الوصايا العشر في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

التقيت يوماً بمجموعة من كُتّاب السيناريو للأفلام العالميّة، وتشرّفت بتدريبهم (باللغة الإنجليزيّة) على تفاصيل السيرة النبويّة الشريفة، تمهيداً لكتابة سيناريو لفيلم عالميّ حول الرسول ﷺ، وكانوا في منتهى الاهتمام، وعرفت تميّزهم من خلال الأسئلة التي كانوا يطرحونها، ومن بينها السؤال اللطيف التالي:

– “هل لدى المسلمين ما يشبه الوصايا العشر التي أُنزلت على موسى عليه السلام؟”!

والوصايا العشر هي:

1- أنا إلهك، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي.

‎2- لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما، ممّا في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض؛ لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ، لأنّني أنا الربّ إلهك، إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، في الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ، وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبيّ وحافظي وصاياي.

‎3- لا تنطق باسم الربّ إلهك باطلاً، لأنّ الربّ لا يبرّئ من نطق باسمه باطلاً.

4 – اذكر يوم السبت لتقدّسه؛ ستّة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأمّا اليوم السابع ففيه سبت للربّ إلهك؛ لا تصنع عملاً ما، أنت وابنك وابنتك وأمّتك وبهيمتك ونـزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأنّ في ستّة أيام صنع الربّ السماء والأرض والبحر وكلّ ما فيها، واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الربّ يوم السبت وقدّسه.

5- أكرم أباك وأمّك، لكي تطول أيامّك على الأرض التي يعطيك الربّ إلهك.

6- لا تقتل.

7- لا تزن.

8- لا تسرق.

9- لا تشهد على قريبك شهادة زور.

10- لا تشته بيت قريبك، لا تشته امرأة قريبك، ولا عبده ولا أمَتَهُ ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً ممّا لقريبك.

نرجع لسؤالهم لي: “هل لديكم مثل الوصايا العشر؟” فقلت نعم، بل لدينا ما هو أكثر دقّة وشمولاً وتفصيلاً، وأقصد الآيات العظيمات من سورة الإسراء الشريفة، وفيها ما يمكن تصنيفه إلى الوصايا العشر الحكيمة التالية:

1- التوحيد:

“لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا” فلا تفلح لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا ينصرك أحد. “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” فلا أحد يستحقّ أن يُعبد سواه سبحانه.

2- برّ الوالدين:

“وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ، وَلَا تَنْهَرْهُمَا، وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا” فبرّ الوالدين يصل إلى أدقّ التفاصيل، مثل عدم التأفّف الذي قد يجرح المشاعر النفسيّة، فما بالكم بأعلى من ذلك!.

3- الإخلاص والتوبة:

“رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ” فأخلصوا النيّة وطهّروا القلوب. “إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا” فمن تاب وعاد إلى الله ﷻ قَبِلَهُ الله سبحانه وغفر له.

4- الإنفاق السليم: 

“وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ” فابدأ بالإنفاق على المحتاجين من الأقرباء أوّلاً. “وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ” وأحسن إلى المحتاجين المساكين من أهل بلدك، وكذلك لغيرهم، مثل عابري السبيل. “وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا” فلا تُضِعْ أموالك بالإنفاق على مالا تحتاج، “وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ” أي إذا لم تستطع الإنفاق على المحتاجين لعدم وجود المال لديك فأعرضت عنهم، “ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا” بانتظار أن يرزقك الله ﷻ، “فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا” إن لم تعطهم لعدم قدرتك ماليّاً، فعلى الأقلّ قل لهم كلمة طيّبة.

5- طهارة المجتمع:

“وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا” العلاقات الجنسيّة المحرّمة، “إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً” رذيلة عظيمة، “وَسَاءَ سَبِيلًا” الطريق السيّئ المؤدّي لانحطاط المجتمع.

6- حماية الأرواح البريئة:

“وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ” والله تعالى جعل كلّ إنسان حرام الدم، مهما كان دينه ومذهبه وعرقه، “إِلَّا بِالْحَقِّ” مثل الجهاد الحقّ، والقصاص العادل، “وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا” فيؤخذ له الحقّ في الدنيا والآخرة، “فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا” فمن حقّ الوليّ أن يعفو أو يقبل الدية، أو أن يقيم القصاص، “فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ” فلا يتجاوز الحد الشرعيّ بقتل غير المعتدي، كالاعتداء على أهل القاتل مثلاً. “إِنَّهُ كَانَ مَنصُورا” فالوليّ سينصره الله تعالى، ويأخذ له الحقّ إذا التزم بالشرع.

7- رعاية الأيتام:

“وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ” حافظوا عليها لضعفهم عن حماية حقوقهم فيصبح ذلك واجب كلّ المجتمع، “إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” كالأخذ منها للإنفاق عليهم حتّى يكبروا، “حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ” ولا يكفي العمر ليتسلّم اليتيم أمواله، بل يلزم أن يكون لديه الرشد، والحكمة في استعمال الأموال.

8- الوفاء بالالتزامات:

“وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ” أي الالتزامات والوعود والعقود بكافّة أشكالها، “إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا” سيتمّ الحساب يوم القيامة عن كلّ التزام تعهّد به الإنسان، ومدى وفائه به.

9- العدل:

“وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ” فأعطوا النّاس حقوقهم وافية كاملة، “وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ” فأقيموا العدل في تعاملاتكم الماليّة وغيرها، “ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا”.

10- التواضع:

فبالإضافة إلى كلّ التوجيهات أعلاه، تدور الأخلاق حول كيفيّة التعامل مع الناس، وأساس الأمر هو التواضع، “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ” لا تقل رأيتُ وأنت لم تَر، أو سمعتُ وأنت لم تسمع، أو علِمتُ وأنت لم تسمع، فلا تدّعي العلم لتتفاخر على الناس، “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” سيتمّ الحساب عن كلّ ادعاء بالباطل يوم القيامة.

“وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا” لا تغترّ بنفسك فتسير مزهوّاً متبختراً وتتكبّر على الناس، “إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا” فأنت محدود القدرات وأنت ضعيف، “كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا” فالغرور والتكبّر كان أوّل معصية حين قال إبليس لعنه الله ﷻ: أنا خير منه!! وهو أساس كلّ المعاصي فاحذر منه.

الخلاصة:

“ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا” فأساس الأمر كلّه هو التوحيد وتجنّب الشرك، فيحصل الإنسان على الحكمة في الدنيا، والفلاح في الآخرة.




الكليّات القرآنيّة: إيجاز وإعجاز [1]

بسم الله الرحمن الرحيم

مدخل حول عنوان المؤتمر: التشريع الإسلاميّ الملاذ الآمن للبشريّة…

لا شكّ أنّ هذا العنوان الجميل والموفّق يعبّر عن الحقيقة التي لا تخفى على أيّ دارس للشريعة الإسلاميّة وخصائصها ومقاصدها.

غير أنيّ أريد أن أوضّح أنّ التشريع الإسلاميّ ليس منحصراً في التشريعات المتوقّفة على اعتماد الدولة ومؤسّساتها، وعلى التطبيق الرسميّ لها؛ بعبارة أخرى: التشريع الإسلاميّ ليس مجرد أحكام قانونيّة تتبناها الدولة، وتعمل بها في محاكمها، التشريع الإسلاميّ أوسع من ذلك بأضعاف مضاعفة، وهو الملاذ الآمن للبشريّة بهذا المعنى الواسع الشامل لجوانب الحياة كلّها: الفرديّة والجماعيّة، الخاصّة والعامّة، الماديّة والروحيّة، الأخلاقيّة والاجتماعيّة…

ولذلك فالتشريع الإسلاميّ يشتغل ويسير بمحرّكين اثنين:

محرّك أصليّ أساسيّ، وهو المحرّك الإيمانيّ الديانيّ الإراديّ،

ومحرّك تكميليّ احتياطيّ، وهو المحرّك السلطانيّ الإلزاميّ.

وأنا أتحدّث عن التشريع الإسلاميّ وعن الكلّيّات القرآنيّة بكلّ هذه المعاني والأبعاد.

الكلّيّات القرآنيّة: إيجاز وإعجاز:

في القرآن الكريم أحكام كليّة جامعة، وفيه أحكام ووقائع جزئيّة مفصّلة، وهو في كلّ ذلك يتّسم بالإيجاز والإعجاز.

وموضوع هذه الورقة يتناول الصنف الأوّل؛ صنف الكلّيّات وما فيها من إيجاز جامع معجز، فالكلّيّات القرآنيّة يمكن وصفها بأنّها: عبارة عن نصوص ذات كلمات محدودة، ومعانٍ لا محدودة، أو هي معان كثيفة، بعبارات خفيفة.

فهي من جملة “جوامع الكلِم”، التي ذكرها النبيّ صلى الله عليه وسلم.

