الأفغاني والمشروع النهضوي

 نهض السيد جمال الدين الأفغاني (1254-1314هـ/ 1839-1897) بدعوته الإصلاحية التجديدية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي متسلحًا بجميع الوسائل الثقافية والعلمية أو الميدانية التي تؤهله للقيام بأعباء هذه الدعوة خير قيام، فوق ما حباه الله سبحانه وتعالى من طاقات عقلية وروحية و«استنفارية»- إن صح التعبير- أو تعبوية هائلة. حتى قال فيه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده تلميذه النجيب ورفيق دربه في الإصلاح الديني والاجتماعي: «لو قلت إن ما آتاه الله من قوة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قُدر لغير الأنبياء لكنت غير مبالغ» وقرب من هذا ما قاله مالك بن نبي رحمه الله حين لخص ما قام به جمال الدين بأنه أعاد الوظيفة الاجتماعية للنبوة أو للأنبياء في تلك الحقبة من حقب الركود في التاريخ الإسلامي، والتي كانت بُعيد اصطدام المسلمين بالحضارة الأوروبية وتعرض بلادهم للغزو الاستعماري أشبه بالهزيع الأخير من الليل، حيث يشف النوم ويتأهب النيام لليقظة على صوت المؤذن إذا هتف: حيّ على الفلاح، وكان الأفغاني كما يقول الأستاذ مالك هو هذا المؤذن الذي دَوَّى صوته في جميع أرجاء العالم الإسلامي.

 ومما يستحق الإشارة في الحديث عن الثقافة التي تلقاها الأفغاني والعلوم التي عُني بها أنه لم يكتف بالتضلع في علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول، وعلوم اللغة والمنطق والكلام والفلسفة حتى المعاصرة منها، حتى أضاف إليها دراسة علم التاريخ وعلم الاجتماع وآداب الأمم وفلسفة أخلاقها. كما أنه أتقن عدة لغات هي العربية والفارسية والتركية والفرنسية والأفغانية وألمَّ بشكل كافٍ بالإنجليزية والروسية. ودرس كذلك أبرز العلوم كالرياضيات والفلك والطب.

 أما خبرته العملية ومعرفته الواسعة بأحوال العالم الإسلامي في جميع بقاعه، فيشهد لها المناصب السياسية التي تقلب فيها في كثير من بلدان العالم الإسلامي، إلى جانب طوافه الدائم في هذه البلاد ينوّر العقول ويفتح البصائر، ويحرض الشعوب على الثورة ضد الاستبداد السياسي من جهة، وضد الاستعمار الأوروبي الذي نازله بشدّة، من جهة أخرى. وبخاصة الاستعمار البريطاني الذي حظي بنصيب الأسد في استعمار البلاد الإسلامية كما هو معلوم.

مثَّلت دعوة الأفغاني حجر الزاوية في نهضة العرب والمسلمين في تاريخهم الحديث، وامتد أثر هذه الدعوة ليشمل جميع جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية وبما يوازي شمول الإسلام من جهة، وليغطي الرقعة الجغرافية التي شملها العالم الإسلامي، وبخاصة الرقعة المترامية الأطراف التي شملت معظم شعوب هذا العالم، وأعني بها الشعوب التي كانت منضوية تحت الراية العثمانية من جهة أخرى.

وإذا كان ظهور طبقة المصلحين أو الدعاة المجددين الذين حاولوا إيقاظ العالم الإسلامي كان سابقًا لظهور «المدارس الإصلاحية» التي أخذت على عاتقها تلك المهمة عن طريق إعداد الجماهير وتربية النخبة في وقت واحد، والتي أخذت شكل الجماعات المنظمة أو الجمعيات والأحزاب، فإن في وسعنا أن نلحظ أن الأفغاني كان أول المصلحين ورائدهم، في الوقت الذي كان منهجه في الإصلاح يمهد لظهور المدارس الإصلاحية، أو يؤسس لظهورها؛ لأنه لم يقف عند حدود التفكير والتنظير أو الكتابة والتأليف. بل كان يقترح الحلول الواقعية وطرق التطبيق والتنفيذ، بالإضافة إلى تأسيسه لأول حزب سياسي في مصر وهو الحزب الوطني الحر، وهو الحزب الذي خرَّج قادة الثورة العرابية وثورة 1919. واتصاله المباشر بالشعوب الإسلامية وبزعماء المسلمين وقادتهم في الشرق والغرب. كما يمكن القول إن تلامذته ومريديه في هذه الشعوب- وتلامذتهم كذلك- هم الذين وقع على عاتقهم تشكيل الجماعات والأحزاب أو الاتساع بها في جميع الاتجاهات الدينية والوطنية في وقت لاحق.

