حكم المظاهرات السلمية 

من حق المسلمين – كغيرهم من سائر البشر – أن يسيروا المسيرات وينشئوا المظاهرات، تعبيرا عن مطالبهم المشروعة، وتبليغا بحاجاتهم إلى أولي الأمر، وصنّاع القرار، بصوت مسموع لا يمكن تجاهله. فإن صوت الفرد قد لا يسمع، ولكن صوت المجموع أقوى من أن يتجاهل، وكلما تكاثر المتظاهرون، وكان معهم شخصيات لها وزنها: كان صوتهم أكثر إسماعا وأشد تأثيرا. لأن إرادة الجماعة أقوى من إرادة الفرد، والمرء ضعيف بمفرده قوي بجماعته. ولهذا قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة:2)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا” وشبّك بين أصابعه (1).

ودليل مشروعية هذه المسيرات: أنها من أمور (العادات) وشؤون الحياة المدنية، والأصل في هذه الأمور هو: الإباحة. وهذا ما قررته بأدلة -منذ نحو نصف قرن – في الباب الأول من كتاب: (الحلال والحرام في الإسلام) الذي بين في المبدأ الأول أن القاعدة الأولى من هذا الباب: (أن الأصل في الأشياء الإباحة). وهذا هو القول الصحيح الذي اختاره جمهور الفقهاء والأصوليين.

فلا حرام إلا ما جاء بنصٍّ صحيح الثبوت، صريح الدلالة على التحريم. أما ما كان ضعيفا في مسنده، أو كان صحيح الثبوت، ولكن ليس صريح الدلالة على التحريم، فيبقى على أصل الإباحة، حتى لا نحرم ما أحل الله؛ ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام ضيقا شديدا، واتسعت دائرة الحلال اتساعا بالغا. ذلك أن النصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدا، وما لم يجئ نص بحله أو حرمته، فهو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.

وفي هذا ورد الحديث: “ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا”. وتلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (مريم:64) (2) . وعن سلمان الفارسي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: “الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم” (3)، فلم يشأ عليه الصلاة والسلام أن يجيب السائلين عن هذه الجزئيات، بل أحالهم على قاعدة يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام، ويكفي أن يعرفوا ما حرم الله، فيكون كل ما عداه حلالا طيبا.

وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها” (4) . وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان، بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة، وهي التي نسميها: (العادات أو المعاملات) فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقييد إلا ما حرّمه الشارع وألزم به، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (الأنعام:119) ، عام في الأشياء والأفعال.

وهذا بخلاف العبادة فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي، وفيها جاء الحديث الصحيح: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” (5)، وذلك أن حقيقة الدين تتمثل في أمرين: ألا يُعبد إلا الله، وألا يُعبد إلا بما شرع، فمن ابتدع عبادة من عنده – كائنا من كان – فهي ضلالة ترد عليه، لأن الشارع وحده هو صاحب الحق في إنشاء العبادات التي يُتقرب بها إليه.

وأما العادات أو المعاملات فليس الشارع منشئا لها، بل الناس هم الذين أنشأوها وتعاملوا بها، والشارع جاء مصححا لها ومعدلا ومهذبا، ومقرا في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضرر منها.    

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.

وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه. والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به – أي من العادات – كيف يحكم عليه بأنه محظور؟

ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} (الشورى:21) . والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرّمه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً} (يونس:59) .

وهذه قاعدة عظيمة نافعة، وإذا كان كذلك فنقول:

البيع، والهبة، والإجارة، وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم – كالأكل والشرب واللباس – فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.

وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاءون، ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة – وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروها  – وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي) (6) انتهى.

ومما يدل على هذا الأصل المذكور ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن (7) . فدل على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا منهي عنه، وأنهم في حل من فعله حتى يرد نص بالنهي والمنع، وهذا من كمال فقه الصحابة رضي الله عنهم، وبهذا تقررت هذه القاعدة الجليلة، ألا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله.

والقول بأن هذه المسيرات (بدعة) لم تحدث في عهد رسول الله ولا أصحابه، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار: قول مرفوض؛ لأن هذا إنما يتحقق في أمر العبادة وفي الشأن الديني الخالص. فالأصل في أمور الدين (الاتباع) وفي أمور الدنيا (الابتداع) (8) .

ولهذا ابتكر الصحابة والتابعون لهم بإحسان: أمورا كثيرة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما يعرف بـ(أوليات عمر) وهي الأشياء التي ابتدأها عمر رضي الله عنه، غير مسبوق إليها، مثل: إنشاء تاريخ خاص للمسلمين، وتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين، واتخاذ دار للسجن، وغيرها.

وبعد الصحابة أنشأ التابعون وتلاميذهم أمورا كثيرة، مثل: ضرب النقود الإسلامية، بدل اعتمادهم على دراهم الفرس ودنانير الروم، وإنشاء نظام البريد، وتدوين العلوم، وإنشاء علوم جديدة مثل: إنشاء علم أصول الفقه، وتدوين علوم النحو والصرف والبلاغة، وعلم اللغة، وغيرها. وأنشأ المسلمون (نظام الحسبة) ووضعوا له قواعد وأحكاما وآدابا، وألّفوا فيه كتبا شتّى.

ولعل مما يؤيد هذا المسلك، الحديث الصحيح: “من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة” (9). فهو يحث على المبادرة واتخاذ الموقف القدوة، الذي يرغب الآخرين في تقليده واتباعه، فيكون له أجرهم. وقد قيل: الفضل للمبتدي، وإن أحسن المقتدي!

ولهذا كان من الخطأ المنهجي: أن يطلب دليل خاص على شرعية كل شأن من شؤون العادات، فحسبنا أنه لا يوجد نص مانع من الشرع. ودعوى أن هذه المسيرات مقتبسة أو مستوردة من عند غير المسلمين: لا يثبت تحريما لهذا الأمر، ما دام هو في نفسه مباحا، ويراه المسلمون نافعا لهــم.” فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها” (10) .

وقد اقتبس المسلمون في عصر النبوة طريقة حفر الخندق حول المدينة، لتحصينها من غزو المشركين، وهي من طرق الفرس. واتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم خاتما، حيث أشير عليه أن يفعل ذلك، فإن الملوك والأمراء في العالم، لا يقبلون كتابا إلا مختوما .

واقتبس الصحابة نظام الخراج من دولة الفرس العريقة في المدنية والتنظيم.

واقتبسوا كذلك تدوين الدواوين من دولة الروم، لما لها من عراقة في ذلك.

وترجم المسلمون الكتب التي تتضمن (علوم الأوائل) أي الأمم المتقدمة، التي طورها المسلمون وهذبوها وأضافوا إليها، وابتكروا فيها مثل: (علم الجبر) بشهادة المنصفين من مؤرخي العلم.

ولم يعترضوا إلا على (الجانب الإلهي) في التراث اليوناني؛ لأن الله تعالى أغناهم بعقيدة الإسلام عن وثنية اليونان وما فيها من أساطير وأباطيل.

ومن نظر إلى حياتنا المعاصرة في شتى المجالات: وجد فيها كثيرا جدا مما اقتبسناه من بلاد الغرب: في التعليم والإعلام والاقتصاد والإدارة والسياسة وغيرها. ففكرة الدستور، والانتخابات بالصورة المعاصرة، وفصل السلطات، وإنشاء الصحافة والإذاعة والتلفزة، بوصفها أدوات للتعبير والتوجيه والترفيه، وإنجاز الشبكة الجبارة للمعلومات (الإنترنت) . والتعليم بمؤسساته وتقسيماته وترتيباته ومراحله واختباراته وآلياته المعاصرة، مقتبس في معظمه من الغرب.