ففي الصحيحين عن أَبِى هُرَيْرَة  قَال، قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ…».

وفي رواية لمسلم: «وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِم …».

فما معنى جوامع الكلم؟ وما المراد بجوامع الكلم التي أوتيها -أو بُعث بها- النبيّ صلى الله عليه وسلم؟

الكلِمُ جمع كلمة، قاله الطبريّ وابن عطيّة في تفسيريهما[2].

وفي لسان العرب: “والكِلْمَة: لغةٌ تَميمِيّة، والكَلِمَة: حجازيّة، وَجَمْعُهَا كَلِمٌ، تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ. يُقَالُ: هُوَ الكَلِمُ وَهِي الكَلِم”.

وتطلق الكلمة، أو الكَلِمُ، على الكلام المختصر القصير…

ولفظ “جوامع”، جمع مفرده جامعة.

ومعنى جوامع الكلم: الكلام القليل، أو الكلِم القليل، الجامع للمعاني الكثيرة الواسعة المتشعّبة.

قال الإمام البخاريّ في صحيحه: “وبلغني أنّ جوامع الكلم: أنّ الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك”.

ولعل البخاريّ يقصد بقوله “وبلغني”، قولَ الإمام ابْن شهَاب الزهريّ، “فِيمَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ: بَلغنِي أَن جَوَامِع الكَلم: أَنّ الله تَعَالَى يجمع لَهُ الْأُمُور الْكَثِيرَة التي كَانَت تكْتب في الْكتب قبله في الْأَمر الْوَاحِد أَو الْأَمريْنِ أَو نَحْو ذَلِك“[3]

وَقَالَ الْخطابِيّ: “مَعْنَاهُ: إيجاز الْكَلَام في إشباع المعَانِي“[4].

ما هي جوامع الكلم التي خُصّ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟

للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

الأوّل: هو أنّ جوامع الكلم هي أقواله وأحاديثه الجامعة، كقوله: إنّما الأعمال بالنيّات. وقوله: كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام. وقوله: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ.

وهذا هو القول السائد والمتبادر، فلا أطيل فيه ولا فيما يدلّ عليه.

الثاني: أنّ المراد بها القرآن الكريم.

قال ابن بطّال: “وأمّا جوامع الكلم فهو القرآن؛ لأنّه تأتي منه الآية في معان مختلفة ولها تأويلات مختلفة، وكلّ يؤدّى إلى [.…] والأخذ به. يدلّ على ذلك قوله تعالى: (ما فرّطنا في الكتاب من شيء). فهذا يدلّ على أنّ القرآن الكريم جوامع، وقوله: (خذ العفو وأْمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين). فلو أنّ هذا نزل في تدبير الدنيا والآخرة لكفاهما“[5].

وقَالَ ابْن التِّين: “جَوَامِعُ الْكَلمِ الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّهُ يَقع فِيهِ المعَانِي الْكَثِيرَة بالألفاظ القليلة، وَكَذَلِكَ يَقع في الْأَحَادِيث النَّبَوِيّة الْكثيرُ من ذَلِك”.[6]

وقال ابن الأثير في حديث «أوتيت جوامع الكلم»: “يعني القرآن، جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة، واحدها جامعة: أي: كلمة جامعة“[7].

وقال الحافظ ابن حجر: “وجزم غير الزهريّ بأنّ المراد بجوامع الكلم القرآن، بقرينة قوله بعثت. والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ واتِّساع المعاني“[8].

الثالث: وهو القول الأشمل الأعدل، مضمنه أنّ “جوامع الكلم” التي أوتيها النبيّ صلى الله عليه شاملة للقرآن الكريم أولاً وأساساً، وشاملة كذلك للأحاديث النبويّة الكليّة الجامعة.

وإلى هذا ذهب ابن رجب جازماً، حيث قال: “فجوامع الكلم التي خُصّ بها النبيّ صلى الله عليه وسلم نوعان:

أحدهما: ما هو في القرآن، كقوله عزّ وجلّ: {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} (النحل: 90). قال الحسن: لم تترك هذه الآية خيراً إلّا أمرت به، ولا شرّاً إلّا نهت عنه.

والثاني: ما هو في كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو منتشر موجود في السّنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم، وقد جمع العلماء جموعاً من كلماته صلى الله عليه وسلم الجامعة؛ فصنّف الحافظ أبو بكر بن السنّيّ كتاباً سمّاه: ” الإيجاز وجوامع الكلم من السّنن المأثورة “. وجمع القاضي أبو عبد الله القضاعيّ من جوامع الكلم الوجيزة كتاباً سمّاه: ” الشهاب في الحكم والآداب “. وصنّف على منواله قوم آخرون، فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة، وأشار الخطابيّ في أوّل كتابه ” غريب الحديث ” إلى يسير من الأحاديث الجامعة، وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلساً سمّاه ” الأحاديث الكليّة “، جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال: إنّ مدار الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، فاشتمل مجلسه هذا على ستّة وعشرين حديثاً…“[9].

بين الإيجاز والإعجاز: 

وإلى هذا القول الثالث مال الحافظ ابن حجر في تعقبه للإمام البخاريّ. قال في الفتح:“يؤخذ من إيراد البخاريّ هذا الحديثَ عقب الذي قبله أن الرّاجح عنده أن ّالمراد بجوامع الكلم القرآن، وليس ذلك بلازم؛ فإنّ دخول القرآن في قوله بعثت بجوامع الكلم لا شكّ فيه، وإنّما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن، وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قولَه تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلّكم تتّقون) وقوله (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتّقه فأولئك هم الفائزون) إلى غير ذلك“[10].

لعلّ أوّل من ربط بين الإيجاز والإعجاز، ووضع لذلك كتاباً خاصّاً، هو الأديب اللغويّ المؤرخ أبو منصور الثعالبيّ (350هـ /429ه)، في كتابه الممتع (الإعجاز والإيجاز).

وقد جعل أوّل أبوابه العشرة “في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجِز المعجز”، وجعل “الباب الثاني في جوامع الكلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم…”.

وأنقل فيما يلي نموذجاً ممّا قاله في الباب الأوّل، وهو الباب الذي يدخل في موضوعنا: قال رحمه الله: “من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبّه على فضل الإعجاز والاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز، فليتدبّر القرآن، وليتأمّل علوّه على سائر الكلام.

فمن ذلك قوله عزّ ذكره {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثمّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13]. استقاموا: كلمة واحدة، تفصح عن الطاعات كلّها في الائتمار والانزجار. وقوله: فلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، أُدرج فيه ذكر إقبال كلّ محبوب عليهم، وزوالَ كلّ مكروه عنهم، ولا شيء أضرّ بالإنسان من الحزن والخوف، لأنّ الحزن يتولّد من مكروه ماض أو حاضر، والخوف يتولّد من مكروه مستقبل، فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه، بل يتبرّم بحياته، والحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس، كما أنّ السرور والأمن من أقوى أسباب صحّتها؛ فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كلّ محنة وبليّة، والسرور والأمن موضوعان بإزاء كلّ صحّة ونعمة هنيّة“[11]. اهـ.

ومن نوادر التفطّن لما في القرآن من الإيجاز المعجز الباهر، ما وقع للأصمعيّ إمامِ اللّغة والبلاغة (122 — 216 هـ)، مع فتاة بدويّة حين سمعها تنشد وتقول:

أستغفر الله لأمري كلّهِ … قتلت إنساناً بغير حلّهِ

مثل غزال ناعماً في دَلّه … انتصف الليل ولم أصله

فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك. فقالت له: أوَ يُعَدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فجمع في آية واحدة خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين).

فالخبران هما {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} وقوله {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ}، لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه.

والأمران هما: {أَرْضِعِيهِ} و (ألقيه).

والنهيان: {وَلا تَخَافِي} و {وَلا تَحْزَنِي}.

والبشارتان {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .

من الكلّيّات العلميّة إلى الكلّيّات العمليّة

فيّ “كتاب العلم” من صحيح البخاريّ نجد الباب العاشر، الذي قال المؤلّف رضي الله عنه في ترجمته وبدايته: “باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى {فاعلم أنّه لا إله إلا الله} فبدأ بالعلم”.

ومعنى هذا أنّ العلم سابق على أيّ قول، وسابق على أيّ فعل، ومعنى هذا أنّ الإيمان، وهو علم، مقدّم على التشريع المتعلّق بالأقوال والأفعال.

وإذا كانت الكلّيّات سابقة على الجزئيّات، فإنّ الكُلِّيّات العلميّة والعقديّة سابقة على الكلّيّات العمليّة والتشريعيّة، بل هذه مبنيّة على تلك، وهذا ما عناه الإمام البخاريّ، وهو المشار إليه في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا في السَّمَاء تُؤْتِيّ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24 ـ 25].

