع وجدّ وبذل قصارى الوُسْع والجهد، لأنّ الهدف غير صحيح.

 فليس هدف العلوم حفظ الأقوال والحجج، بل تحصيل (العقليّة والمَلَكة) في ذلك العلم حتّى يصبح مؤهّلاً للمجيء بأقوال جديدة أو موافقةٍ للأقوال السابقة، لكن (باجتهادٍ) وافق اجتهاداً سابقاً، وليس نقلاً وتقليداً، وهذا هو الفرق بين الذي يحفظ وبين من يصبح ذا ملكة!

 وهذا لا يلغي أهميّة الحفظ للعلوم، فحفظ المعلومات شيء لا بدّ منه، وهو أساس كلّ علم، فكيف سيمتلك العلم ويصبح ذا ملكة فيه وهو لا يحفظ مسائله؟!
لكن ما نريد تأكيده هو: عدم الاقتصار على حفظ المسائل والتعدادات والتفريعات، بل الانتقال من الحفظ المحض إلى بقيّة مستويات التفكير التي ذكرها (بلوم) في سلّمه الشهير، وهي (الحفظ ثمّ الفهم ثمّ التطبيق ثمّ التحليل ثمّ التقويم، ثمّ الابتكار) وهنا ننبّه إلى أنّ أدنى مهارات التفكير: الحفظ والتذكّرـ ثمّ تصعد إلى أعلاها وهو الابتكار.

 ففرق كبير بين من يحفظ ويفهم ويطبّق ويحلّل ويقوّم ويبدع، ويحوز الملكة والمنهج وطريقة التفكير، حتى ينقلب إلى منتِج للمعلومات في ذلك العلم، وبين من يكتفي بالحفظ فقط!

فتجد الكثير من (حفظة العلوم) يعيد لك المفردات والمصطلحات نفسها، بل حتّى الكلمات التي حفظها، ولا يقوى على استبدالها بألفاظ أخرى، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عدم تمكّن المعاني والفهم العميق للفكرة، فيبقى الحافظ أسيراً للألفاظ مخافة تغيير المعاني التي لم يهضمها!

من مظاهر ولعنا بالحفظ أصبح يطلق على بعض العلماء (هذا الشافعي الصغير، وذاك أبو حنيفة الصغير) ولو جالستَ ذلك العالم أو استمعتَ إليه أو قرأتَ له ستكتشف أنّه حافظ فروع ومسائل ذلك المذهب، ولا يملك عقليّة ذلك العلم، ودليل ذلك أنّك لو سألته سؤالاً سيرجع لذاكرته أو للكتاب ولن يجرؤ أن يقول بحسب الأدلّة وقواعد الحنفيّة فالحكم كذا وكذا!! 

لذلك علينا أن نوجّه تلاميذنا النابهين لهذا الهدف الأسمى (بناء الملكة) ومن قَصُرت همّته واستعداداته عن بلوغ تلك المرتبة -بعد السعي والمحاولة- فليكتفِ بما وصل إليه بحسب جدّه واجتهاده، فهو أفضل ألف مرّة من حبس التلاميذ بسجن الحفظ فقط!

وعندما يتّضح الهدف يسهل إيجاد الوسائل لتحقيقه، وهذا ليس عسيراً، فالتعليم الحديث ينمّي في التلاميذ مهارة شرح الشعر وتحليله، كما أنّه يعلّمهم كتابة موضوعات الإنشاء والإبداع فيها، وحلّ مسائل الكيمياء والفيزياء والجبر والهندسة العويصة.

 فلماذا نكتفي في علومنا الشرعيّة بتلقين التلاميذ المعلومات دون أن ننمّي فيهم ملكة تطبيق العلوم المنهجيّة، كعلم مصطلح الحديث وأصول الفقه، والمقاصد وملكة التفسير والاستنباط؟!

فنخرّج تلمبذاً لا يجرؤ على استخدام عقله في الحكم على مسألة، بل نجعله خائفاً رعديداً، لا يجرؤ على حكم دون الحصول على الحلّ منصوصاً في كتاب قديم!

قد يقال: إنّ مستوى تلامذتنا ضعيف، فلا تكلّف التلاميذ فوق طاقتهم، فكثير من أساتذتهم لا يستطيعون ذلك!

 ونقول: نعم “فاقد الشيء لا يعطيه” والحلّ بإصلاح المناهج، بجعلها تراعي بناء الملكة وتعتمد جوانب التطبيقات والتدريبات العمليّة من المراحل الأولى، وتدريب المدرّسين عليها، عندها سيدهشنا الأساتذة مع تلامذتهم بقدراتهم ومهاراتهم، لكنّهم يحتاجون من يضع عنهم الإصر والأغلال، ويفتّق طاقاتهم.

 وهنا لا نشترط في التدريبات وحلّ المسائل صوابَ أجوبة التلاميذ كلّها، ففي الرياضيّات يعطون الدرجات على خطوات الحلّ السليم حتّى لو أخطأ بالنتيجة النهائيّة، لأنّهم يعتمدون على بناءِ المهارة والمنهج والطريقة في استخراج المعلومة، لا على حفظ المعلومة الجاهزة!

وقد اشتكى من ذلك العلّامة ابن خلدون ؒ قديماً فقال: 

“وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلميّة، فهو الذي يُقرّب شأنها ويُحصّل مراميها.

 فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلميّة سكوتاً لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة، فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرّف في العلم والتعليم، ثمّ بعد تحصيل من يرى منهم أنّه قد حصّل، تجد ملكتَه قاصرة في علمه إنْ فاوض أو ناظر أو علّم! وما أتاهم القصور إلا من قِبَل التعليم وانقطاع سنده، وإلّا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم، لشدّة عنايتهم به، وظنّهم أنّه المقصود من الملكة العلميّة وليس كذلك” [المقدّمة، 2 /83]

وحتّى يكون الكلام واقعيّاً وعملّياً، سنضرب أمثلة ببعض العلوم الشرعيّة:

فعلم العقيدة وعلم الكلام بحسب الواقع الذي نمارسه في مدارسنا وكليّاتنا الشرعيّة، هل نهدف لتخريج تلاميذ يحوزون ملكة وقدرة على اجتراح واختيار حجج وبراهين جديدة، تؤكّد العقائد التي يدافعون عنها؟ وخطاب كلّ قوم بحسب عقولهم وخلفيّاتهم الثقافيّة ومخاطبة كلّ قوم بلسانهم، ونقصد باللسان هنا الثقافة، أم همّ مدارسنا الشرعيّة تحفيظ أقوال السابقين واللاحقين من علماء العقيدة فقط؟!

فَلُبُّ علمِ الكلام هو (علم الحجاج، والدفاع عن العقائد) وهو يختلف من ثقافة إلى ثقافة، ومن عُرف إلى آخر، ومن بيئة وعصر إلى آخر.. فالمقصود إقناع الطرف الثاني بصحّة العقائد، مستخدمين الأدلّة العلميّة التجريبيّة والنظر في المخلوقات، والأدلّة العقليّة الفلسفيّة، والأدلّة النقليّة، فالحكمة تقتضي تعدّد الأساليب بحسب المخاطبين، وهذا يحتاج تدريب التلاميذ على ردّ الشبهات المعاصرة، كتابة في مقالات وبحوث وكتب ومناظرة وحواراً وإلقاءً جماهيريّاً وإعلاميّاً، وتربيّة وترسيخاً في نفوس الصغار والكبار. 

وعلم تفسير القرآن الكريم، هل همّ المدرسين إكساب التلميذ المتخصّص بالتفسير مهارة ومَلَكة التفسير؟ أم تركيزهم يقتصر على شرح العبارات والمعاني ليحفظها التلميذ؟ فيصبح ناقلاً وحافظاً لأقوال المفسرين، لا متدبّراً وناظراً ومرجّحاً بين الأقوال والمعاني والروايات التفسيريّة، حتّى يصبح مفسّراً للقرآن الكريم لا ناقلا لتفسيرات غيره فقط.

وكم هو سارٌ أنّ أحدَ أصدقائنا من دكاترة الشريعة الأذكياء كان يُعلّم التلاميذ قواعد التفسير ثمّ يطلب منهم أن يجتهدوا هم في تفسير القرآن الكريم، ويكلّفهم بواجبات عمليّة لتفسير بعض الآيات القرآنيّة بمفردهم أولاً، وبجهدهم الشخصيّ، ثمّ أن يرجعوا لكلام المفسّرين ويقارنوا بين ما توصّلوا هم إليه (باجتهادهم) من تفسيرات، وبين ما توصّل إليه الأئمة السابقون والمعاصرون، ليجدوا أنّهم لم يخرجوا عن المعاني الصحيحة إلا نادراً، وهو بذلك يدرّبهم ويمرّسهم على مهارة التفسير، ليصبح التفسير عندهم ملكة ومهارة، فهل هذا هو الشائع في تدريسنا؟ أم أنّ السائد هو شرح تفسيرات المفسّرين الآخرين وتكليف الطلاب بحفظها؟! 