وعلينا بهذه المناسبة أن نفهم طبيعة الشعارات التي رفعها الأفغاني من خلال العصر الذي عاشه والظروف التاريخية التي كان يعيشها العالم الإسلامي، وطبيعة التحديات التي كان يواجهها ويخضع لها! فإذا تذكرنا أن العدوان الخارجي الذي وقع على المسلمين في ذلك لاحين متمثلاً في المحاولات الأوروبية الدائبة لاقتسام تركة الرجل المريض- كما وصفوا الدولة العثمانية- وفي حركة الاستعمار الحديث الذي أعاد سيرة الحروب الصليبية مرة أخرى، أدركنا سبب الطابع السياسي الذي غلب على دعوة الأفغاني في الوقت الذي كانت هذه الدعوة في فحواها حركة إصلاحية فكرية شاملة، قاعدتها وأساسها الإسلام والقرآن ووسيلتها إلى فهمه والتعامل معه: العقلانية التي تمقت التقليد وتزري بالفرقة والانقصام، والتي لا تعطي المسلم القدرة على فهمٍ جديد أو متجدد للقرآن، فحسب، بل تمنحه كذلك الوعي والقدرة على اختيار النافع والمناسب من حضارة الغرب، وهو الأمر الذي ركز عليه الأفغاني في مناسبات كثيرة. أي أن منازلته للاستعمار الأوروبي لم تمنعه من التطلع إلى اكتساب مزايا حضارة القوم عملاً بحديث النبي صلى الله عليه و سلم : «الحكمة ضالة المؤمن».

ويمكن القول بصورة عامة: إن كفاح المسلمين عبر عصور التاريخ المختلفة كان يتلوّن بلون «موضوع» هذا الكفاح، سواء أكان داخليًا أم خارجيًا. وفي هذا يقول الدكتور محمد البهي رحمه الله: «على أيام المعتزلة كان الكفاح الإسلامي كفاحًا دينيًا أو «كلاميًا». وعلى أيام الفلسفة الإغريقية كان كفاحًا فكريًا أو فلسفيًا. وعلى أيام ابن تيمية كان كفاحًا ضد الصليبيين والتتار، وعلى أيام محمد بن عبد الوهاب كان كفاحًا ضد البدعة والخرافة. ثم في عهد جمال الدين الأفغاني كان كفاحًا سياسيًا ضد الاستعمار» ثم يقول الدكتور البهي في تعقيب قيم: «وفي كل حركة من هذه الحركات كان الدين أساسًا أوليًا، وفي الوقت نفسه كان هدفًا أخيرًا وغاية مطلوبة».

نؤكد على هذه النقطة تحقيقًا للشروط الموضوعية في دارسة الأفغاني وسائر العظماء والمصلحين، حتى لا يقع بعضنا في وهم امتلاكه للحقيقة أو ظنه بأنه يتمتع بالفهم الأمثل الذي لم يسبق إليه! الأمر الذي يغريه بالتطاول على السابقين أو العودة عليهم وعلى مناهجهم بالنقد والتجريح؛ علمًا بأنه لم يكن في وسع أحدنا اليوم أن يصل إلى هذه الدرجة أو إلى درجة ما من الوعي والفهم لولا جهود أولئك المصلحين والدعاة وأفكارهم ومناهجهم!

نذكر هنا بمرارة عابرة ذلك التركيز الشدائد على انضمام السيد جمال الدين إلى المحفل الماسوني البريطاني- المصري والذي طالما ردده الكثيرون، وسمعناه من بعض أساتذتنا في الماضي طعنًا على الأفغاني واتهامًا له بالعمالة ورقة الدين!! علمًا بأن الأمر لا يعدو أن يكون واحدًا من التجارب التي خاضها جمال الدين في سياق تجاربه الكثيرة ومعارفه الواسعة، والتي انتهت بانشقاقه عن المحفل وفضحه لأهدافه.

كما تحضرني هنا- بهذه المناسبة- الكلمات المعبرة التي كتبها الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده التي دعا فيها إلى الإصلاح السياسي وضرورة الوقوف في وجه الطغيان، والتي أشارت فيها إلى أن مثل هذه الدعوة كانت والاستبداد في عنفوانه، أي أنها لمن تكن مأمونة العواقب، وأن الطريق لها لم تكن ممهدة ولا ميسورة! قال الأستاذ الإمام: «وهناك أمر آخر كنت من دعاته، والناس جميعًا في عمًى عنه وبُعد عن تعلقه، ولكنه هو الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلوّ مجتمعهم منه.. وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها.. دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه، ولا يوقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل» ثم يقول: «جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له! أي عبيد!!».