قال ابن القيّم رحمه الله: “فشَبَّه سبحانه الكلمة الطيّبة بالشجرة الطيّبة، لأنّ الكلمة الطيّبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيّبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيّبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنّها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة… ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كلّ وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبّة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقّها، ومراعاته حقّ رعايتها.…

… فالمؤمن دائمٌ سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة، وتنقية ما حولها، فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتمّ”[12].

وتشبيه الإيمان وما يتفرّع عنه من أحكام وأحوال، وأقوال وأفعال، بالشجرة وما يتفرّع عنها من أغصان وأوراق وثمار متجدّدة، هو ما تمثله واستوحاه، وجسّده وبيّنه، الإمامُ عزّ الدين بن عبد السلام في كتابه الفذّ (شجرة المعارف والأحوال وصالحِ الأقوال والأعمال).

فالكتاب من أوّل كلمة في عنوانه قائم على فكرة الشجرة، الواردة في الآية سالفة الذكر من سورة إبراهيم، والشجرة عند ابن عبد السلام هيّ شجرة معارف عقليّة قلبيّة وأحوالٍ نفسيّة شعوريّة، وعن هذه الشجرة تتولّد وتنبثق الصالحات من كافّة الأقوال والأعمال.

وقد اختار المؤلّف من تلك الشجرة غصناً واحداً، ركّز عليه وأبرز ما أمكن من ثماره وآثاره، وهو غصن “الإحسان”. وما الإحسان إلّا كلمة كلّيّة من كلّيّات القرآن.

وابن عبد السلام منذ بداية الكتاب يقول: “وبعد، فإنّ الله فضّل الإنسان بالنُّطق والبيان، والعقل والعرفان، ثمّ أدّبه بالقرآن، وأمره بكلّ برّ وإحسان…“[13].

ثمّ يضيف: “فانحصر الإحسان في جلب المصالح الخالصة أو الراجحة، وفي دفع المفاسد الخالصة، وانحصرت الإساءة[14] في جلب المفاسد الخالصة أو الراجحة، وفي دفع المصالح الخالصة والراجحة[15]

وقد جعل البابَ الثاني “في التخلّق بصفات الرحمن على حسب الإمكان”، وختمه ولخّصه بالقول: “من أفضل التخلّقات أن تحسن إلى عباد الله بمثل ما أَحسن به إليك، وأن تُنعم عليهم بمثل ما أَنعم به عليك؛ قال تعالى:{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 9، 10]، أي: عامل السائلَ بمثل ما عاملناك، فإنّا وجدناك عائلاً فأغنيناك، {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، أي: حدّثهم بما أنعمنا به عليك من هدايتنا، فإنّا وجدناك ضالاً فهديناك“[16]

وأمّا الباب السابع فهو “في الإحسان العام…”.

وقد بدأه بالقول: “كلّ من أطاع الله فهو محسن إلى نفسه بطاعته، فإن كان في طاعته نفعٌ لغيره فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره، وإحسانه إلى غيره قد يكون عاماً وقد يكون خاصّاً. والإحسان عبارة عن جلب مصالح الدارين أو إحداهما،، ودفع مفاسدهما أو إحداهما…“[17].

وأمّا الباب الثامن فجعله “في ضروب الإحسان المذكور في كتب الفقه”.

يليه الباب التاسع، وهو “في الإحسان بإسقاط الحقوق”،

فالباب العاشر، “في الإحسان ببذل الأموال”،

ثمّ الباب الحادي عشر “في الإحسان بالأخلاق والأعمال”،

والباب الثاني عشر “في الإحسان بالأقوال”،

والباب الثالث عشر “في الإحسان بالدعاء القاصر والمتعدّي”،

ثمّ يأتي الباب السابع عشر بعنوان “في الإحسان المتعلّق بالجهاد”،

وحتّى حين تخلو عناوين بعض الأبواب من كلمة “الإحسان”، فإنّنا نجدها بكثافة في عناوين الفصول، فضلاً عن تفاصيلها.

ومن الواضح أنّ ابن عبد السلام قد جعل من كتابه هذا تشجيراً بيانيّاً للآية الكريمة {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} [النحل: 90].

وهي الآية التي قال عنها الحافظ ابن عبد البرّ: “وقد قالت العلماء: إنّ أجمع آية للبرّ والفضل ومكارم الأخلاق، قولُه عزّ وجلّ: (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان…)… “ [18].

وللفقيه الحنبليّ العلّامة مرعي المقدسيّ (1033هـ) رسالة خاصّة في تفسير هذه الآية وبيان مضامينها، سمّاها: (قلائد العقيان في قوله تعالى: إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان) [19].

ومن المعاصرين قال عنها الشيخ محمد عزّة دروزة “والآية من جوامع الكلم القرآنيّة الرائعة، فيما يجب أن يفعله المؤمن، وفيما يجب أن ينتهي عنه، تجاه مجتمعه أفراداً كانوا أو هيئات، وتجاه أقاربه.صهيب

فالمتبادر أنّ العدل في الآية لم يقصد به العدل في القضاء، أو لم يقصد به ذلك فحسب، بل قصد به العدل المطلق، الذي يتناول معاني الإنصاف وعدم الاجحاف، وعدم تجاوز الحقّ قولاً وفعلاً في كلّ موقف ومناسبة“[20].

يحلّ الطيّبات ويحرّم الخبائث:

وهذه قاعدة كليّة أخرى من الكلّيّات التشريعيّة في القرآن الكريم، يأتي ذكرها في كلمات معدودة، بل حروفها معدودة، ولكن مشمولاتها التشريعيّة لامتناهية.

وقد ذكرت الطيّبات وحدها في عدّة آيات، ولكنّ الطيّبات بمفهومها تدلّ على حكم ضدّها.

قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4].

وقال: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 5].

وقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51].

وأمّا الآية التي نصّت بمنطوقها على الوجهين معاً، فهي قوله عزّ وجلّ -يصف رسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم-: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157].

فهذه الآيات -بمفردها وبمجموعها- تعطينا حكماً كلّيّاً مفاده: أنّ كلّ ما هو طيّب فهو في الأصل حلال، وكلّ ما هو خبيث فهو في الأصل حرام.((فصار هذا أصلا ًكبيراً وقانوناً مرجوعاً إليه في معرفة ما يحلّ ويحرم من الأطعمة))؛ كما قال الفخر الرازيّ في تفسيره للآية.

وأمّا معنى ( الطيّبات ) ومعنى ( الخبائث )، فللعلماء والمفسرين في تحديده وجهتان مختلفتان:

-الوجهة الأولى تربط معناهما بدلالة الحكم الشرعيّ، فما أباحه الله فهو طيّب، وما حرّمه فهو خبيث. 

ومعنى هذا أنّ الطيّبات هي ما نصّ الشرع على إباحته، وأنّ الخبائث هي ما نص الشرع على تحريمه، قال الإمام الطبريّ: “الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربّكم في أكله من الذبائح”[21].

وقال عن الخبائث: ((وذلك لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلّونه من المطاعم والمشارب التي حرّمها الله))[22].

-الوجهة الثانية لفريق آخر من العلماء لم يرتض هذا التفسير، لأنّه لا يفيد شيئاً جديداً في حكم الآيات الناصّة على تحليل الطيّبات وتحريم الخبائث، فالأشياء المنصوص على إباحتها وكذلك المنصوص على تحريمها، قد عرفت بأعيانها وأسمائها، ولذلك ذهب هؤلاء إلى أنّ الطيّبات والخبائث هي على عمومها ومعناها اللغويّ، فتشمل تحليل كلّ طيّب بصفته طيّباً، وتحريم كلّ خبيث بصفته خبيثاً، سواء كان منصوصاً عليه، أو لم يكن؛ قال الفخر الرازيّ: “واعلم أنّ الطيِّب في اللّغة هو المستلَذّ، والحلال المأذون فيه يسمّى طيّباً، تشبيهاً له بما هو مُسْتَلذّ، لأنّهما اجتمعا في انتفاء المضرّة. فلا يمكن أن يكون المراد بالطيّبات هنا المحلَّلات، ومعلوم أنّ هذا ركيك، فوجب حمل الطيّبات على المستلذّ المشتهَى. فصار التقدير: أُحلّ لكم كلّ ما يستلذّ ويشتهى”[23].

وقال ابن عاشور: ((والمراد بالطيبات في قوله {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} معناها اللغويّ، ليصحّ إسناد فعل ( أحلّ ) إليها…))[24].

فظهر أنّ الطيّبات المباحة هي أوسع مما جاءت النصوص بتعيينه وتسميته والتصريح بإباحته، وأنّ الخبائث المحرّمة هي أوسع مما جاء التنصيص على تحريمه باسمه، فما أحلّه الله تعالى بعينه فهو من الطيّبات لا شكّ، ولكنّه ليس هو كلّ الطيّبات المباحة، وما حرّمه الله بعينه، فهو من الخبائث لا شكّ، ولكنّه ليس هو كلّ الخبائث المحرّمة.