هذا نموذج لوسيلة تحقّق الملكة والمهارة في نفس المتعلّم المتخصّص. 

وعلم مصطلح الحديث ينبغي أن يكون الهدف الأسمى من دراسته هو إكساب التلميذ المتخصّص بالحديث الشريف القدرةَ على الحكم على الحديث قبولاً أو ردّاً، أي تصحيحاً أو تحسيناً أو تضعيفاً.

بينما الهدف الأَوّليّ لهذا العلم هو أن يحفظ التلميذ المصطلحات التي يستعملها المحدّثون عند الكلام عن ثبوت الأحاديث وصحّتها من ضعفها، إلى آخر المصطلحات التي تملأ كتب علم مصطلح الحديث، حتّى يفهم تلك المصطلحات لو مرّت به.

 وهذا الهدف ضروري -ولا شكّ- لكنّ الأرقى منه هو تحصيل ملكة الحكم على المرويّات الحديثيّة ليحكم هو بنفسه على الأحاديث وفق قواعد ذلك العلم.

 ولو فرضنا أنه سعى لذلك ولم يدرك الدرجة العليا في هذا العلم، فعلى الأقلّ هو يدرك تماماً ما الذي فعله المتخصّصون حتّى حكموا بما قالوا، فيصبح فهمه أدقّ وأعمق من الذي لم يسعَ أصلاً أن يحصّل القدرة على الحكم على الأحاديث، وعندها يمكنه جمع أقوال المحدّثين السابقين، ويقارن بينها، ويرجّح حكماً على الحديث صحةً أو حسناً أو ضعفاً، أمّا أقلّ من ذلك فما فائدة دراسة هذا العلم إذن؟!

وعلم أصول الفقه هل الهدف أن نعرف القواعد التي اعتمدها الفقهاء في اجتهاداتهم، ونحفظ مصطلحات ذلك العلم؟ أم المقصود الأعلى لهذا العلم أن يتملّك التلميذ هذه القواعد وتصبح من قواعد عقله في الاستنباط والاجتهاد والنظر والترجيح، بحيث يمتلك التلميذ مهارة وملكة الاجتهاد بدرجاته المعروفة: (المجتهد المطلق والمقيّد ومجتهد الباب والمسألة والاجتهاد الانتقائيّ والترجيحيّ) بحسب همّة الطالب ومؤهّلاته وقدراته.

 أو على أقل تقدير: يتقن اختيار الفتوى وتنزيلها على الواقعة، فالفتوى عمل اجتهاديّ ولها خطوات وآداب، وكلّ علماء الشريعة وتلاميذها -باختلاف مستوياتهم- يمارسونها، وهي تحتاج تدريباً تطبيقيّاً حتّى لا نقع بكوارث الإفتاء المنتشرة.

وعلوم اللغة العربيّة هل الهدف تحفيظ التلميذ المصطلحات حتّى يفهمها لو مرّت معه في الكتب فقط، أم ينبغي أن يكون الهدف إكساب التلميذ ذوق اللغة العربيّة وفهمها، واستخدام أفضل أسلوب عربيّ للكلام والقراءة والكتابة!

وهكذا… فكلّ علم نبحث عن مَلَكَته وعقليّته فنركّز على زرعها في عقول طالبي هذا العلم.

فالفرق بين من يعتمد حفظ العلوم، وبين من يعتمد المَلَكَة، كالفرق بين (النبع والجمع) كالفرق بين المنهج والمنتَج، كالفرق بين المعلومات ومناهج استنباطها، كالفرق بين المصنع ومنتجاته.

قد يُقال: هذا الكلام للكبار، للعلماء ولطلاب الدراسات العليا، نُجيب: كم نفوّت إذاً من سنوات الدراسة لو غفلنا عن ترسيخ العلوم وتطبيقاتها العمليّة؟

وهذه الآفة تنطبق على طريقة تعاطينا مع العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة أيضاً.

ولا يفوتنا أن نؤكّد على ضرورة تنشئة الطلاب على احترام العلماء وتقدير جهودهم، بل لو ربّيناهم على تحصيل المَلَكة سيقدّرون العلماء الراسخين ممّن حصّلوا تلك الملكة، أكثر بكثير ممّا لو اقتصرنا على تحفيظهم أقوالهم فقط، لأنّهم سيعرفون قدْرَهُم ومكانتهم وجهودهم، ولأنّهم سيدركون أيّ منزلة بلغ أولئك الأئمّة حتّى أتوا بهذه العلوم الراسخة.

وكلّ نظريّات التربية والتعليم الحديثة تؤكّد على أهمّيّة التركيز على تنمية العقليّة والتفكير ومنهجيّة البحث والتعامل مع المعلومات عند التلاميذ، وتطوير المنهجيّة المتخلّفة في التعليم القائمة على التّلقين والتحفيظ فقط! وبخاصّة في ظلّ عصر تفجّر المعلومات ووفرتها.

فالحفظ والتذكّر في أدنى مستويات التفكير وفق هرم (بْلُوم) لمستويات التفكير والتعلّم -كما مرّ سابقاً-.

وكرم الله باب واسع مفتوح، قال عليه الصلاة والسلام: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ) [رواه البخاري].

قال الشرّاح: “قَدْ يَأْتِي فِي الْآخِرِ مَنْ يَكُونُ أَفْهَمَ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ” [فتح الباري]

وحتّى نصل لذلك نحتاج مناهج جديدة لا تقتصر على التنظير، بل فيها تمارين وتدريبات عمليّة تراعي هذا الهدف، ونركّز على مناهج البحث في كلّ علم نعلّمه، وندرس نشأة هذا العلم وتاريخه وتطوّره حتّى يعرف التلميذ المراحل التي مرّ فيها هذا العلم، حيث بدأ بسيطاً ثمّ تطوّر حتّى وصل إلينا، ويضع المؤلّفون آفاق التطوير المطلوبة في هذه العلوم، حتّى تكون منارات لمن أراد بذل الجهد ونيل شرف المساهمة في تطوير هذه العلوم، كما يفعل الباحثون في توصيات رسائلهم الأكاديميّة، بذلك يبني اللّاحق على بناء السّابق، فتزدهر العلوم، وتشرق في عقول حامليها.




العلوم الإنسانيّة وإصلاح الواقع

كثير من الموضوعات والظواهر والمسائل نناقشها بآرائنا، ونصدر أحكاماً عليها، وهي أحكام انطباعيّة شخصيّة غير علميّة، وربما نقرأ عنها (نتفاً) هنا وهناك، وهي -في حقيقة الأمر- مباحثُ قُتِلَت بحثاً وقد خُصّص لها علوم مستقلّة.

والسبب بعدم معرفة أنّ لها أقساماً خاصّة في علوم متخصّصة هو عدم اطّلاعنا على تلك العلوم، لذلك عرّف بعضهم العالم بأنّه: “من يجيد استخراج المسألة من الكتب” .

فلم يشترطوا عليه حفظ المسائل كلّها، بل يكفي معرفته بمظانّ المسائل، وقدرته على استخراجها وتحقيقها، واختيار الراجح منها.

لذلك علينا الاطلاع الجيّد على تلك العلوم حتى ننتبه إن مرّت بنا مسألة -وهي جزء من علم ما- أنّه يلزمنا مراجعة ذلك العلم، ونستطيع الرجوع لتلك الكتب والبحث فيها، أو سؤال المتخصّصين بذلك.

 أمّا إن كنّا لا نعلم انتماء ما نناقشه إلى تخصّص ما، فكيف سنكون واعين بضرورة الرجوع لذلك التخصّص، حتّى نطّلع على ما يقدّمه لنا من معلومات تساعدنا في فهمنا وقرارنا فيما نحن بصدده؟

فإذا أردنا معرفة الواقع أو فهم الواقع أو فقه الواقع بطريقة (علميّة) فلا يتمّ ذلك بالاختلاط بالناس والنزول للأسواق والمكاتب والمعامل والمحلّات ومخالطة أصحاب المهن والحِرَف المختلفة وفهم الحياة من خلالهم فقط!

 فهذا قدر بسيط من فهم الواقع، يشترك فيه الناس كلّهم تقريباً، ويتساوى فيه العاميّ مع العالِم، بل ربّما يتفوّق العاميّ صاحب السَفَر والتجارب بفهم تفاصيل وحِيَل الواقع أكثر من العالم المنعزِل المشغول بكتبه وتدريسه وتآليفه، فالمطلوب في فهم الواقع فهماً علميّاً هو أن نرجع لأهل التخصّص في تلك الجوانب.

 فالظواهر الاجتماعيّة والقوانين التي تحكمها تُفهم من خلال علم الاجتماع، وسلوك الأشخاص يُفهم من خلال علم النفس، والسياسة تُفهم مبادئُها من كتب العلوم السياسيّة وليس من متابعة الأخبار السياسيّة! والاقتصاد يفهم من كتب الاقتصاد، ووظائف الأعضاء وحركة الأجرام والقوانين القضائيّة وغيرها من العلوم تُفهم من أهل التخصص الدقيق. 