– 3 –

لقد أخذت دعوة الأفغاني الإصلاحية طابعها السياسي إذن من طبيعة الظروف التي كان يمر بها العالم الإسلامي في الفترة التي عاش فيها الأفغاني في القرن التاسع عشر. ومن هنا جاء شعار الجامعة الإسلامية الذي رفعه في وجه أطماع الغرب الاستعمارية، والذي أراد به المحافظة على الخلافة وعلى الرابط الإسلامي الذي كان يشد المسلمين إلى السلطان العثماني، مع العمل الدائب على تجديد شباب هذه الدولة من خلال الدعوة إلى اللامركزية وإلى التعريب، وإلى أخذ «ما عند الغرب من حضارة ومدنية وعلم.. وعلى أساس أن يكون ذلك في تلاؤم مع الإسلام أو لأن الإسلام يدعو إليه» على حد قول الدكتور البهي رحمه الله، وذلك حتى لا يسقط المسلمون فريسة الأطماع الأوروبية وتزدرد بلادهم بدلاً في إثر بلد، يقول الأفغاني: «إن الممالك الإسلامية في الشرق لا تسلم من شراك أوروبا، ولا من السعي وراء إضعافها وتجزئتها، وفي الأخير ازدرادها واحدة بعد أخرى، إلا بيقظة وانتباه عمومي، وانضواء تحت راية الخليفة الأعظم».

أما اليقظة فهي اليقظة الدينية التي أشرنا إليها، والتي يأتي في مقدمتها تخليص الإسلام مما علق به من الشوائب، إلى جانب مقاومة البدع، ونبذ الخصومة بين السنة والشيعة. وتمثل هذه النقطة بطبيعة الحال أبرز ما دعا إليه كذلك الإمام محمد عبده حين قال: «وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفها إلى ينابيعها الأولى». أما الأفغاني فقد تحدث عما يريده من بعث تعاليم القرآن الصحيحة بحسب عبارته، قال: «إن حركتنا الدينية بالدعوة إلى القرآن كناية عن الاهتمام بقلع ما رسخ من عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها، مثل حملهم نصوص القضاء والقدر على معنى يوجب عليهم أن لا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل! ومثل فهمهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان أو قرب انتهائه فيما يثبط هممهم عن السعي وراء الإصلاح والنجاح مما لا عهد للسف الصالح به».

ثم يقول: «فلا بد إذن من بعث القرآن، وبعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور، وشرحها على وجهها الثابت من حيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وأخرى.

ويضيف: «ولابد من تهذيب علومنا، وتلقيح مكتبتنا، ووضع مصنفات فيها قريبة سهلة الفهم، فنستعين بتلك الكتب والعلوم التي تضمنتها على الوصول إلى الرقي والنجاح».

وفي سياق رده على الدهريين وبيان أضرار المذهب الطبيعي وتأكيد أن الدين ضرورة للمجتمع، يتحدث عن أبرز مزايا الإسلام الذي يأتي لذلك في مقدمة الأديان من حيث حاجة البشرية إليه، ويعدد هذه المزايا على النحو التالي:

1- صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهيرها من لوث الأوهام. وذلك يحول دون اعتقاد أن كائنًا من الكائنات له تأثير نفع أو ضر، كما يحول دون اعتقاد أن الله يظهر بلباس البشر أو مخلوق آخر، أو أن تلك الذات المقدسة نالت شديد الألم لمصلحة أحد من الخلق.

2- محق امتياز الأجناس وتفاضل الأصناف، وتقرير المزايا البشرية على قاعدة الكمال العقلي والنفسي لا غير، فالناس يتفاضلون بالعقل والفضيلة.

3- جعل العقيدة قائمة على الإقناع لا على التقليد واتباع ما كان عليه الآباء. ويقول: إن الدين الإسلامي كلما خاطب خاطب العقل، ويكاد يكون منفردًا بتقريع المعتقدين بلا دليل، وتوبيخ المتبعين للظنون.

4- نصب الإسلام المعلم ليؤدي عمل التعليم، وأقام المؤدب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر:[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ(104)]. {آل عمران}. [التوبة: ١٢٢[وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(122)]. {التوبة}.