فهناك طيّبات لا حصر لها غير منصوص على إباحتها بعينها وباسمها، فهذه تباح وتحلّ بمقتضى النصّ العام على إباحة الطيّبات، وهناك خبائث لا حصر لها لم ينصّ على تحريمها بعينها وباسمها، فهذه محرّمة بالنصّ العام على تحريم الخبائث.

فالحاصل أنّ المباحات والمحرّمات في الشرع صنفان:

صنف وقع تحليله وتحريمه بأعيانه وأسمائه، كما في قوله تعالى {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1]، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]، وقوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3].

وصنف وقع تحليله أو تحريمه بصفاته، كما في موضوعنا {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}.

فالتحليل والتحريم قد يكونان بالنصّ الخاصّ، وقد يكونان بالوصف العامّ.

وفي قوله تعالى {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: 5] ذُكر الصنفان معاً، ففيه تحليل عام غير معيّن، وهو تحليل الطيّبات، وفيه تحليل شيء بعينه وهو طعام أهل الكتاب. ففي الآية تحليل كلّيّ بالوصف، وتحليل جزئيّ بالاسم.

والذي يعنينا الآن -ونحن في موضوع الكلّيّات- هو الحكم الكلّيّ بتحليل الطيّبات وتحريم الخبائث، وهذه القاعدة تعتبر موضّحة ومقيّدة للقاعدة الكليّة السابقة ( الأصل الإباحة والتسخير )؛ فالإباحة والتسخير قائمان ساريان فيما هو طَيّب، وفيما هو باقٍ على طِيبه، وأمّا الأشياء التي تحوّلت أو حُوِّلت إلى خبائث، فهي داخلة في دائرة التحريم.

ومعلوم أنّ كلّ ما خلقه الله تعالى وسخّره لعباده طيّب نافع، عدا استثناءات طارئة، لا تخرج عن حدّ الندرة والضآلة.

وأكثر هذه الاستثناءات ليست خبيثة بأصلها، وإنّما تصير خبيثة، بفعل الإنسان وبسوء استعماله، كما هو الحال في الخمر، وفي السموم، وفي المكاسب المحرّمة لما فيها من ظلم وغصب وفساد، وهذا يقودنا إلى مسألة أساسيّة في موضوعنا، وهي المعايير التي تعرف بها الطيّبات والخبائث التي ليست منصوصاً على تعيينها وتسميتها.

لقد تقدّم في قول بعض المفسّرين أنّ المعنى المراد بالطيّبات والخبائث هو المعنى اللغويّ المتعارف عليه، وهذا مهمّ ومفيد، ولكنّه لا يغني عن تحديد معايير موضوعيّة لمعرفة ما هو طيّب وما هو خبيث، بخاصّة مع تعدّد الاستعمالات وتطوّر المفاهيم اللغويّة والعرفيّة.

يقول العلّامة ابن عاشور: ((وأصل معنى الطيِّب: معنى الطهارة والزكاة والوقعِ الحسن في النفس، عاجلاً وآجلاً، فالشيء المستلذّ إذا كان وخِماً ( أيّ وخيم العاقبة ) لا يسمّى طيّباً، لأنّه يُعقب ألماً وضرراً)) [25].

فالطيّب بالإضافة إلى كونه مستلذّاً ومحبّباً إلى النفوس يجب “أن يكون غير ضارٍّ ولا مستقذر ولا منافٍ للدين، وأن يكون مقبولاً عند جمهور المعتدلين من البشر.…)) [26].

وبالمقابل يحدّد أوصاف الخبائث المحرّمة، بما يضرّ تناولُه العقل أو البدن، وما هو نجس بالشرع، وما هو مستقذر بالطبع))([27]).

ويضيف ابن تيميّة صنفاً آخر من الخبائث، حيث يقسّم الخبائث إلى نوعين: ((ما خبث لعينه)) [28]، لمعنى قام به، كالدم والميتة ولحم الخنزير، وما خبث كسبه، كالمأخوذ ظلماً، أو بعقد حرام كالربا والميسر)) [29].

ومعنى هذا أنّ خبث الأشياء،ـ وكذلك طيبها، قد يكون ذاتيّاً حسّيّاً، وهذا يعرف بالطبع والتجربة، وقد يكون معنويّاً حُكميّاً، وهذا يعرف بالشرع ودلائله، وكلّ ذلك ينبني عليه التحريم أو التحليل.

____________________

[1] ورقة مقدّمة للمؤتمر الدوليّ السادس للإعجاز العلميّ في القرآن والسُّنّة، في موضوع: التشريع الإسلاميّ الملاذ الآمن للبشريّة، المنعقد بمدينة تطوان المغربيّة، بتاريخ:29 – 30 أبريل 2016

[2]-انظر: جامع البيان للطبريّ (8/432) ، والمحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطيّة (4/431)

[3]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، لبدر الدين العينيّ (14/235).

[4]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، للعينيّ (14/235).

[5]-شرح صحيح البخاريّ لابن بطّال (5/143).

[6]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، للعينيّ (14/235).

[7]-النهاية في غريب الحديث والأثر (1/295).

[8]-فتح الباري لابن حجر (13/247).

[9]-جامع العلوم والحكم (1/55).

[10]-فتح الباري12/248.

[11]-الإعجاز والإيجاز، ص 10÷11− الطبعة الأولى بمصر 1862م.

[12]-الأمثال في القرآن 35 ـ 39.

[13]-شجرة المعارف والأحوال، 11.

[14]-التي هي ضدُّ الإحسان. وعلى هذا الأساس، ولكون تَوَقّي الإساءة هو نوع من الإحسان، اعتنى الإمام بشتّى أنواع الإساءات الظاهرة والباطنة، وخصّص لها البابين السادس عشر والرابع عشر. فحديثه عن الإساءة هو حديث عن وجه من وجوه الإحسان.

[15]-شجرة المعارف والأحوال، 12 – 13.

[16]-شجرة المعارف والأحوال، 42.

[17]-نفسه، ص112.

[18]-التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد، (24\ 463-334)- نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة المغربيّة- 1387ه.

[19]-حقّقها عبد الحكيم الأنيس، ونشرتها دار البحوث والدراسات الإسلاميّة-الطبعة الأولى: 1426هـ/2005م.

[20]-التفسير الحديث (5/168).

[21]-عند تفسيره الآية 4 من سورة المائدة.

[22]-عند تفسيره الآية 157 من سورة الأعراف.

[23]-عند تفسره الآية 4 من سورة المائدة.

[24]-عند تفسره الآية 5 من سورة المائدة.

[25]-التحرير والتنوير , تفسير الآية 5 من سورة المائدة.

[26]-المرجع نفسه.

[27]-نفسه.

[28]-وتدخل فيه الأنواع الثلاثة التي ذكرها ابن عاشور.

[29]-مجموع الفتاوى 4⁄304.




استشعار المسؤولية في القرآن الكريم “من تحقيقِ المناط إلى ارتفاعِه”

خلق الله تعالى الإنسان وكرَّمه، فجعله مسؤولًا أمام الله تعالى وأمام نفسه وغيره، وهو تكريم يفضي إلى استقرار الحياة والعيش فيها وَفق المنهج الذي أراده ربُنا سبحانه وتعالى، وغرض هذا البحث بيانُ ما تضمنه القرآن الكريم من  مبادئ ومقاصد لا ينفك عنها الإنسان من حيث الفكر والروح والقِيَم والتعايش والعمل وعلاقته بالكون، ومنها مبدأ “استشعار المسؤولية من تحقيق المناط إلى ارتفاعه”، وأساس هذه المسؤولية التكريم الإلهي للإنسان إذ جعله مسؤولًا وأناط تلك المسؤولية بموطن التكريم الإلهي وهو “العقل”، فلا مسؤولية على من لا عقل له، وحيثما ارتفعت المسؤولية الأخلاقية والجنائية فليس للتكريم معنى يُنَاطُ به، وللمسؤولية في القرآن أبعاد شخصية وغيرية يكتمل بها تأسيس هذه القضية التشريعية، ثم ما على الفقهاء سوى استنباطِ جزئياتٍ متممة لها على هدي السنة النبوية ومقاصد الشريعة.

مصطلحات الدراسة:

الاستشعار: المقصود بالاستشعار أنّ القرآن الكريم أودعَ في الإنسان حتميَّة الإحساس بالمسؤولية والقيام بها بصفتها أساسًا لصلاح الدنيا.

المسؤولية: مدلولها معلوم، وكلُّ واحد يقوم بها، وهي تحمُّل الشخص ما التزم به طوعًا أو أُلزم به كرهًا.