والعلوم الإنسانيّة علوم نسبيّة وغير قطعيّة بطبيعتها، لتعلّقها بالإنسان صاحب الإرادة الحرة التي تمكّنه من التصرّفات المتعاكسة تجاه المؤثّر الواحد، فالضغط على الشعوب قد يؤدّي للثورة، وقد يؤدّي لمزيد من الخنوع والخضوع!

 بعكس المادّة التي تستجيب بطريقة واحدة للمؤثّر الواحد، لانعدام الإرادة الحرّة عند المادّة، وهذا يجعل هضم العلوم الإنسانيّة وإتقانها صعباً، فوجهات النظر في العلوم الإنسانيّة متباينة بشكل كبير، بعكس العلوم التجريبيّة التي تحسم التجاربُ المنضبطة الخلافَ في النظريّات وتخفِّفه. 

ومما ينبغي الانتباه إليه أنّ العلوم الإنسانيّة لها وظيفتان وظيفة وصفيّة واقعيّة، ووظيفة معياريّة قِيَميّة مثاليّة، فالوظيفة الوصفيّة هي وصفها للواقع كما هو؛ بحلوه ومرّه، بصوابه وخطئه، بإيجابيّاته وسلبيّاته، دون تقييم لذلك، فيكتفي العلم بوصف الواقع وتحليله.

والوظيفة الثانية: هي توجيه الواقع ووضع معايير له، والحكم عليه قِيَميّاً، فهذا صواب وهذا خطأ، ويحدّد الحال المثاليّة المطلوبة.

ومن هنا نستطيع القول: إنّ العلوم الإنسانيّة تصف الواقع أوّلاً ثمّ توجّهه نحو ما تراه صواباً ثانياً، فهي مؤثّرة في الواقع وموجّهة له، وهنا تكمن خطورةُ العلوم الإنسانيّة.

 فأصل التغيير والإصلاح هي العلوم الإنسانيّة، أمّا العلوم الطبيعيّة التطبيقيّة فهي غالباً علوم آليّة خدميّة ماديّة.

 نستطيع القول -إذا صحّ التعبير- إنّ العلوم التطبيقيّة تبني المدنيّة الماديّة، أمّا العلوم الإنسانيّة فتبني الحضارة الإنسانيّة، أو العلوم الإنسانيّة تبني جسد الحضارة، والعلوم الإنسانيّة تبني روحَها وعقلَها الموجِّه.

لذلك تهتمّ العلوم الإنسانيّة بالشأن الإنسانيّ للأفراد والجماعات والدول والحضارات، فكلّ الحضارات تنطلق من فلسفة تجري في آليّاتها ومؤسّساتها جريان النُّسْغِ في الأغصان، فهي (الغائب الحاضر) الغائب عن وعي العامّة، الحاضر بقوّة وفاعليّة في الحياة.

فينبغي الاهتمام بالعلوم الإنسانيّة حتّى لا نصاب بـ(العلمانيّة العمليّة) -دون أن نشعر- باقتصارنا على العلوم الشرعيّة وفصلها عن العلوم الإنسانيّة التي تعين على فهم الحياة والتفاعل معها، لما لها من تأثير كبير في طريقة التفكير، وأسلوب التعاطي مع الحياة، وآليّة اتخاذ القرارات.

وهنا لا بدّ من التحذير من بعض الكتابات الإسلاميّة، فمما لا شكّ فيه أنّ كلّ ثقافة لها نظرتها الخاصّة للعلوم وجزئيّاتها وتطبيقاتها واستخدامها في الحياة، سواء العلوم الإنسانيّة الاجتماعيّة أو التطبيقيّة التجريبيّة، ولا بدّ من كتّاب راسخين ينبّهون للأخلاقيّات الإسلاميّة في التعامل مع تطبيقات العلوم التجريبيّة، ونظرات العلوم الإنسانيّة، فيقبلون الصحيح وما يتّفق مع ثقافتنا وتعاليم ديننا، ويحذّرون ممّا يتعارض معه.

لكن علينا الحذر في التعامل مع الكتب التي تتناول العلوم الإنسانيّة أو التطبيقيّة التجريبيّة والحكم عليها إسلاميّاً، أو التي يوضع في عنوانها بعد اسم العلم كلمة (الإسلاميّ) مثل: علم النفس الإسلاميّ، أو: علم الاجتماع الإسلاميّ، أو: علم التربية الإسلاميّة، أو: الطب الإسلاميّ، أو: السياسة الإسلاميّة، أو: علم الاقتصاد الإسلاميّ، أو:  الفنون الإسلاميّة، أو: الإعلام الإسلاميّ، وبعضها يتناول الأحكام الشرعيّة لمسائل كذا وكذا..

لماذا يجب الحذر في التعامل مع هذه الكتب؟ لأن ّالكاتب قد يكون في أحيان كثيرة قصير النظر في فهمه للإسلام، سطحيّ الاطلاع، ضعيف الفقه بالإسلام وقواعده العامّة، بعيداً عن مرونة الإسلام وسَعته، وينعكس ذلك في نظرته لذلك العلم عموماً، وفي جزئيّات مسائل ذلك العلم، فيشوّه ذلك العلم بدلاً من أن يقدّم إضافة معرفيّة حقيقيّة.

وفي أحايين أخرى يكون فهمه لذلك العلم قاصراً أو سطحيّاً، فيُغفِل آراء راجحة في ذلك العلم، ويتبنّى آراء سطحيّة أو مرجوحة أو ضعيفة، أو حتّى متروكة، وربمّا جاء بها وبدأ بنقدها مع أنّها مهجورة غير مُعتمَدة عند المتخصّصين في ذلك العلم.

كما أنّ الكثيرين ممّن يكتبون كتابات إسلاميّة يقفون من الأفكار الوافدة موقفَ المستريب الشاكّ الرافض لها، قبل أن يفهمها ويهضمها، ويأخذ النافع منها ويرفض الخاطئ أو الصحيح من وجهة نظر الغربيين -سواء كانوا مسيحيين أو ماديّين- لكنّه لا يناسبنا نحن المسلمين.

فهو رافض لها كلَّها مسبقاً، ويدخل بهذه العقليّة الرافضة ليقرأ لهم ويردّ عليهم، فهو متحيّز ضدّهم مسبقاً، فكيف سيتعامل بموضوعيّة معهم! 

لكن للإنصاف نقول: ليست الكتابات الإسلاميّة كلّها كذلك، لهذا قلتُ: (احذر) ولم أقل (اترك).

فمن أراد المساهمة في فهم الواقع أوّلاً، ثمّ بإصلاحه ثانياً، فلا بدّ له من الاطلاع الجيّد على العلوم الإنسانيّة، لأنّ إصلاحه سيتناول -بشكل أو بآخر- الأفراد والجماعات والمجتمعات والدول، و هذا كلّه لن يتمّ فهمه بشكل جيّد وبطريقة علميّة دون الرجوع للعلوم الإنسانيّة.




الثورة حياة

الحياة هي النشاط والحيويّة، هي الليل والنهار، هي النور والظلام، هي الطيّبون والخبثاء، هي نوازع الخير والشرّ في النفوس البشريّة، هي المصالح المتضاربة، والطغيان المتوقّع.

 (إنّ الإنسان ليطغى أنْ رآه استغنى) فالقوّة مظنّة الطغيان، فبمجرّد استغناء الإنسان، وعدم وقوف قوّة تمنعه، سيمضي وراء مصالحه لا يوقفه إلا عدم القدرة، أو الالتزام بالمبادئ والأخلاق، فالدّين والأخلاق تهذّب الطباع، لكنّها لا تغيّرها، كما أنّ المبادئ قابلة للتأويل والتحايل والتسويغ.

 فحتّى تستقرّ الحياة وتتوازن، لا بدّ من التدافع الذي لا تستقيم الحياة لولاه (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة:251] 

وقد قالها أجدادنا قديماً في المثل الشعبيّ: “قالوا لفرعون مَنْ فَرْعَنَكَ؟ قال: لم أجدْ من يردّني”. فحتّى تتوازن الحياة وتعتدل، لا بدّ من الثورة دائماً في وجه أنواع الظلم والفساد والاستبداد كلّها.

والحياة الكريمة لا تستقيم دون ثورات تحمي حياضها، عندما ترفع المرأة صوتها في وجه زوجها القاسي محتجّة.. فهذه ثورة، وحين يعترض العامل على سوء معاملته، وعلى هضم حقوقه، فهذه ثورة، حينما يطالب التلميذ بالعدالة مع زملائه فهذه ثورة، حينما يحتجّ المنتظر الواقف في (الطابور) الطويل على من يأخذ دوره.. فهذه ثورة، إنكار المنكر ثورة، والأمر بالمعروف ثورة.  