وأخيرًا يقول: فإن قال قائل: إن كانت الديانة الإسلامية على ما بينت، فما بال المسلمين على ما نرى من الحال السيئة والشأن المحزن؟ فجوابه أن المسلمين كانوا كما كانوا وبلغوا بدينهم ما بلغوا، والعالم يشهد.. وأكتفي بقوله سبحانه وتعالى[لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11) [الرعد].

– 4 –

أما الانضواء تحت راية الخليفة الأعظم فقد كان سبيل جمال الدين إلى مواجهة الأخطار الخارجية في الوقت الذي سعى إلى إصلاح الدولة العثمانية حتى تتمكن منا لوقوف في وجه هذه الأخطار. وتتمثل معالم هذا الإصلاح الذي دعا إليه تحت راية الجامعة الإسلامية في إصلاح نظام الحكم، وتطهير أجهزة الدولة القيادية من الخونة والعجزة.. بالإضافة إلى تعريب الدولة، بل تعريب الشعب التركي.. تمهيدًا لجعل الدولة أو الخلافة الجديدة تجسيدًا لأمة عربية إسلامية يعود فيها للعرب دور القيادة «الأمر الذي يحقق للرابطة الإسلامية قيادة يرضاها المسلمون غير العرب» يقول الأفغاني: «لقد أهمل الأتراك أمرًا عظيمًا، وهو اتخاذ اللسان العربي لسانًا للدولة!. ولو أن الدولة العثمانية اتخذت اللسان العربي لسانًا رسميًا وسعت لتعريب الأتراك لكانت في أمنع قوة، ولانتفت من بين الأمتين النعرة القومية، وزال داعي النفور والانقسام، وصاروا أمة عربية، ولكنها فعلت العكس إذ فكرت بتتريك العرب، وما أسفهها سياسة وأسقمه من رأي».

ويحكي «بنت» أن الأفغاني «حتى في لحظات يأسه من إصلاح القيادة التركية للسلطنة العثمانية كان يفكر في تغيير هذه القيادة بتعريب الخلافة مع المحافظة على وحدتها، الأمر الذي جعله يفكر في إحلال مهدي السودان أو الشريف أو الشريف حسين أو إمام صنعاء محل السلطان عبد الحميد، مع بقاء وحدة الخلافة، وفتح الطريق لتجديد شبابها.

ثم حصل ما كان يخشاه الأفغاني وتلميذه محمد عبده من «إضعاف الإسلام وقطع الطريق على حياته» بحسب عبارة محمد عبده التي قالها في سياق الصراع الذي يمكن أن ينشأ بين العرب والأتراك، حيث تم لأوروبا الاستيلاء على الفريقين في نهاية المطاف.

أليس من حقنا بل من واجبنا أن نؤكد بمناسبة رحيل الأفغاني على أبرز نقاط المشروع النهضوي الذي بشر به ودعا إليه، وبخاصة تلك النقاط التي ما زال واقع العرب المسلمين يطلبها أو التي لم يستجب لها بعد، مثل محاربة الاستبداد السياسي، والدعوة إلى الترابط الوثيق بين المسلمين وغير المسلمين في الأوطان الإسلامية، وعدم التمييز بين مسلم وغير مسلم في نطاق هذه الأوطان.. إلى جانب دعوته التجديدية في جعل العقيدة قائمة على الإقناع لا على التقليد، والمفاضلة على أساس العقل والكفاءة. وأخيرًا دعوته إلى الجامعة الإسلامية الحقيقية أو على النحو الذي تحدث عنه، تمهيدًا لدخول القرن القادم الذي سوف يشهد المزيد من التكتلات الكبرى والدول العملاقة! لأن بقاءنا على ما نحن عليه من التشرذم والتفرق وعدم الدخول مرة أخرى أو العودة ثانية إلى هذا الرباط العربي الإسلامي الجامع لا يعني سوى المزيد من الضعف أو الاستضعاف يلحق بالإسلام [وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88) ]. {ص}.




عندما تأخّر النصر على المسلمين

سأروي لكم بضع وقائع، أريد منها زلزلة أركان التعليم الخاطئ، لنتوقّف عن البناء على البهتان والزّور..