تحقيق المناط وارتفاعه: أسَّس القرآن لقضية المسؤولية بربطها بالأخلاق والعقل والحرية والتكريم وبَعثة الرسل، فمن قامت به هذه المعاني ثبتت مسؤوليته، وهو المراد بتحقيق مناط المسؤولية، لكن يمكن أنْ ترتفع هذه المسؤولية أخلاقيًّا وجنائيًّا بفقد العقل، وهذا ما نعنيه بارتفاع المناط.

إذًا في كلِّ مسؤوليةٍ تكليفٌ ومشقة، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنفقة والنصح والإرشاد وقول الحق، فما لا مشقة فيه لا يندرج في مفهوم المسؤولية، وهي إمَّا التزامٌ أو إلزامٌ، ومنها أن يلتزم الإنسان بشيء متطوِّعًا به، وليس المقصود بالتطوع أنَّه لا يأخذ أجرًا، ومن هذا القبيل كلُّ من يرشح نفسه للقيام بالمسؤوليات العامة كرئاسة دولة أو حزب أو وظيفة قضائية أو تدريسية…، ولعل في قول الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام دليلًا على هذا: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55] ومثله قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 38-40] عرَض سليمانُ عليه السلام أمرًا فاستجاب له اثنان: عفريت من الجنِّ وشخص عنده علم من الكتاب، وهي استجابة تطوعية، والأصل في تحُّمل المسؤولية أنها تطوَّعية أي أن الإنسان في خِيَرةٍ من أمره بأن يفعل أو لا يفعل، واتصافه بهذه الإرادة شرط لتحمُّل المسؤولية؛ وقد يكون تحُّمل المسؤولية إلزامًا عن طريق قوَّة ملزِمة لتحمُّل المسؤولية كالنفقة على الزوجة والصغار وردِّ الدَّين والعارية.

المبحث الأول

شروط تحمُّل المسؤولية في القرآن الكريم

الناظر في القرآن الكريم وفي الطبيعة التكوينية للإنسان يجد أن الشرط الوحيد لذلك هو الإرادة والقدرة، فالإرادة معنًى قائم بالنفس يوجهه نحو القيام بالفعل، والقدرة تنفِّذ ما كُلِّفَ به وتتنوَّع بحسبه؛ فقد تكون مالية أو عقلية أو بدنية، ولا أحدَ يَصْدُق عليه لفظ مسؤول بهذا المعنى إلا الإنس والجن، فالملائكة ليست مسؤولة لأنها مسيرة في أداء ما كُلِّفت به، فهي مجبولة على الطاعة، أما الحيوان ونحوه فمن باب أولى أنَّه لا يكون مسؤولًا لأنه لا عقل له ولا اختيار، فإن فُقد العقل انتفت الإرادة والقدرة وارتفعت عن الإنسان المسؤولية بجميع درجاتها ابتداء بالمسؤولية العليا وهي الإيمان وانتهاء بالمسؤولية الدُّنيا وهي مسؤوليته عمَّن حوله، وهو معنى قول الفقهاء (إذا أَخَذَ الله ما قَدْ وهَب أَسْقَطَ ما قَدْ وَجَب).

إن اشتراط الإرادة والعقل للقيام بالمسؤولية مبثوث في ثنايا القرآن الكريم تصريحًا وتلميحًا، وأساس ذلك حمل الأمانة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]، وهذا التَّحمل اختياري، فالعرض: تقديم شيء لشخصٍ ليختاره أو يرفضه، ومنه عرضُ الناقة على الحوض -أي عرضُها عليه لتشرب منه- وعرضُ المجندين على القائد لقبول من يصلح منهم، وفي حديث ابن عمر: ((عُرضت على رسول الله وأنا ابن أربع عشرة فردَّني، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني))(1).

وحيثما ثبتت المسؤولية دلَّت على وجود الإرادة والقدرة، وبارتفاعهما ترتفع، ففي الإكراه تنتفي المسؤولية، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وفي الخطأ أو النسيان تنتفي المسؤولية الأخروية، قال تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] أما المسؤولية الدنيوية فهي باقية لأنها من متعلَّقات الحكم الوضعي وليس من شرطه التكليف، وأما حديث المتكلمين عن جواز تكليف الله تعالى عبادَه بما لا يُطاق فهو في الجواز العقلي لا الشرعي؛ فليست له تطبيقات واقعية، وكلُّ ما أمر الله به أو نهى عنه مقدورٌ للإنسان، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] وقال سبحانه {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة:6].

ومن أبرز مسائل المسؤولية في القرآن الكريم أنَّ طابعها شخصي، فمن ارتكب جرما يتحمله هو ولا يتحمله غيره عنه في الدارين أيًّا كانت درجة القرابة، قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، وقال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88 و89] {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34-37] وهو إنما يفر منهم خوفًا على نفسه من العذاب المنتظر ومن هول الأحداث يومئذٍ، وهذا يدلُّ أنه لا أحد يحمل عن أحد مسؤولياته وتبعاتها، وهذه المسؤولية لا  نظير لها ولا بديل، ومن هنا يتبيَّن خطأ عقيدة النصارى في “قضية الصلب” التي تأتي تكفيرًا عن ذنبٍ لم يفعله عيسى عليه السلام.

نعم قد تكون المسؤولية غيْرية من وجهٍ شخصيةٍ من وجه، فالإنسان يُسأل عن أعمال غيره عندما يفتن غيرَه أو يُضلُّه مثلًا، قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل:25]، ومن ذلك أنْ يسُنَّ سنة سيئة، قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ))(2).

المبحث الثاني

الأسُس النظرية للمسؤولية

1- المسؤولية والأخلاق:

الأخلاق هي أفعال اختيارية تصدر عن الْمُكلَّف ويُناط بها المدح أو الذم، وبذلك ندرك علاقة الأخلاق بالمسؤولية نظريًّا من ثلاثة أوجه:

 الأول: ثبوت الاختيار للإنسان، وهذا وصف مشترك بين المسؤولية والفعل الأخلاقي، فما يصدر عن الْمُكرَه لا يتحمل الشخصُ مسؤوليَّته ولا يُعدُّ مذمومًا عليه أخلاقيًّا.

الثاني: التَّكليف وهو شرط تحمُّلِ المسؤولية ويندرج تحت القدرة، وهو شرطٌ أيضًا لتحمل مسؤولية الفعل الأخلاقيِّ، فإذا انتفى التَّكليفُ لعارضٍ من عوارضه كالجنون والصِّغر انتفت المسؤولية وانتفَى الفعلُ الأخلاقيُّ.

الثالث: المدحُ على الفعلِ والذمُّ على الترك، وهما ملازمان للفعل الأخلاقي، فقول الصدق وأداء الحقوق وترك القبائح مسؤولية وهو في الوقت نفسِه فعل أخلاقي يُمدَح فاعله، والقتل ظلمًا وإهدار الحقوق يُذم مرتكبه لأنَّه أخلَّ بالمسؤولية، وهو فعل غير أخلاقي أيضًا؛ لذا لا تدخل المباحات كالنوم والشرب في مسمَّى المسؤولية ولا في الفعل الأخلاقي إلا إذا تجاوزت المباحات حدودها وأثَّرت في غيرها، عندئذٍ تثبت المسؤولية ويُوصف الفعل بأنه غير أخلاقي، ومنه السهر والإفراط في النوم المؤديان إلى التفريط بالحقوق من صلاة أو وظيفةٍ ونحوهما.

وعمليًّا ثمَّة ارتباط بين المسؤولية والفعل الأخلاقي، والآيات في هذا من الكثرة بمكان، من ذلك قول الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36].

2- المسؤولية والتكريم الإلهي:

الإنسانُ الْمُكرَّم هو الإنسان المسؤول، وأساس ذلك العقل قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] يقول الشيخ ابن عاشور: (فَأَمَّا التَّكْرِيمِ فَهِيَ مَزِيَّةٌ خَصَّ بِهَا اللَّهُ بَنِي آدَمَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِيَّةِ…، وَالتَّكْرِيمُ: جَعْلُهُ كَرِيمًا، أَيْ نَفِيسًا غَيْرَ مَبْذُولٍ وَلَا ذَلِيلٍ فِي صُورَتِهِ وَلَا فِي حَرَكَةِ مَشْيِهِ وَفِي بَشَرَتِهِ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ لَا يَعْرِفُ النَّظَافَةَ وَلَا اللِّبَاسَ وَلَا تَرْفِيهَ الْمَضْجَعِ وَالْمَأْكَلِ وَلَا حُسْنَ كَيْفِيَّةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَا الِاسْتِعْدَادَ لِمَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعَ مَا يَضُرُّهُ، وَلَا شُعُورَهُ بِمَا فِي ذَاتِهِ وَعَقْلِهِ مِنَ الْمَحَاسِنِ فَيَسْتَزِيد مِنْهَا وَالْقَبَائِحِ فَيَسْتُرهَا وَيَدْفَعهَا).  