 حينما تطالب الشعوب المقهورة بالكرامة والحرّيّة والعدالة والمساواة ورعاية مصالحهم وحفظ حقوقهم هذه ثورة.

البشريّة كلّها تتقدّم في ميدان حقوق الإنسان والكرامة البشريّة، واحترام المواطن، وتبني الدول الحديثة التي تخلّصت من عقليّة الوصاية والتعامل كالسادة والعبيد الذين يعيشون في مزرعة السيّد، الذي يمنّ عليهم بالعطايا، وبنوْا دولاً ديمقراطيّة تستمدّ الحكومات مشروعيّتها من إرادة شعوبها عبر انتخابهم، وتتقرّب الحكومات من الشعوب بالتفنّن بتقديم الخدمات وترفيه مواطنيهم.

والمستبدّون العرب يسبحون بعكس تيّار الحياة، ويحاربون سنن التاريخ، ولن يستطيعوا الوقوف في وجه التقدّم الطبيعيّ، لن يستطيعوا إيقاف نموّ الأشجار، ولا إيقاف سقوط الأمطار.. لن يستطيعوا الوقوف في وجه الأقدار، لن يستطيعوا الاستمرار في استعباد الشعوب!!

لكن لا بدّ مع الأمل من العمل، فالحقوق لا تُعطى بل تُؤخذ، وما يسمّى (بالثورات المضادّة) أمر طبيعيّ متوقَّع، فإذا كان اللصّ الصغير الذي يسرق شيئاً حقيراً لا يستسلم، ويبذل قصارى جهده للفوز بمسروقاته، فماذا ننتظر من ظالم فاسد سارقٍ مقدّرات بلدان كاملة؟! هل نتوقع أن يستيقظ ضميره ويُسَلّم الجملَ بما حَمَل؟!

 هل يتنازل عن مصالحه كلّها؟! ثمّ ماذا عن الطفيليّات التي تعيش على موائد المستبِدّ، هل تستسلم بسهولة هي الأخرى؟! من المؤكّد أنّهم سيحاربون للمحافظة على مكتسباتهم لآخر رمق!.

ومن الواجب أن نصبر على متطلّبات نيل الحقوق، ونصبر على مواجهة الظلم، بدل الدعوات الخائرة التي تطالب بالصبر على الظلم!.

ينبغي أن نطالب بالرضا بما يصيبنا عند إصلاح الواقع، بدل الدعوات للرضا بالواقع الآثم!.

علينا الانتقال من الاكتفاء بالدعاء -والاقتصار على أضعف الإيمان- إلى أعلى درجات الإيمان؛ إلى التغيير باليد، وبذل الغالي والنفيس، فالثورة مستمرّة ما دامت الحياة مستمرّة.




الإجازاتُ المَشْيَخِيّة .. بين الوسيلة والمقصِد

خلال مراحل العمر يغلب أن يمرّ طالب العلم بتجارب متنوّعة، ومن هذه التجارب تجربة الإجازات من المشايخ والعلماء، حيث أولعتُ في فترة من عمري بجمع الإجازات والأسانيد العالية، وخَبَرْتُ القضيّة جيّداً، فكنّا نطوي -مع أصحاب لي- المسافات الطويلة طلباً لإجازة، أو إسناد عالٍ، فنقابل العلماء، ونطلب منهم الإجازة إحياءً لسنّة السند الذي ميّز الله بها هذه الأمّة، وغيرها من الكلمات المحفوظة في هذا السياق، فيعطونا إجازات مكتوبة، بعضها أكثر من عشر صفحات، مليئة بأسماء كتب الحديث وبقيّة العلوم الشرعيّة، ممّا لم أقرأه ولم أطّلع عليه أصلاً! ثمّ استيقظتُ بتنبيهٍ من بعض الأفاضل، وركّزتُ جهدي على طلب العلم، وتركتُ الهَوَس بجمع الإجازات!

كثيراً ما تضيع البوصلة عندنا، فنخلط بين الوسائل والمقاصد، حيث كانت الإجازة وسيلة تمثّل الشهادة لطالب العلم بإتقان علم أو سماع مرويّ، ثمّ أصبحت غاية ضاع معها المقصد.

وكان الإسناد للتوثيق والتأكيد، لذلك كان الرواة يطلبون الإسناد العالي في الرواية (وهو الإسناد قليل عدد الرواة)(1) لتقلّ إمكانيّة الخطأ على الرواة، وانتهى عصر التدوين وتناقلت الأمّةُ الكتبَ التي جمعتِ السُّنةَ النبويّة الشريفةَ، وحفظوها ونقلوها محفوظة في السطور والصدور، ولم يعد للأسانيد تلك الأهميّة التي كانت قبل عصر التدوين، فالناس الآن تتناقل أمّات كتب الحديث بالتواتر، عبر ما يُسمّى في طرق تحمّل الأحاديث (الوِجادة) وهي أن تجد كتاباً فيه أحاديث جمعها شخص وأنت لم تلقَ المؤلّف وليس لك إجازة منه، ووثّقت بنسبة الكتاب إليه، فيجوز لك الرواية من ذلك الكتاب، على أن تشير أنّك تروي من كتاب وجدتَه لفلان، ولا توهم السامع أنّك سمعتَ تلك الروايات منه، وبهذا يظهر أنّنا نروي من كتب أمّهات الأحاديث في أيّامنا على سبيل الوجادة الجازمة بنسبتها إلى أصحابها، فهي منقولة لنا بالتواتر الذي تحيل العادةُ الكذب بنسبتها.

وأصبح في زماننا السند للبركة، والإجازات والإسناد العالي للتفاخر، مع الغفلة عن مقصد علم الحديث الشريف، وهو الفهم والاستنباط والعمل، وتشاهد ذلك عندما يجتمع المهتمّون بالإجازات، ويتفاخرون بها، فهذا يقول: “أجازني العالم الهنديّ فلان صاحب الإسناد العالي بكذا وكذا”، فيجيبه الآخر: “وأنا أجازني العالم المغربيّ فلان بكذا وكذا وإسناده أعلى”، وقد ذمّ علماؤنا القدماء ذلك وعابوه، ومن ذلك كلمة قاسية للإمام الذهبيّ، يقول فيها: “والمحدّثون: فغالبهم لا يفقهون، ولا همّة لهم في معرفة الحديث.. إنّما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ، وتكثير العدد من الأجزاء والرواة”(2) ومن الواضح أنّه يقصد طائفة من المشتغلين بالحديث ممّن يتّصفون بما ذَكَر، فلا يجوز تعميم تلك الأوصاف، فجهود السادة المحدّثين في جمع حديث رسول الله ﷺ مشهورة مأجورة مشكورة إن شاء الله، وكثير منهم جمع بين الرواية والدراية والحفظ والفهم.

وممّا ينبغي التنبّه له هنا التدليس الذي يفعله بعض طلّاب العلم، من أنّه يروي عن شيخ موهماً أنّه تلقّى عنه العلم أو الرواية، وهو في حقيقة الأمر مجرد مجازٍ منه إجازة، دون تلقٍ لشيء من العلوم التي يرويها أو يشرحها، وقد ذمّ العلماءُ التدليسَ، قال شعبة بن الحجاج: “التدليس أخو الكذب”.

ومن مظاهر انقلاب الوسائل إلى مقاصد الحرصُ على قراءة وإقراء أجزاء وكتب قيمتها العلميّة متدنيّة بالنسبة إلى غيرها، والسبب في ذلك توفّر إجازة وسندٍ في هذه الكتب.

فتسمعهم يحرصون على قراءةِ وإقراءِ أجزاءٍ حديثيّة غريبة الاسم والموضوع، ويتركون الأَولى منها والأجدر، من كتب الحديث ذات القيمة العالية، وما الدافع لقراءة وإقراء هذه الأجزاء الغريبة إلا توفّر إسنادٍ لها، مع أنّ كثيراً من هذه الأسانيد ضعيفةٌ لا يمكن الاعتماد عليها! 

ومن أشكال هذه الظاهرة رواية الأحاديث المسلسلات (وهي التي تُرْوَى على هيئة وطريقة محدّدة) وليس ذلك بسبب القيمة العلميّة لهذه الروايات بل لِزَعْمِ توفّر إسناد وإجازة بتلك الرواية!

والمرجوّ والمطلوب من طلبة العلم الشرعيّ بمختلف تخصّصاتهم أن يحرصوا على الاطلاع على خلاصة أمّهات كتب الحديث ولو بقراءة سرديّة، بشرط أن تكون السرعة تعطي مجالاً لفهم معنى الحديث الشريف، ولو المعنى الإجماليّ الكلّيّ.

ولذلك لا داعي لقراءة الأسانيد لغير المتخصّصين بالحكم على الأحاديث (قبولاً وردّاً تصحيحاً وتضعيفاً)، حتّى اسم الصحابيّ (راوي الحديث) لا داعي لحفظه كما كنّا نُكَلَّف في أثناء طلبنا للعلم، ونتعب في ذلك، وتختلط علينا أسماء الرواة، وكلّ ذلك ممّا لا طائل تحته أصلاً، إلا إنْ كان اسم الصحابيّ (راوي الحديث) له علاقة بنصّ الحديث ومتنه.