الواقعة الأولى: في السنة الثامنة للهجرة، والغزوة تحت أسوار الطائف، والقائد محمّد بن عبد الله، رسول الله، الخارج منتصراً بعد معركة حنين، استعصم الهاربون من ثقيف وحلفائهم في مدينتهم، وحصّنوا أسوارهم، وأغلقوا على أنفسهم الأبواب، وأخذوا ينضحون المسلمين بالنبل، حتى قُتل بضعة عشر رجلاً من المسلمين.. أعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دراسة الموقف، فوجد أنّ المدينة بحكم الساقطة عسكريّاً، وأنّ المسألة مسألة وقت، فضنّ بحياة جنده وأصحابه أن تزهق استعجالاً لأمر، فقرّر الانسحاب,, واستسلمت من بعد ثقيف.. هذا درس أوّل..

الدرس الثاني: في السنة الحادية عشرة للهجرة، والجيش جيش الصحابة وفيه عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد، والمعركة مع بني حنيفة من أصحاب مسيلمة الكذّاب،  في منطقة اليمامة، وفي أكثر من موقف كاد المسلمون ينكسرون، فاستعصموا، واستبسلوا، وجعلوا شعارهم: “يا أصحاب سورة البقرة”، وقتل في المعركة من حفّاظ القرآن الكثير،  فلمّا انكسر بنو حنيفة، تحصّنوا في حديقة لهم مسوّرة، سميت فيما بعد “حديقة الموت”؛ لكثرة ما سقط حولها من القتلى والشهداء، لم ينتصر المسلمون في تلك المعركة إلا بعد أن تعاهد حفّاظ القرآن أن يثبتوا تحت شعار: “يا أصحاب سورة البقرة”.. وكان سيّدنا البراء بن مالك، شقيق سيّدنا أنس بن مالك حاضراً، ولمن لا يعلم فقد كان سيّدنا البراء ممّن قال رسول الله فيه: ” رُبَّ أشعث أغبر ذي طِمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه “، ولكنّ سيّدنا البراء لم يقسم في تلك المعركة على الله، وإنّما قال لإخوانه من الصحابة: 

-اقذفوني من فوق السور إلى الحديقة.

ففعلوا، فقاتل من داخل الحديقة حتّى غلبَ على الباب ففتحه للمسلمين.

والواقعة الثالثة اقتبسها من يوم اليرموك..

وكان في اليوم الأوّل أن هجم جيش الروم على جيش المسلمين، فأزاحوا جيش المسلمين عن مواقعه، حتّى خاف المسلمون الانكسار، وفي اليوم الثاني، وقف سيّدنا عكرمة ينادي في فرسان المسلمين: من يبايع على الموت؟

فبايعه سبعون من الفرسان المغاوير، حفروا لأنفسهم في الأرض حتّى أوساطهم، وانغمسوا فيها، ليصدّوا هجمة جيش الرّوم..

وفي وقعة القادسيّة عندما ذعرت خيول المسلمين من فيلة الفرس، وتضعضع أمر المسلمين، عادوا إلى أنفسهم، فزيّنوا إبلهم مقابل الفيلة، واستهدفوا أعين الفيلة، حتّى قلبوا موازين الحرب…

 في هذه المعارك كلّها، نجد أنفسنا أمام عقل مسلم عمليّ واقعيّ، يعمل ويجدّ ويضحّي، ويأخذ الكتاب بقوّة، يذكرُ اللهَ باتّباع نواميس اللهِ..

حتّى وصلنا إلى عصر القصّاص الذين طردهم سيّدنا عليّ رضي الله عنه من المسجد، والذين يملؤون اليوم الشاشات والمجموعات والصفحات والمنشورات والتغريدات… وبدأ يحكمنا عقل القصّاص والحكواتيّة.. بدأنا نسمع الحكاية التي سأرويها بمائة صيغة وصيغة..

تقول الحكاية الإفك: وتأخّر النصر في إحدى المعارك على أصحاب رسول الله -ولعنة الله على الكاذبين- فتذاكروا بينهم: ماذا أغفلنا من السنن؟ قالوا: السواك. فأقبلوا على أغصان الشجر يقطعونها، ويستاكون، فقال جنود العدوّ يسنّون أسنانهم ليأكلونا.. فهربوا… رحت أبحث عن أصل الرواية، وأهل العلم كلّهم قالوا:

-لا أصل لها.

الانتصار على العدوّ يحتاج إلى فعل مكافئ، على سنّة سيّدنا رسول الله ، وبحسب سنن الله وليس بحسب ما يأفكون ،  ولا على طريقة خرط الخرّاطين..

فلنحذر أهل الخرط أن يغتالوا عقولنا، كما مايزالون يفعلون منذ قرون..

” ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة” (التوبة:46)