3- المسؤولية والجزاء بين النية وفعل الجوارح:

الجزاءُ الإلهيُّ في الدنيا والآخرة سواء أكان تكريمًا أم تعذيبًا، والجزاء الدنيوي العادل في الدنيا سواء أكان عقوبة أم تكريمًا؛ كلاهما مرتبط بأداء المسؤوليات، فمن قام بمسؤولياته حق القيام استحق الثواب، ومن أخلَّ بالمسؤولية استحق العقاب، ويربط القرآن الكريم أداء المسؤولية بفعل الجوارح والنية، فحُسْن النية مثلا ومحبة الخير للمسلمين جزء من المسؤولية، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19] ولكن القيام بالفعل وحده دون طلب الثواب من الله تعالى يُسقط المسؤولية وإن كان المكلف مقصِّرًا لتفريطه بالثواب، فلو ترك الإنسان القتل والزنا وشهادة الزور مثلًا خوفًا من الناس لا يُثاب على هذا الترك وإن امتثلَ لمقتضى المسؤولية؛ ذلك أنَّ المقصود بتحمُّل المسؤولية هو الجانب الدنيوي الذي يعود نفعه إلى الغير، أما النية في مثل هذه الأحوال فيعود نفعها إلى الفاعل، ومن ذلك الإنفاق على الزوجة، فالمقصود هو كفاية من يعوله المكلَّف أما نيِّة الامتثال لأمر الله فهي للحصول على الأجر.

وبين المسؤولية والجزاء تلازم، فالتفريط بالمسؤولية يترتب عليه جزاء، وقد بيَّنت قواعد الشريعة أن العفو عن العقوبة الأخروية عند الإخلال بالمسؤولية إنما يكون في حقوق لله تعالى، وقد تسقط العقوبة الدنيوية أيضًا ما لم تكن حدًّا بلغَ القاضيَ خبره، أما حقوق الناس فإسقاط عقوباتها الدنيوية والأخروية مرهون بعفو أصحابها في الدَّارين، فمن مسؤوليات الشخص أن لا يقتل ولا يغتصب ولا يظلم، ومن فعل أخلَّ بمسؤوليته، فإسقاط الله لعقوبة هذه الجرائم رهنٌ بإسقاط أصحابها لها، وهذا المبدأ يُمثِّل أعظم حقٍّ إنساني متعارف عليه اليوم؛ فليس للرئيس أو الخليفة إسقاط عقوبة يتعلق بها حق لآدمي شرعًا.

4- المسؤولية والتكليف:

مصدر المسؤوليات عند أهل السنة هو الوحي، فما حسَّنه الشرع فهو حسن وما استقبحه فهو قبيح، وهذا هو مقتضَى التكليف، فالعقل مناطه وبعثة الرسل شرطه، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] خلافًا للمعتزلة الذين يرون العقل مُحسِّنًا ومُقبحًا، وتتسع دائرة الشرع في ضبط المسؤوليات لتشمل أغلب شؤون الحياة، ولا ننسَ أن مسؤوليات العرف مسؤوليات شرعية؛ فالعرف مصدر من مصادر التشريع.

5- المسؤولية والحكمة الإلهية:

التزام الناس بمسؤوليات شخصية وغيرية هو غاية الحكمة من الخلق وإلا صار خلق الناس عبثًا، وهو محال على الله، فالإنسان لم يُخلق سُدًى ولا عبثا بلا مسؤولية، يقول سبحانه وتعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة:36] {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115].

المبحث الثالث

مستويات المسؤولية الفردية والمجتمعية

أولا- توزُّع المسؤولية:

1. مسؤولية تجاه النفس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6]، وقال صلى الله عليه وسلم  لابن عمرو: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟))، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَلاَ تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا))(3).

2. مسؤولية تجاه الغير: وفي الآية السابقة دلالة على هذا، وهذا الغير له مراتب عدة أهمُّها: المسؤولية تجاه الوالدين والأولاد والجيران وولاة الأمور، والمسؤولية تجاه غير المسلم وتجاه البيئة والحيوان، علمًا أن المسؤولية تجاه غير المسلمين تكون على حسب الحال، قال تعالى: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].

ثانيا- مستويات المسؤولية المجتمعية:

أ- المسؤولية العلمية والفكرية، وتكون بنشر العلم والثقافة ومقاومة الخرافة والكهانة والأساطير وترك التَّقول على الله بغير علم، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:9] {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111].

ب- المسؤولية الحياتية المعيشية كصلة الأرحام ودفع الزكاة والصدقات.

ج- المسؤولية بإقرار العدل وعدم التظالم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].

د- المسؤولية بزرع القيم الأخلاقية وحمايتها، وتكون بزرع القيم ورعايتها كالإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110و111] وقال سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25].

وحسبنا هنا الحديث عن نوعين تمس الحاجة إليهما في بلدنا الحبيب: المسؤولية الجدلية بين الزوجين، والمسؤولية الجدلية بين ولاة الأمور والعلماء.

المبحث الرابع

المسؤولية الجدلية بين الزوجين والمسؤولية الجدلية بين العلماء والأمراء

أولًا: المسؤولية الجدلية بين الزوجين

تُعدُّ هذه المسؤولية المشتركة بين الزوجين ركنًا مهمًّا في بناء المجتمع، فقيامها على أسس صحيحة ومراعاة كلٍّ من الزوجين لها يشكِّل لبنة في صلاح الأولاد وعلاقتهم ببعضٍ وفي علاقة الأولاد بالآباء؛ فالزوجان أبوان وصلاح ما بينهما يؤثِّر على سلوك الأولاد، وفساد علاقتهما يؤدي إلى تشتُّت الأسرة بل يؤثر على المجتمع لأنَّ خلاف الزوجين يؤثر على عائلة كُلٍّ منهما.

لقد تأثَّرت العلاقات الاجتماعية تأثُّرا كبيرًا على كلِّ المستويات في نير الإجرام الذي يرتكبه نظام بشار وزبانيته، وطال هذا التأثير العلاقة بين الزوجين سواء أكان ذلك في المناطق الخاضعة للنظام أو غيرها في سورية أو خارجها، ومن أسباب تأثُّر هذه العلاقة الاغتراب والنزوح خارج المحيط الذي كان يعيش فيه الزوجان، فكثير من حالات الطلاق قد وقعت، والأكثر منها بقاء العلاقة شبه معلقة بين الزوجين، فيبقى الرجل متعنِّتًا لا يطلِّق سواء كان هو المتسبب أم الزوجة، ولهذا الشرخ أسباب كثيرة منها:

1- غياب الرقابة الدينية، وعدم شعور الطرفين بالمسؤولية وترك الامتثال لها.

2- الاطِّلاع على مجتمع جديد وخاصَّةً في المهجر، فرأت بعض النساء مثيلاتها يفعلن متى أردْن كلَّ ما يُردن.

3- شعور بعض النساء بالاستغناء عن نفقة الزوج، فكثير من قوانين بلدان المهجر وخاصة أوربَّا تكفل لها ولأولادها حقَّ العيش.

4- فسق بعض الأزواج نتيجة الهجرة ورؤية مجتمع جديد، فلم يَعُدِ الزواج عند بعضهم هو الطريق الوحيد للعلاقة بين الرجل والمرأة.

وهذا يقتضي استشعار كلٍّ من الزوجين واجب المسؤولية وصبرَ كُلٍّ منهما على الآخر حمايةً للأسرة من التفكُّك وحفاظًا على الودِّ الذي كان بينهما؛ كلُّ ذلك ما لم يكن هناك خروج على شرع الله تعالى، هذا ويُلحظ في النصوص القرآنية التي تضبط المسؤولية بين الزوجين أنها على شكلين:

الأول: نصوص تفصيلية، من ذلك قضية الطلاق وعَدده والعِدَّة وكيفيتها. الثاني: عامَّة، فقد اتَّجهت نصوص القرآن إلى ضبط العلاقة بين الزوجين بالمعروف، والضبط بالمعروف هو ضبط عام تتجه فيه النصوص إلى ضرورة مراقبتهما لله تعالى وعدم اللجوء إلى القضاء إلا في حالة ضيقة؛ فاللجوء إليه من غير تراضٍ يعسِّر على القاضي الوصول إلى الحقيقة لأنَّ العلاقة بين الزوجين مبنية على الستر، وهناك أشياء تحصل بين الزوجين لا يعلمها أحدٌ حتى الأولاد والأقربون، وليس من مصلحة الأسرة ولا الزوجين كشف المستور، ومن النصوص التي تربط الزوجين بالعرف الصحيح والقواعد الأخلاقية العامة وضرورة مراقبة الله تعالى قوله تعالى:

{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19]، {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ} [البقرة:228]، {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة:231].