والشيخ رفاعة الطهطاوي، حين ذهب إلى باريس إماما للبعثة المصرية، ورأى من ألوان المدنية ما رأى، بهرته الحضارة الحديثة، وعاد لينبه قومه إلى ضرورة الاقتباس مما سبق به الأوربيون، حتى لا يظلوا يتقدمون ونحن نتأخر. ومن يومها بدأ المصريون، وبدأ معهم كثير من العرب، وقبلهم بدأ العثمانيون في اقتباس ما عند الغربيين.

كل هذه مقتبسات من الغرب الذي تفوق علينا وسبقنا بها، ولم نجد بدا من أن نأخذها عنه، ولم تجد نكيرا من أحد من علماء الشرع ولا من غيرهم فأقرها العرف العام. وقد أخذ الغرب عنا من قبل واقتبس منا، وانتفع بعلومنا أوائل نهضته: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران:140) .

المهم أن نأخذ ما يلائم عقائدنا وقيمنا وشرائعنا، دون ما يناقضها أو ينقضها. فالناقل هو الذي يأخذ من غيره ما ينفعه لا ما يضره. وأهم ما يأخذه المسلم من غيره: ما كان متعلقا بشؤون الحياة المتطورة، وجله يتصل بالوسائل والآليات التي طابعها المرونة والتغير، لا بالأهداف والمبادئ التي طابعها الثبات والبقاء.

على أن ما ذكره السائل أو السائلون، من نسبة هذه المظاهرات أو المسيرات إلى الشيوعيين الملحدين: غير صحيح، فالأنظمة الشيوعية لا تسمح بهذه المسيرات إطلاقا؛ لأن هذه الأنظمة الشمولية القاهرة تقوم على كبت الحريات، وتكميم الأفواه، والخضوع المطلق لسلطان الحكم وجبروته.

قاعدتان مهمتان:

وأود أن أقرر هنا قاعدتين في غاية الأهمية:

1-  قاعدة المصلحة المرسلة:

الأولى هي: قاعدة المصلحة المرسلة، فهذه الممارسات التي لم ترد في العهد النبوي، ولم تعرف في العهد الراشدي، ولم يعرفها المسلمون في عصورهم الأولى، وإنما هي من مستحدثات هذا العصر: إنما تدخل في دائرة (المصلحة المرسلة)، وهي التي لم يرد من الشرع دليل باعتبارها ولا بإلغائها.

وشرطها: أن لا تكون من أمور العبادات حتى لا تدخل في البدعة، وأن تكون من جنس المصالح التي أقرها الشرع، والتي إذا عرضت على العقول، تلقتها بالقبول، وألا تعارض نصا شرعيا، ولا قاعدة شرعية. وجمهور فقهاء المسلمين يعتبرون المصلحة دليلا شرعيا يبنى عليها التشريع أو الفتوى أو القضاء، ومن قرأ كتب الفقه وجد مئات الأمثلة من الأحكام التي لا تعلل إلا بمطلق مصلحة تُجلب، أو ضرر يُدفع.

وكان الصحابة – وهم أفقه الناس بهذه الشريعة – أكثر الناس استعمالا للمصلحة واستنادا إليها. وقد شاع أن الاستدلال بالمصلحة المرسلة خاص بمذهب المالكية، ولكن الإمام شهاب الدين القرافي المالكي (684هـ) يقول، ردا على من نقلوا اختصاصها بالمالكي: (وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا أو جمعوا أو فرقوا بين المسألتين، لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى الذي جمعوا أو فرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب) (11) .

2-  للوسائل حكم المقاصد:

والقاعدة الثانية: هي أن للوسائل في شؤون العادات حكم المقاصد، فإذا كان المقصد مشروعا في هذه الأمور، فإن الوسائل إليه تأخذ حكمه، ولم تكن الوسيلة محرمة في ذاتها؛ ولهذا حين ظهرت الوسائل الإعلامية الجديدة، مثل (التلفزيون) كثر سؤال الناس عنها: أهي حلال أم حرام؟

وكان جواب أهل العلم: أن هذه الأشياء لا حكم لها في نفسها، وإنما حكمها بحسب ما تستعمل له من غايات ومقاصد. فإذا سألت عن حكم (البندقية) قلنا: إنها في يد المجاهد عون على الجهاد، ونصرة الحقِّ، ومقاومة الباطل، وهي في يد قاطع الطريق عون على الجريمة، والإفساد في الأرض، وترويع الخلق.

وكذلك التلفزيون: مَن يستخدمه في معرفة الأخبار، ومتابعة البرامج النافعة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، بل والبرامج الترفيهية بشروط وضوابط معينة، فهذا لا شك في إباحته ومشروعيته، بل قد يتحول إلى قربة وعبادة بالنية الصالحة. بخلاف من يستخدمه للبحث عن الخلاعة والمجون وغيرها من الضلالات في الفكر والسلوك.

وكذلك هذه المسيرات والتظاهرات، إن كان خروجها لتحقيق مقصد مشروع، كأن تنادي بتحكيم الشريعة، أو بإطلاق سراح المعتقلين بغير تهمة حقيقية، أو بإيقاف المحاكمات العسكرية للمدنيين، أو بإلغاء حالة الطوارئ التي تعطي للحكام سلطات مطلقة. أو بتحقيق مطالب عامة للناس مثل: توفير الخبز أو الزيت أو السكر أو الدواء أو البنزين، أو غير ذلك من الأهداف التي لا شك في شرعيتها: فمثل هذا لا يرتاب فقيه في جوازه.

ومثل ذلك: الاحتجاج على ما يحدث للإخوة في فلسطين، أو الحفريات تحت المسجد الأقصى، أو الحرب على العراق، أو الاحتجاج على الرسوم المسيئة لشخصية النبي عليه الصلاة والسلام.

وأذكر أني كنت في سنة 1989م في الجزائر، وقد شكا إلي بعض الأخوات من طالبات الجامعة من الملتزمات والمتدينات، من مجموعة من النساء العلمانيات أقمن مسيرة من نحو خمسمائة امرأة، سارت في شوارع العاصمة، تطالب بمجموعة من المطالب تتعلق بالأسرة أو ما يسمى (قانون الأحوال الشخصية) مثل: منع الطلاق، أو تعدد الزوجات، أو طلب التسوية بين الذكر والأنثى في الميراث، أو إباحة تزوج المسلمة من غير المسلم، ونحو ذلك.

فقلت للطالبات اللائي سألنني عن ذلك: الرد على هذه المسيرة العلمانية: أن تقود المسلمات الملتزمات مسيرة مضادة، من خمسمائة ألف امرأة! أي ضعف المسيرة الأولى ألف مرة! تنادي باحترام قواطع الشريعة الإسلامية. وفعلا بعد أشهر قليلة أقيمت مسيرة مليونية عامتها من النساء تؤيد الشريعة، وإن شارك فيها عدد محدود من الرجال، يقودهم عالم الجزائر: الشيخ أحمد سحنون رحمه الله. فهذه المسيرة – بحسب مقصدها – لا شك في شرعيتها، بخلاف المسيرة الأخرى المعارضة لأحكام الشريعة القطعية، لا يستطيع فقيه أن يفتي بجوازها.

سد الذرائع:

أما ما قيل من منع المسيرات والتظاهرات السلمية، خشية أن يتخذها بعض المخربين أداة لتدمير الممتلكات والمنشآت، وتعكير الأمن، وإثارة القلاقل. فمن المعروف: أن قاعدة سد الذرائع لا يجوز التوسع فيها، حتى تكون وسيلة للحرمان من كثير من المصالح المعتبرة. ويكفي أن نقول بجواز تسيير المسيرات إذا توافرت شروط معينة يترجح معها ضمان ألا تحدث التخريبات التي تحدث في بعض الأحيان، كأن تكون في حراسة الشرطة، أو أن يتعهد منظموها بأن يتولوا ضبطها بحيث لا يقع اضطراب أو إخلال بالأمن فيها، وأن يتحملوا المسؤولية عن ذلك. وهذا المعمول به في البلاد المتقدمة ماديا.