ولا داعي لقراءة المكرّرات، لذلك فالأفضل أن يتمّ اختيار كتاب جامع لمتون أمّهات كتب الحديث دون تكرار، وأن تتمّ قراءة متون الأحاديث قراءةً متمهّلة فاهمة.

حتّى يسمع طالب العلم أحاديث النبيّ ﷺ، مرّة في العمر -على أقلّ تقدير- ليعرف مواضيعها ومَواضِعَها، ويحيط بالعناوين والأبواب، فيستطيع الرجوع إليها بسهولة، ويتذوّق أسلوب النبيّ ﷺ، وتتكوّن لديه مَلَكة في تمييز الحديث النبويّ الشريف عن غيره، ويحبّذ أن يكون القارئ عالماً متقِناً يعلّق تعليقاتٍ سريعة على الأحاديث التي قد تَشْكُلُ على الناس.

أمّا ما يحصل في كثير من الأحيان فهو أنّ الإجازة تحوّلت من وسيلة إلى مقصد في حدّ ذاتها، فلو تمّت قراءة كتاب من أمّهات كتب الحديث في (مجلس سماع) مثلاً، فلا يتمّ التركيز على إتقان معانيه أو لفظه، بل ما يحصل هو قراءةٌ سرديّة سريعةٌ أقرب (للهَذْرَمَة) لا يفهم السامعُ أغلبَها، ولو ادّعى شخص أنّه يفهم ما يُقرأ ولو كانت القراءة سريعة، فيُقال له: النادر لا عبرة به، فلا بدّ من النظر لغالبيّة الحضور، فلا قدرة للمستمع -عادة- على الاستمرار بالتركيز والفهم، نتيجة السرعة المفرطة التي لا تُبِين الحروفَ والكلمات، فيسهو المستمع وربما ينام! وبتتبع هذه المجالس ينتابك شعورٌ أنَّ همّ القارئ والمستمِع إنهاءُ الصفحات، كأنّها عقوبة يريد التخلّص منها! لينال في نهاية المجلس إجازةً بسندٍ عالٍ!

ومن أهمّ مظاهر تحوّل الوسائل إلى مقاصد جمع الروايات وإهمال المعاني والفقه والعمل بالحديث، رغم أنّه المقصود، وقد نبّه إلى هذه الآفة وغيرها الإمام ابن الجوزيّ، في كتابه الشهير تلبيس إبليس فقال: “من ذلك أنّ قوماً استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه، وجمع الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية، والمتون الغريبة، وهؤلاء على قسمين: قسمٍ قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، وهم مشكورون على هذا القصد، إلا أنّ إبليس يلبّس عليهم بأن يشغلهم بهذا عما هو فرض عين، من معرفة ما يجب عليهم، والاجتهاد في أداء اللازم والتفقّه في الحديث.

 فإن قال قائل: فقد فعل هذا خلق كثير من السلف، كيحيى بن معين وابن المدينيّ والبخاريّ ومسلم، فالجواب: إنّ أولئك جمعوا بين معرفة المهمّ من أمور الدين والفقه فيه، وبين ما طلبوا من الحديث، وأعانهم على ذلك قصر الإسناد، وقلّة الحديث، فاتّسع زمانهم للأمرين، فأمّا في هذا الزمان فإنّ طرق الحديث طالت، والتصانيف فيه اتّسعت، وما في هذا الكتاب في تلك الكتب، وإنّما الطرق تختلف، فقلّ أن يجمع أحدٌ بين الأمرين..

القسم الثاني: قوم أكثروا سماع الحديث، ولم يكن مقصودهم صحيحاً، ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق، وإنّما كان مرادُهم العوالي والغرائب، فطافوا البلدان ليقول أحدهم: لقيتُ فلاناً، ولي من الأسانيد ما ليس لغيري، وعندي أحاديث ليست عند غيري.. وهذا كلّه من الإخلاص بمعزل”(3).

نعم يمكن استخدام الإجازات كوسائل تحفيز وترغيب بطلب علمٍ ما، كالشهادات التي تُعطى في الدورات العلميّة والمهاريّة والتنمويّة، التي انتشرت في زماننا، وإن كانت هذه الشهادات قد حلّت محلّ الإجازات، وأغنت عنها في كثير من الأحيان، ومن قصص النجاح التي تُحسَب للإجازة في هذا السياق إجازاتُ حفظ القرآن الكريم، يَذكر شيخُنا الشيخ المقرئ أبو الحسن الكرديّ ؒ أّنه عندما أُجيز بالقراءات العشر في خمسينيّات القرن الماضي كان من النادر أن تجد من يحفظ القرآن الكريم في دمشق من الرجال، فضلًا عن النساء! فبحث العلماء والدّعاة عن طريقة تجعل الناس يُقبلون على حفظ القرآن الكريم، فاقترح الشيخ عبد الكريم الرفاعي ؒ على الشيخ أبي الحسن أن يفرد رواية حفص فقط بإجازة، (ولم يكن إفراد الإجازة برواية واحدة مشتهِراً عند قرّاء دمشق وقتئذٍ، بل كان القرّاء يجيزون بالقراءات العشر كاملة).

 أُعجب الشيخ أبو الحسن بتلك الفكرة، واستشاروا بذلك شيخَ القراء في الديار الشاميّة وقتها الشيخ أحمدَ الحلواني ؒ فوافقهم على ذلك، وطُبعت الإجازة برواية حفص عن عاصم، ثمّ انتشرت وأقبل الناس على حفظ القرآن الكريم من الرجال والنساء لمّا رأوا الإجازة، وقرؤوا فيها السند العظيم الذي يصل إلى رسول الله ﷺ، عن أمين الوحي جبريل عليه السلام، عن ربّ العزة تبارك وتعالى(4).

فالإجازةُ شهادةٌ بأنّ فلاناً قد أُجيزَ بعلم ما، مسنَداً كان هذا العلمُ أم غير مسندٍ، سواءٌ كانَ منقولاً عن عالم آخر أو من بطون الكتب أو من جامعة أو مدرسة أو دورة أو من أفكارِ الباحثِ أو العَالِمِ نفسِه، وقد تكون الإجازة في علوم الآلة أو في العلوم الشرعيّة الرئيسة.

وقد تطوّر مفهوم الإجازة من صورته الفرديّة، المقتصرة على الإذن برواية بعض الأخبار؛ إلى كونها شهادة معتمَدة من جهة ذات مصداقيّة في علم من العلوم، تُظهر قدرة حاملها على الأداء العلميّ المتقَن في مجال تخصّصه. 

ثمّ تطوّرت في عصورنا المتأخّرة إلى مئات الأنواع، بحسب تخصّصاتها، والجهات المشرفة عليها، والسنوات المبذولة فيها، والمستويات المندرجة تحتها، وغير ذلك من الاعتبارات.

وهذا النوع من “الإجازات” هو الذي ينبغي الاهتمام به، والتفتيش عنه، الإجازات التي تنظّمها القوانين والأنظمة المنضبطة، وتشرف عليها جهات معتمَدة، ذات مصداقيّة عالية في تخصّصها وأمانتها وسمعتها بين الناس، كالجامعات المرموقة، والمعاهد المتخصّصة، والمراكز العالميّة، ونحوها من المؤسّسات الشرعيّة وغير الشرعيّة، أو أفراد العلماء والمشايخ الذين يتثبّتون فيما يمنحون من إجازات وشهادات، المهم أن تُثبت الإجازة لحاملها أنّه ترقَّى في تحصيل العلم بين يدي أهله المتخصّصين، ضمن أنظمة رقابيّة، تضمن تحقّق الحدّ الأدنى من الكفاءة المطلوبة.

أمّا الإجازات التي أشرنا إليها واشتهرت لدى بعض المشتغلين بالعلوم الشرعيّة، التي يتمّ فيها منح حقّ الرواية والتدريس من غير تثبّت من أهليّة المجاز وتمكّنه ممّا أُجيز به؛ فهي من الصور الضعيفة التي لا ينبغي التعويل عليها في توثيق حاملها والأخذ عنه(5).