ثانيًا: المسؤولية الجدلية بين العلماء والأمراء

لم يخلُ تاريخنا وحاضرنا من جدل المسؤولية بين العلماء والأمراء وخاصَّة بعد قيام ثورات الربيع العربي، فقد طفت هذه المسألة على الساحة الفكرية حتى صارت من القضايا الكُبرى التي تحتاج إلى وضع ضوابط لهذه العلاقة، وأساس هذه العلاقة هي نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، ومنها قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران:187و188]، أخذ الله على العلماء بيان الحق في المواقف التي تحتاج إلى بيان وعدم بيع هذه المواقف بجاهٍ أو سلطان، وقد لاحظنا هذا بكل وضوح فيمن وقفوا مع الأنظمة الفاسدة التي ثارت عليها شعوبها في سورية ومصر وليبيا واليمن، وأفتوا للسفَّاحين بأنَّ المعارض من الخوارج أو إرهابي، وقدَّسوا الحكَّام حتى صارت فتاواهم استجداءً لمحبتهم، يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره للآية السابقة: (والاشتراء هنا مجاز في المبادلة، والثمن القليل هو ما يأخذونه من الرِّشا والجوائز من أهل الأهواء والظلم من الرؤساء والعامة على تأييدِ المظالم والمفاسد بالتأويلات الباطلة، وتأويلِ كل حكم فيه ضرب على أيدي الجبابرة والظلمة بما يطلق أيديهم في ظلم الرعية من ضروب التأويلات الباطلة وتحذيرات الذين يصدعون بتغيير المنكر، وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب إلا أن حكمها يشمل من يرتكب مثل صنيعهم من المسلمين لاتحاد جنس الحكم والعلة فيه)(4).

هذا وليس فيما سبق ما يجيز عصيان أولي الأمر الذين يطيعون الله ورسوله، قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

وعندما نتأمل فقهاء السلاطين الذين باعوا فتاواهم للسلطة وعُرفوا بتملقهم وتزلفهم، أو الذين تعضد فتاواهم السلطان المستبد ولو لم يُعرف لهم ميل نحوه رغم ندرة ذلك؛ فسنجد أنها لا تخرج عن أمور ثلاثة:

أولًا: دعوة الناس إلى الصبر

دعوة الناس إلى الصبر والزهد في الدنيا وترغيب الناس بالآخرة والاكتفاء بلقمة الخبز وملء البطن استنادًا إلى أحاديث لقيتْ رواجًا لدى هؤلاء في أحداث الربيع العربي، منها حديث رواه الترمذي وغيره مرفوعًا: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)): قال الترمذي: (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ)(5) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (سنده ضعيف جدًّا، وعبد الله بن هانئ ترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» فقال: روى عنه محمد بن عبد الله بن محمد بن مخلد الهروي عن أبيه عن إبراهيم بن أبي عبلة أحاديث بواطيل، سمعت أبي يقول: قدمت الرملة، فذكر لي أن في بعض القرى هذا الشيخ، وسألت عنه، فقيل: هو شيخ يكذب، فلم أخرج إليه، ولم أسمع منه. وقال الإمام الذهبي في «الميزان» و«المغني»: متهم بالكذب، ومع ذلك فقد ذكره المؤلف في «الثقات»، وأبوه هانئ بن عبد الرحمن ذكره المؤلف في «الثقات» وقال: ربما أغرب. وباقي رجال الإسناد ثقات)(6).

أيًّا كان الحكم على سند هذا الحديث وأمثاله فلا ينبغي أن يكون موجِّهًا لرأي عامٍّ خدمةً لأغراض بعض السلاطين في تخدير الشعوب وسرقة ثرواتهم، فذلك ليس سببَ وروده فضلًا عن أن في قضية السلطان والظلم والعدل أحاديث خاصة صحيحة لا ينبغي إغفالها بترجيح حديث مختلف فيه عليها، أما عندما تجد شخصا يائسًا من حياته غير راضٍ بقضاء الله وقدره في بدنه أو رزقه فاذكر له هذا الحديث لعله يرضى، فهذا موقع ذلك الحديث من الحياة والشرع، أما ترويج مثل هذه الأحاديث خدمة للأنظمة التي أفسدت وسفكت وسرقت الكثير والقليل فلا يقل خطرًا عن غيره؛ فهذه ثقافة تصنع إنسانًا ذليلًا، وتدعوه إلى القناعة باليسير وعدم مطالبة السلطة بتحقيق العدل وتوزيع الثروات وكف الظلم، وهذا ما لاحظناه فترات طويلة في بلدنا، وهو الأساس الذي ترجع إليه مقولة البعض اليوم: (كنا عايشين)، وبمقابل هذا لا نجد لدى هؤلاء أحاديث أخرى تحض الحاكم على القيام بواجبه من العدل في الأحكام وتوزيع الثروة واختيار الأكْفَاء والعمل على نزاهة القضاء كالحديث الذي رواه مَعْقِلَ بن يسار رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ))(7).

ثانيًا: القول بأنها فتنة

يستندون في ذلك إلى أحاديث أبرزها ما رواه مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ))(8).

ومما يؤسف له أنَّ علماء كِبار كانت تُشدُّ إليهم الرحال استمسكوا به، وأقلُّ ما يُقال أنها غشاوة عن الحق واعتداد بالرأي وجهل بالواقع، فما وقع في سورية مثلا بعيد عن مضمون هذا الحديث، فالناس تعرف الظالم وتعرف سبب الظلم، وتعرف أنّها تُقاتل مضطرة دفاعًا عن وجودها ونفسها ومعتقدها وعرضها ومالها، ولم نرَ ممن وقف ضد عصابة النظام أحدًا ضرب برَّ الأمةِ وفاجرها ولم يتحاشَ مؤمنها، بل الذي رأيناه هو أنَّ تلك الطائرات ترمي حمولتها لتبيد الحجر والشجر والبشر من غير تمييز بين من يقف مع السفَّاح أو ضده.

ومما يُثير الغرابة أنَّ القول بالفتنة استنادًا إلى هذا الحديث وأمثاله يقتضي منهم السكوت وعدم الخوض في أقلِّ الأحوال على فرض أنَّها فتنة، فالفتنة تعني أنَّ الأمر ليس واضحًا؛ فليخرس إذًا فقيه السلطان ما دام الأمر فتنة لم يتضح فيها الحق من الباطل، فالذي يقاتل -وهذا واضح من الحديث- تحت راية عمية لن يبصر تحتها الحق والباطل ولن يهتدي إليه وسيقف مع عصبيته وجماعته من غير تمييز، وهذا لم يحصل في بلدنا، يقول القاضي عياض: (يُقال: عِمِّيَّة بكسر العين وبضمها، وكسر الميم وتشديدها وتشديد الياء، قال الإمام: قيل: الأمر الأعمى كالعصبية لا يستبين ما وجهه، قاله أحمد بن حنبل، وقال إسحاق: هذا في تجارح القوم وقتل بعضهم بعضًا، وكأنه من التعمية وهو التلبيس)(9) ويقول النووي: (معناها أنه يقاتل لشهوة نفسه وغضبة لها، ويؤيد الرواية الأولى الحديث المذكور بعدها “يغضب للعصبة” ويقاتل للعصبة، ومعناه: إنما يقاتل عصبية لقومه وهواه)(10).

ومما يُستدل به على ذلك -وليس المقصود استقراء كل الأحاديث- ما رواه البخاري وغيره من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أنْ بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)(11).

وتجاهل فقهاء السلطان -دون تفصيل للمسائل الفقهية- أنَّ الذي يحكمنا ما كان أهلا للحكم، وهذا واضح في نصِّ الحديث، فالمنازعة فيه ليست منازعة لمن هو قائم على هذا الأمر وهو أهل له يرعى حقوق رعيته ناصحًا لهم معتنيًا بهم، كما تعامى هؤلاء عن التفريق بين الفسق ابتداء -وهذا لا تصح له أصلا الولاية- والفسق الطارئ، يقول القاضي عياض: (فإن كان فسقه كفرًا وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنّة أنّه لا يخلع، واحتجُّوا بظاهر الأحاديث وهي كثيرة، ولأنه قد يؤدّي خلعه إلى إراقة الدّماء وكشف الحريم؛ فيكون الضرر بذلك أشَدَّ من الضرر به، وعند المعتزلة أنَّه يخلع، وهذا في إمام عُقد له على وجه يصحُّ ثم فَسَق وجار، وأمّا المتغلِّبون على البلاد فالكلام فيهم يتَّسع)(12).