في السنة دليل على شرعية المسيرات:

أعتقد أن فيما سقناه من الأدلة والاعتبارات الشرعية، ما يكفي لإجازة المسيرات السلمية إذا كانت تعبر عن مطالب فئوية أو جماهيرية مشروعة، وليس من الضروري أن يطلب دليل شرعي خاص على ذلك، مثل نص قرآني أو نبوي، أو واقعة حدثت في عهد النبوة أو الخلافة الراشدة.

ومع هذا، نتبرع بذكر واقعة دالة، حدثت في عهد النبوة، وذلك عندما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولنستمع إلى عمر نفسه، وهو يقص علينا نبأ هذه المسيرة، يقول بعد أن دخل دار الأرقم بن أبي الأرقم معلنا الشهادتين: (فقلتُ: يا رسول الله، ألسنا على الحقِّ إن متنا وإن حيينا؟

قال: “بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحقِّ، إن متم وإن حييتم”.

قال: فقلتُ: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن. فأخرجناه في صفين: حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد. قال: فنظرت إليّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها. فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق) (12).

ومن تتبَّع السيرة النبوية، والسنة المحمدية، لا يعدم أن يجد فيها أمثلة أخرى.




رأي الشيخ الغزالي في تولي المرأة للحكم

من كتاب “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث” للعالم الجليل الدكتور محمد الغزالي (1917-1996) في باب “المرأة والأسرة والوظائف العامة”.

أكره البيوت الخالية من رباتها! إن ربة البيت روح ينفث الهناءة والمودة في جنباته ويعين على تكوين إنسان سوي طيب.. وكل ما يشغل المرأة عن هذه الوظيفة يحتاج الى دراسة ومراجعة…

وإلى جانب هذه الحقيقة فإني أكره وأد البنت طفلة، ووأدها وهي ناضجة المواهب مرجوة الخير لأمتها وأهلها.. فكيف نوفق بين الأمرين؟.

لنتفق أولاً على أن احتقار الأنوثة جريمة، وكذلك دفعها إلى الطرق لإجابة الحيوان الرابض في دماء بعض الناس…

والدين الصحيح يأبى تقاليد أمم تحبس النساء، وتضيق عليهن الخناق وتضن عليهن بشتى الحقوق والواجبات، كما يأبى تقاليد أمم أخرى جعلت الأعراض كلأً مباحاً، وأهملت شرائع الله كلها عندما تركت الغرائز الدنيا تتنفس كيف تشاء…

يمكن أن تعمل المرأة داخل البيت وخارجه، بيد أن الضمانات مطلوبة لحفظ مستقبل الأسرة ومطلوب أيضاً توفير جو من التقى والعفاف تؤدي فيه المرأة ما قد تكلف به من عمل..

إذا كان هناك مائة ألف طبيب أو مائة ألف مدرس فلا بأس أن يكون نصف هذا العدد من النساء والمهم في المجتمع المسلم قيام الآداب التي أوصت بها الشريعة، وصانت بها حدود الله، فلا تبرج ولا خلاعة، ولا مكان لاختلاط ماجن هابط، ولا مكان لخلوة بأجنبي (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون»..(30«.

على أن الأساس الذي ينبغي أن نرتبط به أو نظل قريبين منه هو البيت، إني أشعر بقلق من ترك الأولاد للخدم أو حتى لدور الحضانة.

إن أنفاس الأم عميقة الآثار في إنضاج الفضائل وحماية النشء.

ويجب أن نبحث عن ألف وسيلة لتقريب المرأة من وظيفتها الأولى وهذا ميسور لو فهمنا الدين على وجهه الصحيح، وتركنا الانحراف والغلو..

أعرف أمهات فاضلات مديرات لمدارس ناجحة، وأعرف طبيبات ماهرات شرفن أسرهن ووظائفهن وكان التدين الصحيح من وراء هذا كله..

وقد لاحظت أن المرأة اليهودية شاركت في الهزيمة المخزية التي نزلت بنا وأقامت دولة إسرائيل على أشلائنا، إنها أدت خدمات اجتماعية وعسكرية لدينها.

كما أن امرأة يهودية هي التي قادت قومها، وأذلت نفراً من الساسة العرب لهم لحىً وشوارب في حرب الأيام الستة وفي حروب تالية..!

وقد لاحظت في الشمال الإفريقي وأقطار أخرى أن الراهبات وسيدات متزوجات وغير متزوجات يخدمن التنصير بحماس واستبسال!.

ولعلنا لا ننسى الطبيبة التي بقيت في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وهي تهدم على رؤوس أصحابها وتحملت أكل الموتى من الحيوانات والجثث، ثم خرجت ببعض الأطفال العرب آخر الحصار لتستكمل معالجة عللهم في إنجلترا..

إن هناك نشاطاً نسائياً عالمياً في ساحات شريفة رحبة لا يجوز أن ننساه لما يقع في ساحات أخرى من تبذل وإسفاف.

وقد ذكرني الجهاد الديني والاجتماعي الذي تقوم النساء غير المسلمات به في أرضنا أو وراء حدودنا، بالجهاد الكبير الذي قامت به نساء السلف الأول في نصرة الإسلام.

لقد تحملن غربة الدين بشجاعة، وهاجرن وآوين عندما رضت الهجرة والإيواء، وأقمن الصلوات رائحات غاديات إلى المسجد النبوي سنين عدداً، وعندما احتاج الأمر إلى القتال قاتلن.

وقبل ذلك أسدين خدمات طبية ـ أعنَّ في المهام التي يحتاج اليها الجيش ـ.

وقد ساء وضع المرأة في القرون الأخيرة، وفرضت عليها الأمية والتخلف الإنساني العام…

بل إنني أشعر بأن أحكاماً قرآنية ثابتة أهملت كل الإهمال لأنها تتصل بمصلحة المرأة، منها أنه قلما نالت امرأة ميراثها، وقلما استشيرت في زواجها!.

وبين كل مائة ألف طلاق يمكن أن يقع تمتيع مطلقة.. أما قوله تعالى «وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين»(31) فهو كلام للتلاوة..

والتطويح بالزوجة لنزوة طارئة أمر عادي، أما قوله تعالى «وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها…»(32) فحبر على ورق..

المرأة أنزل رتبة وأقل قيمة من أن ينعقد لأجلها مجلس صلح! إن الريبة في طردها لا يجوز أن تقاوم..!!

وقد نددت في مكان آخر بأن خطيئة الرجل تغتفر أما خطأ المرأة فدمها ثمن له!!.

وقد استغل الاستعمار العالمي في غارته الأخيرة علينا هذا الاعوجاج المنكور، وشن على تعاليم الإسلام حرباً ضارية! كأن الإسلام المظلوم هو المسئول عن الفوضى الضاربة بين أتباعه..

والذي يثير الدهشة أن مدافعين عن الإسلام أو متحدثين باسمه وقفوا محامين عن هذه الفوضى الموروثة، لأنهم ـ بغباوة رائعة ـ ظنوا أن الإسلام هو هذه الفوضى! والجنون فنون والجهالة فنون!! إن الأعمدة التي تقوم عليها العلاقات بين الرجال والنساء تبرز في قوله تعالى: «لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض»(33) وقوله: «من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون»(34) وقول الرسول الكريم: «النساء شقائق الرجال«.

وهناك أمور لم يجئ في الدين أمر بها أو نهي عنها، فصارت من قبيل العفو الذي سكت الشارع عنه ليتيح لنا حرية التصرف فيه سلباً وإيجاباً. وليس لأحد أن يجعل رأيه هنا دينا، فهو رأي وحسب!. ولعل ذلك سر قول ابن حزم. إن الإسلام لم يحظر على امرأة تولي منصب ما، حاشا الخلافة العظمى!.