يقول الشيخ عبد الله الجديع حفظه الله متحدّثاً عن الإجازة في علم الحديث: “توسّع فيها المتأخرون، وزادوا في أنواعها، وأدخلوا فيها صوراً منكرة، شبيهاً بما أدركناه اليوم من طائفة يقتني أحدهم كرّاساً جُمِع فيه له أو جَمَع لنفسه أسماء مصنّفات عدّة، كالصحيحين والسنن، له بمضمون ذلك الكرّاس إجازة من شيخ له، أن يروي تلك الكتب عنه، وذلك بإسناد لذلك الشيخ عن شيخ له، ويقع في السلسلة من هو معروف من علماء المتأخّرين بالإسناد، ينتهي الإسناد إلى إمام من أئمّة الحديث، كالحافظ ابن حجر أو غيره، ومنه إلى الأئمة المصنفين لتلك الكتب. والعيب في هذه الإجازات أنّ الطالب يجاز بمجرّد أسماء لكتب، لا يجاز بمضمون، بل من هؤلاء المجازين من لم يطّلع على مضمون، ولم يرَ الكتاب الذي أُجيزت له روايته عمره، بخاصّة بعض الأجزاء الحديثيّة التي هي في عداد المفقود، فعجباً لأحدهم يقول بعد ذلك: “لديّ برواية صحيح البخاريّ إجازة، وأنا أروي جامع الترمذيّ عن مسند العصر فلان”، ما أراه والله إلا يكذب في دعواه! فإنّه لو قرأ البخاريّ أو الترمذيّ وحفظهما فإنّه إنّما تلقّاهما بالطريق الذي تلقّاهما به سائر الناس، وهو هذه الوجادات عن الأصول الخطيّة والنسخ المنتهية أصولها إلى قرون عدّة، فأيّ فضل في هذا لإسناد هذا المسكين، وأيّ صدق في دعواه: أَرْوي هذا عن فلان، ما هذا إلا من تشبّع الإنسان بما لم يُعطَ، ولا عجب، فكثير من هؤلاء المُجِيزينَ والمُجَازِينَ ممّن لا حظّ لهم في هذا العلم”(6).

____________________

1) مثلاً: لو كان بين الراوي وبين النبيّ ﷺ ثلاثة رجال يكون الإسناد أعلى من أن يكون الإسناد فيه خمسة رجال بين الراوي وبين النبيّ ﷺ.

2) زَغَل العِلْم، الإمام الذهبيّ، ص 27

3 ) تلبيس إبليس، ابن الجوزيّ، ص: 105

4) ينظر مقال: توضيح وبيان حول الإجازات القرآنيّة التي منحها الشيخ أبو الحسن الكرديّ، بقلم ولد الشيخ محمد نزار الكرديّ، المقال منشور في عدّة مواقع على شبكة المعلومات.

5) ينظر: الإجازات القرآنيّة وشروطها: رؤيّة جديدة مهمة، أحمد النبوي

6) تحرير علوم الحديث، الدكتور عبد الله الجديع، 1/152




هل في القرآن كلّ العلوم؟

كثيراً ما نسمع من بعض الفضلاء أنّ الإسلام جاء بتعاليم لمرافق الحياة كلّها، فهو نظام شامل، وهذا حقّ لا ريب فيه، ونسمع أنّ كلّ شيء مذكورٌ في القرآن الكريم، ففيه علم الأوّلين والآخرين، وفيه علوم الدنيا والدين كلّها، الأنظمة والأفكار والحلول كلّها، وقد ورد عن بعض السلف مثل هذا الكلام، ويستشهدون بمثل قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ}، (وَنزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) (وتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ) (فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا) (اليوم أكملت لكم دينكم)، رغم أن الآية الأولى -والتي يستشهدون بها أكثر من غيرها- فسّرها كثير من المحقّقين بأمّ الكتاب، واللوح المحفوظ الذي كتب فيه كل ما سيحصل في الدنيا(1)، وعلى القول بأنّها القرآن الكريم فإنّ هذا عامُّ أُرِيدَ به الخُصوصُ، والمعنى: ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفُونَ(2)، وهذا المعنى هو الذي يجب المصير إليه في تفسير هذا المبدأ العامّ، وهو أنّ الإسلام جاء بتعاليم لمرافق الحياة كلّها، التي تدلّ عليه الأدلّة السابقة وغيرها، أي جاء بآيات وأحاديث تفي بحاجة توجيه الناس، ومن هذه الأحكام مبادئُ عامّة تصلح قواعد وأصولاً نستقي منها الفروع والتطبيقات المتجدّدة عبر تطوّر الحياة واتّساعها، وإلّا لما اضطررنا لمصادر تشريعيّة غير الكتاب والسنّة، لذلك قال علماء الأصول: “لمّا كانت النصوص متناهية، والحوادث غير متناهية، كان لا بدّ من القياس وغيره من الأدلّة التي نحتاجها للحكم على المستجدّات غير المنصوصة”، فالمصدر الأصليّ في التشريع الإسلاميّ هو القرآن الكريم، وهو أرشدنا للرجوع للسنّة، (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، والكتاب والسنّة أرشدانا للعقل السليم، والعقل مسترشداً بالكتاب والسنّة دلّنا على كون القياس الصحيح طريقةً سليمةً لاستنباط الأحكام والإرشادات الشرعيّة، وكذلك اعتبار المصلحة التي لم يُنْهَ عنها، واستصحاب البراءة الأصليّة، ومنع وسائل ومداخل المنهيّات بسدّ ذرائعها، واعتماد الأعراف الصالحة.. وهكذا اكتشفنا أنّ القرآن الكريم دلّنا على منابع وقواعد للمعرفة الصالحة من خارجه، تعتمد اجتهاد الإنسان، أي الجانب البشريّ من التشريع، ومن حكمة الله تعالى أنّه جاء بتعاليم مفصّلة لما كان ثابتاً كالعقيدة والعبادات وأحكام الأسرة والمواريث.. وجاء بمبادئ وقواعد عامّة للمتغّيرات كالمعاملات الماليّة وأحكام الحرب والسلم، والعلاقات الدوليّة وأحكام الإدارة السياسيّة والإرشادات الاجتماعيّة.

فالجانب البشريّ في تقدير التشريعات والأحكام الإسلاميّة المتغيّرة كبير، طبعاً مع مراعاة القواعد والمبادئ العامّة التي شرعها الشارع الحكيم، وبلزوم مراعاة هذه المبادئ الربّانيّة من قِبَل المشرّع من البشر يختلف التشريع الوضعيّ عن التشريع الإسلاميّ.

لكنّ بعض الخطابات الإسلاميّة توهم الناس أنّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، فيهما تفاصيل كلّ شيء، وبخاصّة في سياق الوعظ ومدحِ الشرع الإسلاميّ!

 وهذا من العبث المنهجيّ، فقد أنتج هذا الخطاب عندنا أناساً يشترطون النصّ من الكتاب والسنّة على كلّ جزئيّة في حياتنا.

 وليت الأمر اقتصر على الجوانب التشريعيّة، لكنّ الأمر انتقل للعلوم التطبيقيّة والعلوم الإنسانيّة، وحتّى للآليات والأدوات والوسائل والنظم والإداريّات، وتفاصيل النظام السياسيّ والنظام الاقتصاديّ والأنظمة الاجتماعيّة، وتفاصيل القوانين والأنظمة الإداريّة، والعلوم الطبيعيّة والكونيّة التجريبيّة، فوجدنا علماء يبحثون عن تفاصيل هذه الأمور كلّها في نصوص الكتاب والسنّة!

طبعاً لا يعني هذا تجاوز تعاليم الكتاب والسنّة، بل الذي ننكره تقاعس عقل المسلم عن الاجتهاد البشريّ في إيجاد تفاصيل وحلول لكيفيّة تسخير الكون، واختراع نظم إداريّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وتقنيّة واكتشاف العلوم التجريبيّة وتطويرها لحياتهم الدنيويّة والمعاشيّة، امتثالاً لقوله ☺ (أنتم أعلم بشؤون دنياكم).

طبعاً هذه العقليّة أدّت بهم إلى عدم العثور على تفاصيل تلك النظم والآليات في الكتاب والسنّة، فرجعوا للحلول الإسلاميّة المحليّة -رغم قدمها- حيث رجعوا للجهد البشريّ للمسلمين في العصور السابقة، الذين عاشوا في ظلال تعاليم الإسلام -بحسب اعتقاد من أخذوا عنهم- وتبنوا آراءهم وحلولهم وتطبيقاتهم وآلياتهم التي وصلوا إليها.

 وهنا لا نقول: إنّ كلّ تراث أمّتنا العلميّ والعمرانيّ والثقافيّ متخلّف ولا يناسب عصرنا!

 بل نقول: فيها ما يناسب عصرنا، وفيها ما تجاوزه العصر، ولم يعد صالحاً، فحياتهم كانت أبسط، وواقعنا الجديد معقّد يحتاج حلولاً جديدة تناسبه.

فكان اتجاههم ماضَويّاً ينظر في تراثنا العلميّ والحضاريّ يريد تكراره، بما أنّه منضبط بالكتاب والسنّة (بحسب تصوّرهم)!

 وبالمقابل ظهر سلوك آخر رافض للحلول المستوردة (الغربيّة) ولو كانت عصريّة متقدّمة، وصالحة للاقتباس!