ونسي هؤلاء أنَّ الحاكم الفاسق لا ولاية له أصلا، يقول العز بن عبد السلام: (وقد ينفذ التصرف العام من غير ولاية كما في تصرف الأئمة البغاة فإنه ينفذ مع القطع بأنه لا ولاية لهم، وإنما نفذت تصرفاتهم وتوليتهم لضرورة الرعايا، وإذا نفذ ذلك مع ندرة البغي فأولى أن ينفذ تصرف الولاة والأئمة مع غلبة الفجور عليهم، وإنه لا انفكاك للناس عنهم)(13) هذا النص واضح بأنه لا ولاية لهم، والسكوت عنهم لا يعني صحة ولايتهم ولو بقيت سنين، يقول الجويني: (ولا يجوز عقد الإمامة لفاسق)(14)، يقول القرطبي: (لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق)(15).

ونسي هؤلاء أيضًا أن هذه العائلة السفَّاحة التي حكمتنا منذ عشرات السنين هي متغلبة في الحكم، وأقلُّ ما يُحكم على المتغلب أنه فاسق، يقول ابن حجر الهيتمي: (المتغلب فَاسق معاقب لَا يسْتَحق أَن يبشر وَلَا يُؤمر بِالْإِحْسَانِ فِيمَا تغلب عَلَيْهِ بل إِنَّمَا يسْتَحق الزَّجر والمقت والإعلام بقبيح أَفعاله وَفَسَاد أَحْوَاله)(16).

ثالثًا: ضرورة طاعة السلطان وعدم الخروج عليه:

من أبرز ما يستدل به فقهاء السلطان قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59] لكن نسي هؤلاء أن هذا أمر بطاعة أولي الأمر الذين يطيعون الله ورسوله، وتناسوا أن طاعة الله والرسول ليست مقصورة على الشعب دون الحاكم، فالحاكم داخل في الخطاب، ومطلوب منه أن يُطيع الله في رعيته، ومن جملة طاعة الله تعالى النُّصح للرعية وإقامة العدل بينهم وتوزيع الثروات بالقسط والدفاع عن أعراضهم وزرع قيم الخير والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومما يستدل به فقهاء السلطان حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه َقَالَ: (بَايَعَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَة عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)(17) فهم يحملون الكفر في الحديث على الكفر بالمعنى الاصطلاحي ويقصرونه عليه، ولن تجد حاكمًا مهما كان غبيًّا يُصرِّح بالكفر أو يعمل عملا مُكفِّرا لا يقبل التأويل، وكيف يفعلون ذلك وهم يتظاهرون بأنهم حماة الحمى والدين، فتراهم يبنون المساجد ويحضرون صلاة العيدين ومسابقات القرآن وبعض المناسبات الدينية، ويدعون العلماء إلى موائد الإفطار في رمضان، وهذا ما كان يحصل من الهالك حافظ بينما كان يأتي من المنكرات ما لا يعلم به إلا الله تعالى، فالحديث وإنْ اشترط الكفر لكنَّه ليس مقصورًا عليه، وهذا للأسف لا يُذكر عند فقهاء السلاطين، يقول النووي في شرحه للحديث: (والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى عندكم من الله فيه برهان أي تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم مُنكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم)(18) كلام النووي واضح هنا في حمل معنى الكفر على المعاصي والمطالبة بالإصلاح، والمظاهرات التي حصلت في بلدنا داخلة في مفهوم الإنكار وقول الحق وليست من الخروج المسلَّح والمنازعة، فمن البدهي أن السوريين لم يحملوا السلاح إلا بعد أشهر دفاعًا عن النفس والعرض، وليس فهم الكفر بمعنى المعاصي خاصًّا بالنووي، فالنووي ينقل عن القاضي قائلًا: (قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها)(19)، ويقول القاضي أبو بكر الباقلاني: (أجمعت الأمة أنه يوجب خلعَ الإمام وسقوطَ فرض طاعته كفرُه بعد إيمانه، وتركُه إقامة الصلاة والدعاء إليها)(20).

خلاصة ما نفهمه من هذين النَّقلين أنَّ الكفر الوارد في الحديث ليس مقصودًا به الشرك وحده، فترك الصلاة داخل في ذلك، ومن المعلوم بالتواتر عند كل السوريين أنَّ نظام عائلة الأسد كان يمنع الصلاة في الجيش، وهذا أقلُّ منكراته، وعدم ربط الخروج بالكفر بالمعنى الاصطلاحي مأخوذ من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع)) قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صلوا))(21).

نخلص مما سبق إلى أنَّ المسؤولية في القرآن الكريم هي مقصد عالٍ من مقاصد الشريعة، وهي مرتبطة بتكريم الإنسان وتكليفه، وأنَّ الإنسان مسؤول في الدنيا والآخرة ما دام يملك الإرادة والقدرة، لكنَّها مسؤولية شخصية إلا إذا أغرى الإنسان غيره أو فتنه فإنه يتحمل مسؤولية جُرم غيره.

وللمسؤوليات مستويات عدة فردية ومجتمعية، وأهمها اثنتان؛ أُوْلاهما المسؤولية الجدلية بين الزوجين، وقد تبين اعتناء القرآن الكريم بهذه العلاقة والمحافظة عليها من خلال ربطها بضرورة مراقبة الله تعالى وخشيته؛ فمن المتعذر على القضاء أنْ يفصل فصلًا كاملًا في هذه الحقوق بلا حيفٍ لما فيها من خصوصيات لا تظهر للقضاء.

أما الثانية فهي المسؤولية الجدلية بين الأمراء والعلماء، وقد ظهر لنا أنَّه ليس من مقاصد الشرع بحالٍ توجيهُ عامَّة الناس نحو الصبر على ظلم الحكام وجعل ذلك منهجًا، وأثبتنا أنَّ بعض الفقهاء خاصة في سورية سعى جاهدًا لحمل نصوص القرآن والسنة وإخضاعها لوجهة واحدة لتكون في خدمة الحاكم، وأنهم قصروا بعض دلالة القرآن والسنة على ذلك طمعًا في منصب، وربما حمل الغرورُ بعضَهم على ذلك ظنًّا منهم أنّ ما يفهمونه لا يفهمه الآخرون ممن كانت تُشدُّ إليهم الرحال، أو انطلاقا من حُسن نية ساذجة بصلاح رأس العصابة، وأيًّا كان الدافع فهو بعيد عن فهم النصوص الشرعية وفقه الواقع، لكن ثمة كثير من العلماء أيضًا صدعوا بالحقِّ وكانوا على بصيرة من دلالات النصوص وفهمها، فأسأل الله العظيم أن يمنَّ على بلدنا بالأمن والأمان، وأنْ يُخلِّصنا من هذه العصابة الحاكمة وأعوانها، نِعم مَن يُسأل ربُّنا وخير من يُجيب هو.

____________________

1) محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية – تونس، 1984 هـ، 22/ 125، والحديث رواه الترمذي في سننه وقال: “هذا حديث حسن صحيح”. الجامع، كتاب أبواب النكاح، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، رقم: 1361، ورواه ابن حبِّان في صحيحه، 11/ 29،  ترتيب: علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تح: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1408 هـ – 1988 م.

2) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، رقم: 1017، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

3) صحيح البخاري، كتاب الصيام، باب حق الجسم في الصوم، رقم: 1975، تح: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ.

4) التحرير والتنوير:4/ 193.

5) سنن الترمذي، تح شاكر، أبواب الزهد، باب في التوكل على الله، رقم : 2346.

6) صحيح ابن حبان، تح: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط2، 1414 – 1993.

7) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب من استُرعِيَ رعية فلم ينصح، رقم: 7150. 

8) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، رقم:  1848، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

9) إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض، تح: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط1، 1419 هـ – 1998 م :6/ 258.

10) شرح النووي على مسلم، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط2، 1392، 12/ 239.

11) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (سترون بعدي أمورا تنكرونها) تح: مصطفى البغا،  دار ابن كثير، بيروت، ط3، 1407 – 1987.

12) المُعْلم بفوائد مسلم، المازري، تح: محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية، المؤسّسة الوطنية للكتاب بالجزائر، 3/ 53. 

13) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص 79. 

14) غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني، أبو المعالي، تح: عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، ط2، 1401هـ، ص 327. 

15) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، تح: أحمد البردوني وآخَر، دار الكتب المصرية – القاهرة، ط2، 1384هـ – 1964 م، 1/ 270. 

16) الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي، تح: عبد الرحمن بن عبد الله التركي وآخَر، مؤسسة الرسالة – لبنان، ط1، 1417هـ – 1997م، 2/ 627. 

17) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سترون بعدي أمورا تنكرونها» رقم: 7056. 

18) شرح النووي على مسلم، النووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط2، 1392ه، 12/229. 

19) شرح النووي على مسلم، 12/229.

20) التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ابن الملقن، تح: دار الفلاح، دار النوادر، دمشق – سورية، ط1، 1429 هـ – 2008 م، 2/ 440. 

21) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا، ونحو ذلك 3/ 1480.