وسمعت من رد كلام ابن حزم: بأنه مخالف لقوله تعالى: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم…»(35) فالآية تفيد ـ في فهمه ـ أنه لا يجوز أن تكون المرأة رئيسة رجل في أي عمل! وهذا رد مرفوض والذي يقرأ بقية الآية الكريمة يدرك أن القوامة المذكورة هي للرجل في بيته، وداخل أسرته..

وعندما ولي عمر قضاء الحسبة في سوق المدينة للشفاء، كانت حقوقها مطلقة على أهل السوق رجالاً ونساء، تحل الحلال وتحرم الحرام وتقيم العدالة وتمنع المخالفات…

وإذا كانت للرجل زوجة طبيبة في مستشفى فلا دخل له في عملها الفني، ولا سلطان له على وظيفتها في مستشفاها..

قد يقال: كلام ابن حزم منقوض بالحديث «خاب قوم ولوا أمرهم امرأة..«

وجعل أمور المسلمين إلى النساء يعرض الأمة للخيبة فينبغي ألا تسند إليهن وظيفة كبيرة ولا صغيرة…

وابن حزم يرى الحديث مقصوراً على رياسة الدولة، أما ما دون ذلك فلا علاقة للحديث به…

ونحب أن نلقي نظرة أعمق على الحديث الوارد، ولسنا من عشاق جعل النساء رئيسات للدول أو رئيسات للحكومات! إننا نعشق شيئاً واحداً، أن يرأس الدولة أو الحكومة أكفأ إنسان في الأمة… وقد تأملت في الحديث المروي في الموضوع، مع أنه صحيح سنداً ومتناً، ولكن ما معناه؟.

عندما كانت فارس تتهاوى تحت مطارق الفتح الإسلامي كانت تحكمها ملكية مستبدة مشئومة. الدين وثني! والأسرة المالكة لا تعرف شورى، ولا تحترم رأياً مخالفاً، والعلاقات بين أفرادها بالغة السوء، قد يقتل الرجل أباه أو إخوته في سبيل مآربه، والشعب خانع منقاد.. وكان في الإمكان، وقد انهزمت الجيوش الفارسية أمام الرومان الذين أحرزوا نصراً مبيناً بعد هزيمة كبرى وأخذت مساحة الدولة تتقلص أن يتولى الأمر قائد عسكري يوقف سيل الهزائم لكن الوثنية السياسية جعلت الأمة والدولة ميراثاً لفتاة لا تدري شيئاً، فكان ذلك إيذاناً بأن الدولة كلها إلى ذهاب..

في التعليق على هذا كله قال النبي الحكيم كلمته الصادقة، فكانت وصفاً للأوضاع كلها..

ولو أن الأمر في فارس شورى، وكانت المرأة الحاكمة تشبه «جولدا مائير» اليهودية التي حكمت إسرائيل واستبقت دفة الشؤون العسكرية في أيدي قادتها لكان هناك تعليق آخر على الأوضاع القائمة..

ولك أن تسأل: ماذا تعني؟ وأجيب: بأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ قرأ على الناس في مكة سورة النمل، وقص عليهم في هذه السورة قصة ملكة سبأ التي قادت قومها إلى الإيمان والفلاح بحكمتها وذكائها، ويستحيل أن يرسل حكماً في حديث يناقض ما نزل عليه من وحي!.

كانت بقليس ذات ملك عريض، وصفه الهدهد بقوله: «إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم»(36)، وقد دعاها سليمان إلى الإسلام، ونهاها عن الاستكبار والعناد، فلما تلقت كتابه، تروت في الرد عليه، واستشارت رجال الدولة الذين سارعوا إلى مساندتها في أي قرار تتخذه، قائلين «نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين»؟(37)، ولم تغتر المرأة الواعية بقوتها ولا بطاعة قومها لها، بل قالت: نختبر سليمان هذا لنتعرف أهو جبار من طلاب السطوة والثروة أم هو نبي صاحب إيمان ودعوة؟، ولما التقت بسليمان بقيت على ذكائها واستنارة حكمها تدرس أحواله وما يريد وما يفعل، فاستبان لها أنه نبي صالح، وتذكرت الكتاب الذي أرسله إليها: «إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين»(38) (ثم قررت طرح وثنيتها الأولى والدخول في دين الله قائلة: «رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين«)(39).

هل خاب قوم ولوا أمرهم امرأة من هذا الصنف النفيس؟ إن هذه المرأة أشرف من الرجل الذي دعته ثمود لقتل الناقة ومراغمة نبيهم صالح «فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر، فكيف كان عذابي ونذر، إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر»(40).

ومرة أخرى أؤكد أني لست من هواة تولية النساء المناصب الضخمة، فإن الكملة من النساء قلائل، وتكاد المصادفات هي التي تكشفهن، وكل ما أبغي، هو تفسير حديث، ورد في الكتب، ومنع التناقض بين الكتاب وبعض الآثار الواردة، أو التي تفهم على غير وجهها! ثم منع التناقض بين الحديث والواقع التاريخي.

إن إنجلترا بلغت عصرها الذهبي أيام الملكة «فيكتوريا» وهي الآن بقيادة ملكة ورئيسة وزراء، وتعد في قمة الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي، فأين الخيبة المتوقعة لمن اختار هؤلاء النسوة؟.

وقد تحدثت في مكان آخر عن الضربات القاصمة التي أصابت المسلمين في القارة الهندية على يدي «أنديرا غاندي» وكيف شطرت الكيان الإسلامي شطرين فحققت لقومها ما يصبون!. على حين عاد المرشال، يحيى خان يجرر أذيال الخيبة!!.

أما مصائب العرب التي لحقت بهم يوم قادت «جولدا مائير» قومها فحدث ولا حرج، قد نحتاج إلى جيل آخر لمحوها! إن القصة ليست قصة أنوثة وذكورة! إنها قصة أخلاق ومواهب نفسية..

لقد أجرت انيرا انتخابات لترى أيختارها قومها للحكم أم لا؟ وسقطت في الانتخابات التي أجرتها بنفسها! ثم عاد قومها فاختاروها من تلقاء أنفسهم دون شائبة إكراه!.

أما المسلمون فكأنهم متخصصون في تزوير الانتخابات للفوز بالحكم ومغانمه برغم أنوف الجماهير.

أي الفريقين أولى برعاية الله وتأييده والاستخلاف في أرضه؟ ولماذا لا نذكر قول ابن تيمية: إن الله قد ينصر الدولة الكافرة ـ بعدلها ـ على الدولة المسلمة بما يقع فيها من مظالم؟.

ما دخل الذكورة والأنوثة هنا؟ امرأة ذات دين خير من ذي لحية كفور!!

والمسلمون الآن نحو خمس العالم، فكيف يعرضون دينهم على سائر الناس!

ليتهموا قبل أي شيء بأركان دينهم وعزائمه وغاياته العظمى! أما ما سكت الإسلام عنه فليس لهم أن يلزموا الناس فيه بشيء قد ألفوه هم أنفسهم من قبل!!.

إننا لسنا مكلفين بنقل تقاليد عبس وذبيان إلى أمريكا وأستراليا، إننا مكلفون بنقل الإسلام وحسب!.

والأمم تلتقي عند الشئون المهمة! هل أن الإنكليز يلزمون الجانب الأيسر من الطريق على عكس غيرهم من أهل أوروبا، إن ذلك لا تأثير له في حلف الأطلسي ولا في دستور الأسرة الأوروبية!.

وإذا كان الفقهاء المسلمون قد اختلفت وجهات نظرهم في تقرير حكم ما، فإنه يجب أن نختار للناس أقرب الأحكام إلى تقاليدهم..