والحقيقة أنّ حلولنا الإسلاميّة –تاريخيّاً- كان كثير منها اقتباساً من الحضارات المعاصرة للدولة الإسلاميّة فاقتبسنا في العصور الإسلاميّة الأولى من فارس والروم كثيراً من الأنظمة والحلول، فما المانع أن نقتبس من الغرب والشرق ما توصلّوا إليه من علوم إنسانيّة وتطبيقيّة وأدوات ووسائل ونظم وحلول ناجحة؟! فهي تجارب بشريّة نأخذ ما يناسبنا منها، ونترك ما لا يتلاءم مع واقعنا واحتياجاتنا ومع مبادئنا وديننا.

بل سأذهب لأبعد من ذلك وأقول: حتّى ما نخافه من القيم والمبادئ العليا، نحن نتشارك معهم في كثير من مبادئهم وقيمهم، (كالصدق والأمانة واحترام الوعد والوفاء بالعهد والمواثيق، وكرامة الإنسان والمحافظة على حقوقه..) فقد اهتمّوا وسلّطوا الضوء على كثير من القيم والمبادئ التيّ كانت ضامرة –نسبيّاً- في عموم البشريّة في العصور السابقة، كالحرّيّات والعدل والمساواة والكرامة الإنسانيّة وتفاصيل حقوق الإنسان وقيم التسامح والتعايش والسلم الأهليّ..

فالحلّ ليس بتكرار التجربة الإسلاميّة التاريخيّة بحذافيرها، ولا باستنساخ التجربة الغربيّة بكلّ تفاصيلها، بل بأخذ الصالح من التجربة الإسلاميّة التاريخيّة والتجربة الغربيّة المعاصرة، بما لا يتعارض مع قيمنا وتعاليم ديننا.

نحن بتكاسلنا عن النظر والبحث والتفكير والاعتماد على الجهد البشريّ، والنظر في الآفاق والأنفس، واستبدال ذلك بطلب تفاصيل ذلك من نصوص الكتاب والسنّة اللذين يرشداننا للنظر خارجهما عبر الأمر بالتفكّر والتدبّر والبحث والاجتهاد والتجربة والمشاهدة والاعتبار.

نحن نمشي بعكس المطلوب، فالمطلوب البحث خارج الكتاب والسنّة لتدبير شؤون حياتنا والنظر في الكتاب والسنّة للتوجيه والإرشاد والالتزام في شؤون حياتنا.

فعمارة الأرض مهمّة بشريّة بحتة، وعملها كله خارج الكتاب والسنَّة، ووضع القيم العليا  والأخلاق الفاضلة والأحكام الملزمة موجود في الكتاب والسنَّة.

فالأمور الدنيويّة الأصل فيها الإبداع البشريّ، مع الاتباع للتوجيه الربّانيّ.

فعمارة الدنيا تحتاج بحثاً (خارجيّاً) خارج الكتاب والسنّة، أما تعاليم الإسلام وأحكامه وإرشاداته فتحتاج بحثاً (داخليّاً) للكتاب والسنّة.

وعندها سنكتشف أنّ الكتاب والسنّة يأمراننا بالاتجاه خارجهما لعمارة الأرض، والالتزام بهما في السلوك والأخلاق والعقيدة.

يروي الشيخ الشعراويّ في تفسيره أنّه “سُئل الإمامُ محمّد عبده، وهو في باريس: أنتم تقولون: {مَّا فَرَّطْنَا في الكتاب مِن شَيْءٍ} فكم رغيفاً في إرْدَبّ الدقيق(3)؟.

 فقال: انتظروا.

واستدعى خبّازاً وسأله: كم رغيفاً في إردبّ القمح؟

فقال له: كذا رغيفاً. فقالوا له: أنت تقول إنّه في الكتاب. فقال لهم: الكتاب هو الذي قال لي: {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]”

ها هو القرآن الكريم يرشدنا للمتخصّصين في كلّ علم.

لكنّ حال بعض المنتكسين كالطالب الكسول الذي يعلّمه أستاذه تفاصيل علم ما في كتاب جامع لمسائل وقواعد ذلك العلم، في الكتاب القواعد التي يحتاجها كلّها في هذا التخصّص العلميّ، ثم يكلّفه ببحث التخرّج، وهو بحث تطبيقيّ يقوم به التلميذ وحده، فيأتي التلميذ ولم ينجز بحث التخرّج، متعلّلاً بأنّه نظر في الكتاب الذي أعطاه إيّاه أستاذه لعلّه يجد فيه بحثه المطلوب وحلول مشاكل البحث،  فلم يجدها، فيوبّخه أستاذه ويقول له: لن تتمكن من هذا العلم هذا حتّى تستطيع بنفسك تطبيق قواعده ومبادئه في تطبيقات جديدة ليست موجودة في الكتاب.

وبعضنا كهذا التلميذ الكسول، يريد علوم الكون كلّه في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة!

كالقاعد عن الجهاد ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ)) ((وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)) 

فالكتاب والسنّة للهداية وليس موسوعة علميّة تجد فيها الاكتشافات والاختراعات العلميّة.

فلإنسان دور أساس في فهم تعاليم القرآن، واكتشاف علوم الأكوان.

ورد في بعض الآثار “ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه” قال العلماء في بعض تأويلاته أي: عندما يخالف القارئ تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته!

فالقرآن الكريم يدفع بنا للانطلاق خارجه، والنظر في الآفاق والأنفس، ونحن نعود وننكفئ عليه مخالفين أمرَه!!

____________________

1) ينظر: تفسير الطبريّ، وتفسير الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطيّ، عند تفسير قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]

2) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ، 8/128

3) مكيال قديم يسع 24 صاعاً أي ما يساوي 60 كيلو غرام تقريباً.




المنقذ من الجمود الديني

الجمود الفكري والعلمي والاجتهادي أحد أسباب تخلفنا وحتى تنهض أمتنا من جديد لا بد من كسر قيد الجمود.

ولكي نتخلّص من الجمود وندخل في التجديد والاجتهاد المطلوب علينا أن نقوم بالخطوات الأربعة الآتيّة:

الخطوة الأولى: ترك مهاجمة من يترك التقليد:

ليت الجمود يقتصر على نفسه، بل –مع الأسف- يتناول كلّ من تجرّأ واقتحم غمار الاجتهاد، فلا يتلقّى تشجيعاً كما هو المفروض أنه الطبيعيّ والمنطقيّ، بل يُواجه بالاستهزاء والسخريّة والهجوم والاتهام.

لا بدّ أن نترك عقليّة الهجوم على كلّ من يخالفنا ونتّهمه في دينه وعقله وانتمائه وولائه، فهذا: (مبهور بالغرب)، وذاك (يحبّ الظهور) لذلك يخالف الرأي السائد (المقرّرات)، والآخر (مشبوه)، وفلان (لم يأخذ عن الراسخين)، وعلّان (غير متخصّص)، و(دع عنك إرضاء اليهود والنصارى)، ودع عنك (الأقوال الشاذّة)، و(مَنْ قال بهذا قبلك؟!)، وهذا (مخالف للجمهور)، وهذا (خَرْقٌ للإجماع)، وذاك (عميل)، وهذا (دَرَس أو درّس أو عاش في الغرب).. مع أنّ كثيراً من رموزهم تنطبق عليه بعض الصفات الماضية، لكنّه لم يخالفهم، فلا مشكلة، أمّا لو خالفتهم فسيرمونك بكلّ تهمة، وسيلبسونك أيّ تهمة تناسبُك.. خالفْهم فقط وسترى العجب.. من قائمةِ التُهَمِ المجهّزة مسبَقاً.

صحيح أنّ الصواب من الجماعة أقرب، لكن هذا ليس بإطلاق، فكم رجّح علماؤنا قولَ عالم بخلاف الجمهور، وكان قوله هو المخلّص والموئِل في كثير من النوازل، فميزان الحقّ ليس بالإحصاء والأغلبيّة، فذاك مجاله بالانتخابات السياسيّة وليس طريقة للترجيح العلميّ! وإلا لكان الترجيح بحسب الأغلبيّة دائماً، وهذا ليس سبيل المحقّقين، نعم يمكن اللجوء للأغلبيّة عند تكافؤ الأدلّة، أمّا عند رجحان الدليل والحجّة على غيره، فندور مع الدليل أينما دار.

أمّا عن إرضاء الآخَر من اليهود والنصارى والغرب والآخرين كلّهم، فهؤلاء (الآخرون) متقدّمون وسعداء ومشغولون بأنفسهم، راضون بواقعهم، وهم ليسوا متآمرين علينا يريدون فَرْضَ حلولهم التي نجحت في مجتمعاتهم، فهم ليسوا حقول تجارب ثم يصدّرون لنا ما نجح عندهم، وهم لا يهتمّون بنا ولا بأفكارنا، إلا بمقدار ما يمسّ مصالحهم، ويؤثّر عليهم، بينما نحن من يذوق ويلات أفكارنا، وجمودنا، ونحن مَنْ تخلّفنا عن فقهائنا وعلمائنا العظام، الذين كانوا يجتهدون ويجدّدون، ويغيّرون أقوالَهم، ويخالفون شيوخَهم، ويتّبعون الحجّة والبرهان من أيّ إناء خرج، فنحن بحاجة للحكمة من أي إناء خرجت.