والمرأة في أوربا تباشر زواجها بنفسها، ولها شخصيتها التي لا تتنازل عنها، وليست مهمتنا أن نفرض على الأوربيين مع أركان الإسلام رأي مالك أو ابن حنبل إذا كان رأي أبي حنيفة (41) أقرب إلى مشاربهم فإن هذا تنطع أو صد عن سبيل الله..

وإذا ارتضوا أن تكون المرأة حاكمة أو قاضية أو وزيرة أو سفيرة، فلهم ماشاءوا، ولدينا وجهات نظر فقهية تجيز ذلك كله، فلم الإكراه على رأي ما؟.

إن من لا فقه لهم يجب أن يغلقوا أفواههم لئلا يسيئوا إلى الإسلام بحديث لم يفهموه أو فهموه وإن ظاهر القرآن ضده…




الحرب والأخلاق

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ سياسة الإسلام في الحرب لا تنفصل عن الأخلاق؛ فالحرب لا تعني إلغاء الشرف في الخصومة، والعدل في المعاملة، والإنسانيّة في القتال وما بعد القتال.

إنَّ الحرب ضرورة تفرضها طبيعة الاجتماع البشريّ، وطبيعة التدافع الواقع بين البشر الذي ذكره القرآن الكريم بقوله: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (الحج:40)، {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة:251) .

ولكنّ ضرورة الحرب لا تعني الخضوع لغرائز الغضب والحميّة الجاهليّة، وإشباع نوازع الحقد والقسوة والأنانيّة، إذا كان لا بدّ من الحرب؛ فلتكن حرباً تضبطها الأخلاق، ولا تسيّرها الشهوات، لتكن ضدّ الطغاة والمعتدين لا ضدّ البرآء والمسالمين.

{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190)، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة:2) .

إذا كان لا بدّ من الحرب؛ فلتكن في سبيل الله، وهو السبيل الذي تعلو به كلمة الحقّ والخير ، لا في سبيل الطاغوت، الذي تعلو به كلمة الشرّ والباطل، {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (النساء:76) .

 لتكن من أجل استنقاذ المستضعفين، لا من أجل حماية الأقوياء المتسلّطين: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيّة الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (النساء:75) .

 وَلْتتقيّدِ الحرب بأخلاق الرحمة والسماحة، ولو كانت مع أشدّ الأعداء شنآناً للمسلمين، وعتوْا عليهم، وإذا كان كثير من قادة الحروب وفلاسفة القوّة، لا يبالون في أثناء الحرب بشيء إلا التنكيل بالعدو، وتدميره، وإن أصاب هذا التنكيل من لا ناقة له في الحرب ولا جمل، فإنّ الإسلام يوصى ألا يقتل إلا من يقاتل، ويحذر من الغدر والتمثيل بالجثث وقطع الأشجار، وهدم المباني، وقتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة والمزارعين المنقطعين لحراثة الأرض.

وفي هذا جاءت آيات القرآن الكريم، ووصايا الرسول الكريم، وخلفائه الراشدين، ففي القرآن: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190) ، وفي السنَّة كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه إذا توجّهوا للقتال بقوله: “اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً”…

 وكذلك كان الخلفاء الراشدون المهديّون من بعده يوصون قوادهم: ألّا يقتلوا شيخاً، ولا صبيّاً، ولا امرأة، وألا يقطعوا شجراً، ولا يهدموا بناء”، بل نهوهم أن يتعرّضوا للرهبان في صوامعهم، وأن يدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له من العبادة.

يذكر المؤرّخون المسلمون أنّ الخليفة الأوّل أبا بكر الصديق رضي الله عنه، في المعارك الكبرى التي دارت بين المسلمين والإمبراطوريّتين العتيدتين فارس والروم، أرسل إليه رأسَ أحدِ قادةِ الأعداءِ من قلب المعركة إلى المدينةِ عاصمةِ الدولةِ الإسلاميّة، وكان القائدُ يظنّ أنّه يسرُّ بذلك الخليفةَ، ولكن الخليفة غضب لهذه الفعلة لما فيها من المثلة، والمساس بكرامة الإنسان فقالوا له: إنّهم يفعلون ذلك برجالنا. فقال الخليفة في استنكار:

-آستنان بفارس والروم؟ لا يحمل إليّ رأسٌ بعد اليوم!

وبعد أن تضع الحرب أوزارها، يجب ألا ينسى الجانب الإنسانيّ والأخلاقيّ في معاملة الأسرى وضحايا الحرب، يقول الله تعالى في وصف الأبرار من عباده: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا} (الإنسان:8-9) .

 – من كتاب “مدخل لمعرفة الإسلام” لفضيلة العلّامة.




الحداثيّون العرب مقلّـدون

كان أوْلى بدعاة الحداثة، وهم الذين يكرّرون مقولات التجديد، وينزعون نحو كسر النماذج الجاهزة -بحسب قولهم- أن يدركوا أنّ النهوض هو حصيلة فعل إبداعيّ ذاتيّ لا تقليد جاهزاً، وأن يسائلوا أنفسهم ابتداء عن حقيقة الحداثة الغربيّة ومدلولها، وعن الشروط التاريخيّة التي أنتجتها، وينتبهوا إلى الصيرورة التطوريّة التي لحقتها حتّى أدخلتها -في الواقع الغربيّ- داخل خناق أزمة فتحت أمام لحظة مراجعة نقديّة، وتأسيس فلسفيّ وثقافيّ لما بعد الحداثة؛ فالحداثة الأوروبيّة ليست كينونة جوهريّة معزولة عن سياق التاريخ بإحداثيّاته الزمانيّة والمكانيّة، بل هي نتاج صيرورة تاريخيّة تمتدّ بجذورها إلى قرون عديدة، ولذا لا يمكن فهم مشروع الحداثة الغربيّة إلا باستحضاره عبر جدله وتطّوره منذ تأسيسه الفلسفيّ مع ديكارت، وتقعيده المفهوميّ السياسيّ مع مونتيكسيو وروسو (أقصد مفهوم فصل السلطات، والعقد الاجتماعيّ)، مروراً بلحظة المراجعة النقديّة لأداته الإبستمولوجيّة (العقل) مع كانت، وانتهاء بالثورة عليه مع فلسفة ما بعد الحداثة لدى نيتشه وفرويد وهيدغر.

إنّ مقاربة مشروع الحداثة كفكرة مفصولة عن حقل التاريخ إخلال بمنهج الفهم، وعطالة في الوعي التاريخيّ، وتغييب لآليّاته، وهو ما يسقط الفكر الحداثيّ العربيّ في مزلق التقليد والمناداة باستنساخ النموذج الغربيّ، لأنّه يراه برؤية أفلاطونيّة، أي بوصفه نموذجاً مثاليّاً متعالياً عن شرط التاريخ وسياقه السوسيولوجيّ. لذا لا بدّ من إعمال الوعي التاريخيّ النقديّ، فهذا الوعي الغائب هو الشرط المنهجيّ الأوّل لفهم الحداثة بوصفها نبتة ذات جذور وبيئة خاصّة بها، وأتساءل: هل حقّق الفكر العربيّ بالفعل هذا الشرط المنهجيّ ولو في أدنى صوره؟ للأسف ليس ثمّة إنجاز فعليّ لهذا الشرط المنهجيّ؛ ويكفي دليلاً على ذلك أن نراجع المكتبة العربيّة، حيث سنفاجأ بكمّ هائل من المقالات والكتب التي تعرض لمنتجات العقل الغربيّ بحسّ الاندهاش والانبهار، مع تغييب الفكر النقديّ القادر على فهم التجربة الغربيّة وإدراك خصوصيّتها، ونقد مزالقها، والتأسيس لإمكانيّة الاعتبار بها والاستفادة الواعية منها لا تقليدها، ليس في مكتبتنا المعاصرة إلا كتب تقرّظ الغرب إن لم نقل تدعو إلى تبجيله، وما عندنا من بحوث تستلهم الحسّ النقديّ المطلوب، هي بسبب قلّتها دليل يحقّ أن يدرج ضمن الاستثناء المؤكّد للقاعدة.

إنّ ما ينقص الفكر العربيّ في قراءته لمشروع الحداثة الغربيّة هو الوعي التاريخيّ، فماذا أقصد بالوعي التاريخيّ؟ وما وجه ضرورته؟ وما ثمار تشغيله في قراءة الحداثة الغربيّة؟ نقصد بالوعي التاريخيّ ذاك الأسلوب في التفكير الذي يعامل الفكرة بوصفها نتاج لحظتها التاريخيّة، ومشروطة بأفق تلك اللحظة وأحلامها وإخفاقاتها. ولا نقصد بالمشروطيّة هنا ذاك المعنى الآليّ الذي يجعل علاقة الفكر بالواقع علاقة متبوع بتابع، أو علاقة معلول بعلّة، فتلك النظرة الفلسفيّة التي ترجع الفكرة إلى المادّة نظرة مختلة في طبيعة فهمها للفكر وللمادّة على حدّ سواء، فالفكر لا يتأثّر بالواقع فقط، بل يؤثّر فيه أيضاً، ويغيّره ويتجاوزه بطاقة التخييل والاستبصار، لكن مهما كانت هذه القدرة التجاوزيّة يظلّ الفكر في نشأته وتبلوره وصيرورة تطوّره متعلّقاً بشرطه التاريخيّ، ومستجيباً لهواجسه وأسئلته، الأمر الذي يبرّر بل يفرض معاملته وتحليله ضمن سياقه المجتمعيّ وصيرورته التاريخيّة، وفيما يخصّ الحداثة باعتبارها مشروعاً ثقافيّاً نحتاج إلى هذا الوعي التاريخيّ أشدّ الاحتياج، إذ به نتحرّر من النظرة الماهويّة الأفلاطونيّة للحداثة، بوصفها مقولات مثاليّة مفصولة عن سياقها التاريخيّ، وقابلة من ثمّ للتكرار في كلّ سياق مجتمعيّ مهما اختلفت الظروف والشروط، إضافة إلى هذا فإنّ الوعيّ التاريخيّ يعلّمنا أنّ كلّ مجتمع له خلفيّته التاريخيّة التي تعبّر عن خبرته وتراكمات تجاربه ومثله ورموزه، تلك الخلفيّة التي لا بدّ من وعيها واستثمارها في كلّ فعل يستهدف النهوض بالمجتمع، ودفق حوافز النموّ داخله. ومن ثمّ فإنّ الوعي التاريخيّ يدفعنا إلى إعادة قراءة الحداثة الغربيّة بوصفها نتاج واقع وتجربة تاريخيّة خاصّة، ومن هنا يغدو السؤال ضروريّاً حول الصيرورة التاريخيّة لمشروع الحداثة الغربيّة، أي نشأتها ولحظات تطوّرها.




الإلحاد والقهر الأمني

تحدُث الصدمات النفسية العنيفة عند الأزمات الشديدة التي تمتحن بها النفوس؛ فمنَّا من تقوِّيه الأزمات وتزيده صلابة، ومنَّا من يضعف ويفقد الثقة في نفسه وفيمن حوله ويسيطر عليه اليأس والقنوط، وأشدُّ من هذا قد يكون؛ فهذه الصدمات قد تدفع فئةً منَّا لا سيما الشباب إلى الكفر بالْمُثُل والقِيَم التي كان يؤمن بها، ومن هذه الصدمات ما يحدث إثر الهزائم الحربية المنكرة أو الانقلابات العسكرية التي تقمع حريات الشعوب مثلما حدث بعد هزيمة حزيران عام 1967م يوم هُزم العرب والمصريون شرَّ هزيمة أمام الاحتلال الصهيوني، وكذا يوم انقلاب تموز 2013م في مصر.

والأكثر تأثرًا هم فئة الشباب الذين تفتَّح وعيهم على الويلات والأزمات. إن الصدمة تسلب من الشباب وعيهم بعض الوقت، فيبدؤون بالشك في الثوابت التي كانوا يرون أن الجبال تزول وهي لا تزول، وبعد حين تجد فيهم من يعود لرشده سريعًا ويحدد طريقه ويعصمه إيمانه القوي وتربيته السليمة، لكن منهم من تزلُّ قدمه فَيتِيه ويضلُّ؛ فمثلًا بعد انقلاب تموز 2013م في مصر تزلزلت ثوابت كثيرة في عقول الشباب، فهذا الشباب النقي كان يحلم بوطن يحميه ويرعى مصالحه ويوفر له حياة كريمة ويحفظ له كرامته، وإذا به يجد أن هذا الوطن يُمعن في قتله، وإن لم يقتله فإنه يطارده ويقهره ويكبته سياسيًّا ويعدُّ عليه أنفاسه، ومن يفتح فاه فالويل له والثبور؛ السجن أبوابه مشرعة، وأدوات التعذيب متاحة متوفرة، ولا محاسبة لقاتل أو لمن يسوم الأحرار سوء العذاب؛ يومئذٍ كفر بعض هؤلاء الشباب بوطنٍ كانت كل جريمتهم تجاهه أنهم أرادوا له أن ينهض وأن يكون له شأن بين دول العالم وفي طليعة الدول المتقدمة، وبزعمائهم السياسيين الذين تبيَّن لهم أن أيديهم تلطخت بالدماء البريئة إما بسبب قراراتهم أو بموافقتهم على قتل الشباب وسجنهم ومطاردتهم أو بسكوتهم عما يحدث من إجرام ضد الشباب.

وكفروا بجيشهم الذي كانوا يرونه حامي الحمى الذائد عن الحياض الرادع للأعداء الحافظ للبيضة فإذا بهم يستبينون أنه قد فقد شرفه العسكري فوجّه الرصاص ضد الشعب، وحرّك قوَّاته لا لمحاربة العدو بل لقتل جزء من شعبٍ اختلف مع قادته سياسيًّا أو فكريًّا؛ وبشرطتهم التي كانت عصا غليظة يستخدمها النظام لكبت الشعب وقهره فتَتَفنَّن في إهانة الشعب وسلبه كرامته وتجنِّد كل أجهزتها لتتبع المعارضين السياسيين وقمعهم بينما تترك الباب مفتوحًا لأرباب الإجرام والدعارة والمخدرات أو تتواطأ معهم، ولو اهتمت بالجنائيين عُشر اهتمامها بالمعارضين السياسيين لعمَّ الأمن أرجاء الوطن كما قد قيل.

وكفروا بالقضاء الذي اختل ميزان العدالة في يديه؛ فحاكمَ المظلومين وترك الظالمين، وأصدر الأحكام الظالمة القاسية على البرآء وبرَّأ القتلة والسفاحين والمفسدين؛ وبالإعلام الذي فقد حياده وأهدر دماء الأحرار وجيَّش الشعب ضدهم، واخترع المسوِّغ والعذر لمن يقتلهم ويسجنهم ويطاردهم ويكبتهم، بل مجَّد السفاحين وجعلهم زعماء ملهمين، ووسم كل المخالفين والمعارضين بوسم الخيانة والعمالة والإرهاب.

وكفروا بعلماء السلطان الذين لم يقولوا كلمة حقٍّ في وجه سلطان جائر، ولم يسعهم السكوت بل أفتوا بقتل الأحرار المضطهدين والفتك بهم وبالسجن والقهر واستحلال الأموال، ورفعوا الزعماء السفاحين إلى مقام الأنبياء، ولم يغضبوا لانتهاك الحرمات والمحارم، ولم يغضبوا لدين الله الذي يعتدِي عليه أدعياء التطور ودعاة التنوير والتحرر.