يجب التعويل على الحجّة والبرهان في نقاش من يجتهد، ولا نترك القول والاجتهاد الذي قدّمه، ونهاجم القائل: هل جمعتَ شروط المجتهد؟ هل حفظتَ كذا؟ هل فعلتَ كذا؟

 بدلاً من مهاجمة القائل واتهامه بكلّ نقيصة ناقشْ فكرتَهُ وأدلّتَهُ، اعتبره لم يملك شروط الاجتهاد التي تشترطها، لكنّه استطاع أن يتعب ويأتي بقولٍ ويستدلّ عليه، ويأتي بالحجج والأدلّة، وقدّم وجهة نظره في اجتهاده ذاك، فلنناقش الفكرة ولنترك المتكلّم.

الخطوة الثانية: نشر ثقافة الاجتهاد والتجديد:

لن نستطيع الإبداع العلميّ، وأن يكون لنا شهود حضاريّ في عصرنا، حتّى نحطّم الأصنام الفكريّة المزيّفة التي نعكفُ عليها، وننشر بدلاً عنها أفكاراً صحيحة، قابلة للتطبيق، ونناضل في نشرها حتّى تضحي مألوفة معروفة، وتأخذ حقّها من التطبيق والانتشار.

فالفكرة تأخذ قوّتها من صحّتها وحجّتها وأدلّتها: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:١١١]  أوّلاً، ثمَّ من صلاحيّتها للتطبيق في الواقع ثانياً، ومن مدى انتشارها ثالثاً، فما فائدة فكرة ممتازة غير معروفة؟!! ومن تطبيقها عمليّاً رابعاً، وإلا فستبقى فكرة لا أثر لها في أرض الواقع.

وآفة العلم الجمود والتحجّر والانغلاق، وكثيراً ما نبني أسواراً عالية ونسجن أنفسنا داخلها، فمن أين يأتي التجديد؟ 

فإذا كنّا التزمنا بالمدرسة الفكريّة التي نشأنا فيها بحكم الظروف، ولم نخترها بعد دراسة مقارنة، وإذا كنّا لا نقرأ إلا لنفس المدرسة، ولا نسمع إلا لها، ولا نزور إلا رموزَها، ولا نصاحب إلا منها، من أين سنسمع الرأي المخالف أو الحجّة المُغايرة؟!!

بينما علينا أن نربي (طلّاب علم) باحثين، يتعشّقون الأسئلة الجديدة، ويجِدّون بالبحث والتفكير في حلّها، يتقنون فنّ البحث، وحلّ المشكلات، والحفر المعرفيّ، والإتيان بحلول (من خارج الصندوق) كما يُقال، أي: من خارج المقررات التي يحفظونها، أو من داخل الصندوق، إذا كان ما في الصندوق صالحاً لزماننا، فالمشكلة لا تبرز أصلاً لو كان القول القديم المعروف المنتشر يُنجِد ويُسعِف ويَصلُح، المشكلة تبرز عندما يصبح ما حفظناه يلائم زماناً سابقاً، والواقع قد تغيّر مائة وثمانين درجة!

ويلزمنا أن نضع منهاجاً ينتج بنهايته طالبَ علمٍ مؤهّلاً للاجتهاد بدرجاته المختلفة، وتقف درجة الطالب الاجتهاديّة مكان وقوفه، بحسب قدرته وإرادته وهمّته، بمعايير دقيقة وواضحة، وللإنصاف فقد سبقنا الشيعة الإمامية في هذا الأمر.

أمّا أن نربيّ ببغاوات يكرّرون ما حفظوه، فالببغاوات لا يصلحون إلا للعَرْض والتندّر.

وقد قدّم الفاروق عمر رضي الله عنه أعظم نموذج لفقيه يراعي الواقع ويتفاعل معه، ويقدّم المصلحة المعتبَرة شرعاً بما لا يُعارض مقاصد الشرع، فأوقف العمل بعدّة نصوص قرآنيّة، مراعاة للواقع، الذي تبدّل برأيه رضي الله عنه، والحقيقة أنّ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لم يوقف العمل بالنصّ بالتشهّي بل إنّ شروط العمل بالنصّ لم تعد تتحقّق، والواقع الذي جاء النصّ له قد تبدّل.

ولو كان بعض الجامدين في زمنه لأنكروا عليه ترك العمل بالنصوص! وكثير من فقهائنا رووا أحاديث وخالفوها في اجتهاداتهم، لأنّهم قدّموا نصوصاً أخرى عليها، مراعين مقصد الشارع الحكيم، والمبادئ العامّة التي رسّختها النصوص، فعلوا ذلك كلّه باجتهادهم ورأيهم.

كما فعل الإمام مالك رحمه الله في أحاديث رواها في الموطأ ولم يعمل بها، ومثله الإمام محمد صاحب أبي حنيفة الذي روى الموطّأ، وهذا مشهور معروف في كتب الفقه التي تذكر الأدلّة ووجه الاستدلال، حيث يسوقون القول ويذكرون الأدلّة التي أخذوا بها ورجّحوها، كما يذكرون الأدلّة التي خالفوها والردود عليها.

الخطوة الثالثة: الاستفادة من أطروحات المفكّرين والباحثين المعاصرين:

من المفيد أن ينظر المتخصّصون في الفقه في الاجتهادات المعاصرة الجديدة، وبخاصّة في آراء (المفكّرين) من غير المتخصّصين في الفقه، فهؤلاء المفكّرون أقرب لروح العصر والواقع والعُرف البشريّ، وأكثر انعتاقاً من قولبة وتأطير الاجتهادات القديمة، التي يغلب عليها ثقافة تلك العصور، فليأخذوا من اجتهاداتهم المعاصرة ما يرونه صالحاً، ثمَّ يؤصِّلونه ويذكرونه كاجتهاد معاصر.. فعند المفكّرين منجَم غنيّ من الاجتهادات المعاصرة الممتازة، كثير منها مؤصّل، وبعضها ينقصها التأصيل، فكثير من المفكّرين لا يصبرون على الـتأصيل، وربما بعضُهم لا يتقنه، وقد كان الفاروق عمر رضي الله عنه يستعين بالشباب من صغار السنّ، يعجبه حِدّة ذكائهم في حلّ المشكلات، فلماذا نزهد نحن بأقوال غير المتخصّصين من الأذكياء وأصحاب الرأي؟!

 ومن البدهيّ هنا أن نقول: كلّ من يجتهد يخطئ، فليست كلّ أفكارهم صحيحة بطبيعة الحال.

لكن المثقف المتخصّص بتخصّص ما قد يرى آراء فقهية في مجال تخصصه تكون موفقة ومناسبة لروح العصر والدين، أكثر من رأي الفقهاء القدماء، لأن الواقع تغيّر، وظهرت فيه تفاصيل لا يحيط بها عادة إلا الفقيه المعاصر، ومن التوفيق أن المجامع الفقهية تستعين بالمتخصصين في اجتهاداتهم المعاصرة.

الخطوة الرابعة: نشر الاجتهاد المقاصدي:

هذا لا يعني فتح الباب لكلّ من هبّ ودبّ، ليقول في دين الله برأيه وهواه، دون علم وبرهان، لكنْ لو قال مثقّف أو مفكّر -غير متخصّص- رأياً دينيّاً، فعلينا أن ننظر فيه بحياديّة كاملة، ولا نردّه لمجرّد كونه خرج من غير متخصّص، فالعبرة هنا بطريقة الاستدلال والحجّة والبرهان، (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ).

نحن ندعو المتخصّصين إلى أن ينفتحوا على كلّ الأقوال والاجتهادات، قديمها وحديثها، ما كان ضمن المذاهب الأربعة، وما كان خارجها، المهمّ أن يكون ممّا نُقل إلينا مع دليله وحجّته، وعندها لا يهمّنا مَنْ القائل؟ بما أنّ القولَ ودليلَه أمامنا، نستطيع تأمّله ووزنه بميزان العلم والحُجّة والبرهان.

 فالمطلوب الانفتاح على كلّ الاجتهادات، وأن يجتهدوا بما يناسب روح العصر، مراعين مقاصد الشارع الحكيم، والقيم العامّة، والمبادئ القطعيّة، فهذا هو لبّ الدين وبه يكون صالحاً لكلّ زمان ومكان.

أمّا النصوص التفصيليّة فقد راعت الظروف الخاصّة زماناً ومكاناً وحالاً، فالمهمّ الحفاظ على النسق العام والمقاصد القطعيّة والمبادئ الراسخة، وعدم تضييع المبادئ العامّة لنصّ جزئيّ جاء في حال خاصّة.

هذه خطوات أربعة لعلها تساهم في طريق التخلّص من الجمود والدخول بالتجديد المنشود، ولعل بعض الباحثين يساهمون في خطوات أخرى حتى تكتمل الرؤية ويتضح المنهج.

والله من وراء القصد.