وكفروا بالشعب الذي منه من رقص على جثث الشباب، وأظهر شماتة غريبة في مصائبهم، وأعان الظلمة السفاحين على تتبع الشباب والإبلاغ عنهم وتمكين الشرطة من إلقاء القبض عليهم لإيداعهم في السجون بعد تلفيق التهم لهم، فقضى هؤلاء الشباب زهرة حياتهم في ظلمات السجون لا لشيء إلا لحبهم أوطانهم وسعيهم لتحرير شعوبهم من أغلال العبودية، فكان جزاؤهم القتل وهتك الأعراض بدلًا من الافتخار بأعمالهم ومساعدتهم، لقد أبَوا أن يهان الشعب أو يُستعبد أو يُظلم أو تُغتصب حقوقه لكن الشعبَ راضٍ بذلِّه غاضبٌ على من أراد له أن يخرج مما هو فيه.

وكفروا بقادة أحزابهم وحركاتهم الذين أدخلوهم في مواجهاتٍ لم يحسبوا لها حسابها، ولم يستطيعوا إخراجهم منها، وقاموا بتكبيل الشباب ومنعهم من أن يتخذوا من الخطوات ما يرونه مناسبًا للخروج من سلسلة الأزمات هذه، ثم انغمسوا في خاصَّةِ أنفسهم وتنازعوا على لُعاعة من الدنيا.

وبلغ الأمر ببعضِ مَن كفر بأولئك جميعًا أن يشكك في معية الله ونصره لأهل الحق والإيمان، فمنهم من ترك الصلاة وانعزل عن الناس وأصابته الوساوس، ومنهم من جأرَ صارخًا: أين الله! أين الله من هذه الدماء المسفوكة بغير حق ومن هذا الظلم والقهر؟ إنهم يبحثون عن الله لكنهم ضلوا الطريق، فاختل عندهم الركن السادس من أركان الإيمان، وهو ركن الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره(1)؛ إنهم لم ينكروا وجود الله لكنهم لم يلمسوا أثر أفعاله في بعض ما يعانونه، فإذا بهم يطلبون الموت ويسعون إلى الانتحار وقد اسودت الدنيا في أعينهم، ظنوا أنهم افتقدوا النصير والمعين، فهم مرضى مضطهدون يحتاجون إلى العلاج لا إلى الإقصاء والنبذ والتشهير:

أ-يحتاجون إلى إعادة الثقة في إيمانهم عن طريق التربية السليمة؛ فمعظم الذين تنحرف بوصلتهم ويطرقون باب الإلحاد لا سيما من انتسبوا برهةً إلى حركات إسلامية لم ينالوا قسطًا كافيًا من التربية الإيمانية السليمة، وأخذتهم الحركة إلى العمل السياسي بلا أساس راسخ مكين مهمِلةً تعميق الإيمان في نفوسهم، فلما جاءت المحنة زُلزلوا زلزالًا شديدًا.

إن التربية الإيمانية السليمة تعيد ثقتَنا في الطريق وتعرِّفنا بما ينالنا وما قد نلقى أثناء السير فيه؛ فمعرفة طبيعة الطريق من المعينات على السير فيه والاستمرار في سلوكه، عن خباب بن الأرت قال: (شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم= وهو متوسد بردةً له فى ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه؛ والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون“)(2).

ب-ويحتاجون إلى فهم القضاء والقدر، لقد أراد الله بالقضاء والقدر طمأنة الناس بأن مستقبلهم بيد الله لا بيد العباد حتى لا تخضع الرقاب إلا إليه، ويعلم الناس أن العباد لا يمكنهم إنزال ضر بأحد إلا إذا كان هذا الضر قدرًا مقضيًّا، لكنْ ثمة فرق بين القضاء والمقضي، وبين القدر والمقدور، وإذا كان الرضا بالقضاء والقدر من الإيمان، فإن الرضا بالمقضي والمقدور قد يكون من الضلال، يقول الشيخ محمد بن علي بن حسين: (الرضا بالقضاء واجب إجماعًا، والسخط وعدم الرضا به حرام إجماعًا؛ لأنا مأمورون بأن لا نتعرض لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم، ولا نعترض عليه في مُلكه بأن يقول أحدنا ساخطًا على قضائه تعالى: أي شيء عملت حتى أصابني مثل هذا وما ذنبي وما كنت أستأهل هذا، وأما المقضي والمقدور فهو أثر القضاء والقدر، وليس الرضا به واجبًا على الإطلاق كما هو زعم من يعتقد أن الرضا بالقضاء هو الرضا بالمقضي، وإنما الصواب أن الرضا به قد يكون واجبًا كالإيمان بالله تعالى والواجبات إذا قدرها الله تعالى للإنسان، وقد يكون مندوبًا كما في المندوبات وحرامًا كما في المحرمات، وقد يكون مباحًا كما في المباحات من نحو البلايا والرزايا ومؤلمات الحوادث فإنا ما أمرنا بأن تطيب لنا؛ إذ هو تكليف بما ليس في طبع المكلف، والشريعة لم ترد بتكليف أحد بما ليس في طبعه)(3).

ويصحح الشيخ يوسف القرضاوي -حفظه الله- الفهم المعوج للقضاء والقدر، فيقول: (رضا الإنسان عن الله وعن السير العام للكون والحياة لا يستلزم الرضا عن كل ما يراه على مسرح الحياة من شذوذ وانحراف جزئي مصدره هذا الإنسان المكلف المختار)(4) فليس معنى رضا الإنسان عن السيارات وركوبها أنه يرضى بما تسببه من حوادث وما يرتكبه سائقوها من مخالفات لقواعد المرور وآداب الطريق، والمؤمن راضٍ عن نظام الوجود، ساخطٌ على انحراف الإنسان الذي لم يقم بشكر الله على نعمة العقل والإرادة التي مُنحها، فهذا السخط على الشذوذ والانحراف البشري سخط يرضاه الله بل يأمر به ويتوعد المهدرين له الساكتين عنه بالعذاب الشديد {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم} [هود: 116] {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 78-79]”(5).

ج-ويحتاجون إلى فهم السنن الكونية، فقد بث الله في الكون سننًا لا تتخلف ولا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي أحدًا ولا تتحامل على أحدٍ، ومن هذه السنن أن الأصل في الحياة هو التدافع لا التواطؤ والتخاذل، وهذا التدافع قد يؤدي إلى الصراع بين طرفين أو عدة أطراف، يقول تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] ولهذا الصراع أشكال تبدأ بالكلام وتنتهي بالإجهاز على الحياة، وبين ذلك كثير من أشكال الصراع، وإن الوعي بهذا الصراع وأبعاده ليفرض على الإنسان الاستعداد له وإعداد العدة الملائمة، وأن يكون على علم بأن حياته لن يعدم فيها عدوًّا ظاهرًا أو مستترًا وإن لم يبادره بالإساءة أو الاعتداء؛ فقد يجد أعداء لم يخطروا له على بال، فمهما وَادعت الناس وسالمتهم فلن يوادعوك ويسالموك، ومن المعارك ما يفرض عليك فرضًا، فلا بد أن تكون حذرًا مستعدًّا تدرك طبيعة عدوك ومدى عداوته وطبيعة المعركة المفروضة عليك أو التي ستقدم أنت عليها؛ ولو أن الشباب تسلحوا بهذا الوعي السنني في التدافع فلن تحدث لهم صدمات تسوقهم إلى الإلحاد، ولعلموا أن الوقوف بجانب الحق ليس وحده الكفيل بانتصار الحق؛ فالحق لا ينتصر من تلقاء نفسه بل يحتاج إلى جَلَد رجال ذوي عزائم وهمم، فإذا كنت ضعيفًا مناصرًا للحق فلن يظهر الحق على الباطل، يقول تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4]. وذاك هو مقتضى سنة التدافع، يقول تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} [البقرة: 251]. “من خلال هذا النص القصير تبرز حكمة الله العليا في الأرض من اصطراع القوى وتنافس الطاقات وانطلاق السعي في تيار الحياة المتدفق الصاخب الموَّار، وهنا تتكشف على مد البصر ساحة الحياة المترامية الأطراف تموج بالناس في تدافع وتسابق وزحام إلى الغايات، ومن ورائها جميعًا تلك اليد الحكيمة المدبرة تمسك بالخيوط جميعًا، وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق إلى الخير والصلاح والنماء في نهاية المطاف؛ لقد كادت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ولولا أن في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، فتنفض عنها الكسل والخمول وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبدًا يقظة عاملة مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة، وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء، يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي بيَّنه الله لها، وتعرف طريقها إليه واضحًا، وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض، وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه، وهنا يمضي الله أمره وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح هي العليا، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوة الخيرة البانية التي استجاش الصراع أنبلَ ما فيها وأكرمه وأبلَغَها أقصى درجات الكمال المقدر لها في الحياة”(6).

د-ويحتاجون إلى أن يفهموا أنَّ الله لا يَعْجَلُ لعجلة البشر، فالبشرية عجولة بطبعها وفطرتها، فهي تريد الوصول إلى مبتغاها بأسهل الطرق وأسرعها، فإذا تمنت أو رغبت أرادت أن تتحقق الرغبة في أسرع وقت، بل إن من رعونتها أنها كانت تستعجل العذاب أحيانًا وتريد نزوله، لكن هذا ليس من سنة الله في كونه، فهو سبحانه لا يعجل لعجلة البشر، يقول ابن مسعود: (كل ما هو آت قريب، ألا إن البعيد ما ليس بآتٍ، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخِفُّ لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمرًا ويريد الناس أمرًا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مقرب لما باعد الله، ولا مبعد لما قرب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله)(7).

إنَّ في هذه الحاجات الأربع لَوقاية وعلاجًا نسبيًّا لصراع بعض الشباب الذين ألَمَّ بهم فكر الملحدين، فاهتز إيمانهم وظنوا أنهم لم يعثروا على أثر الأفعال الإلهية التي تلطف بالعباد إبَّان الأزمات وبطش الطغاة، هذا ولن يعدم المتأمل في النصوص والسِّير والتاريخ أنماطًا أخرى من الوقاية والعلاج.

____________________

1) مسلم، كتاب الإيمان، باب “مَعْرِفَةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ وَالْقَدَرِ”، ح (8).

2) البخاري، كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، ح (6943).

3) تهذيب الفروق، (4/249).

4)  الإيمان والحياة، ص (154).

5) مسعود صبري: القضاء والقدر والفهم المعوج، موقع إسلام أون لاين، 9 تشرين الأول 2017م.

6) في ظلال القرآن، (1/253).

7) المعجم الكبير للطبراني، (9/98).




الكليّات القرآنيّة: إيجاز وإعجاز [1]

بسم الله الرحمن الرحيم

مدخل حول عنوان المؤتمر: التشريع الإسلاميّ الملاذ الآمن للبشريّة…

لا شكّ أنّ هذا العنوان الجميل والموفّق يعبّر عن الحقيقة التي لا تخفى على أيّ دارس للشريعة الإسلاميّة وخصائصها ومقاصدها.

غير أنيّ أريد أن أوضّح أنّ التشريع الإسلاميّ ليس منحصراً في التشريعات المتوقّفة على اعتماد الدولة ومؤسّساتها، وعلى التطبيق الرسميّ لها؛ بعبارة أخرى: التشريع الإسلاميّ ليس مجرد أحكام قانونيّة تتبناها الدولة، وتعمل بها في محاكمها، التشريع الإسلاميّ أوسع من ذلك بأضعاف مضاعفة، وهو الملاذ الآمن للبشريّة بهذا المعنى الواسع الشامل لجوانب الحياة كلّها: الفرديّة والجماعيّة، الخاصّة والعامّة، الماديّة والروحيّة، الأخلاقيّة والاجتماعيّة…

ولذلك فالتشريع الإسلاميّ يشتغل ويسير بمحرّكين اثنين:

محرّك أصليّ أساسيّ، وهو المحرّك الإيمانيّ الديانيّ الإراديّ،

ومحرّك تكميليّ احتياطيّ، وهو المحرّك السلطانيّ الإلزاميّ.

وأنا أتحدّث عن التشريع الإسلاميّ وعن الكلّيّات القرآنيّة بكلّ هذه المعاني والأبعاد.

الكلّيّات القرآنيّة: إيجاز وإعجاز:

في القرآن الكريم أحكام كليّة جامعة، وفيه أحكام ووقائع جزئيّة مفصّلة، وهو في كلّ ذلك يتّسم بالإيجاز والإعجاز.

وموضوع هذه الورقة يتناول الصنف الأوّل؛ صنف الكلّيّات وما فيها من إيجاز جامع معجز، فالكلّيّات القرآنيّة يمكن وصفها بأنّها: عبارة عن نصوص ذات كلمات محدودة، ومعانٍ لا محدودة، أو هي معان كثيفة، بعبارات خفيفة.

فهي من جملة “جوامع الكلِم”، التي ذكرها النبيّ صلى الله عليه وسلم.

ففي الصحيحين عن أَبِى هُرَيْرَة  قَال، قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ…».

وفي رواية لمسلم: «وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِم …».

فما معنى جوامع الكلم؟ وما المراد بجوامع الكلم التي أوتيها -أو بُعث بها- النبيّ صلى الله عليه وسلم؟

الكلِمُ جمع كلمة، قاله الطبريّ وابن عطيّة في تفسيريهما[2].

وفي لسان العرب: “والكِلْمَة: لغةٌ تَميمِيّة، والكَلِمَة: حجازيّة، وَجَمْعُهَا كَلِمٌ، تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ. يُقَالُ: هُوَ الكَلِمُ وَهِي الكَلِم”.

وتطلق الكلمة، أو الكَلِمُ، على الكلام المختصر القصير…

ولفظ “جوامع”، جمع مفرده جامعة.

ومعنى جوامع الكلم: الكلام القليل، أو الكلِم القليل، الجامع للمعاني الكثيرة الواسعة المتشعّبة.

قال الإمام البخاريّ في صحيحه: “وبلغني أنّ جوامع الكلم: أنّ الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك”.

ولعل البخاريّ يقصد بقوله “وبلغني”، قولَ الإمام ابْن شهَاب الزهريّ، “فِيمَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ: بَلغنِي أَن جَوَامِع الكَلم: أَنّ الله تَعَالَى يجمع لَهُ الْأُمُور الْكَثِيرَة التي كَانَت تكْتب في الْكتب قبله في الْأَمر الْوَاحِد أَو الْأَمريْنِ أَو نَحْو ذَلِك“[3]

وَقَالَ الْخطابِيّ: “مَعْنَاهُ: إيجاز الْكَلَام في إشباع المعَانِي“[4].

ما هي جوامع الكلم التي خُصّ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟

للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

الأوّل: هو أنّ جوامع الكلم هي أقواله وأحاديثه الجامعة، كقوله: إنّما الأعمال بالنيّات. وقوله: كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام. وقوله: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ.

وهذا هو القول السائد والمتبادر، فلا أطيل فيه ولا فيما يدلّ عليه.

الثاني: أنّ المراد بها القرآن الكريم.

قال ابن بطّال: “وأمّا جوامع الكلم فهو القرآن؛ لأنّه تأتي منه الآية في معان مختلفة ولها تأويلات مختلفة، وكلّ يؤدّى إلى [.…] والأخذ به. يدلّ على ذلك قوله تعالى: (ما فرّطنا في الكتاب من شيء). فهذا يدلّ على أنّ القرآن الكريم جوامع، وقوله: (خذ العفو وأْمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين). فلو أنّ هذا نزل في تدبير الدنيا والآخرة لكفاهما“[5].

وقَالَ ابْن التِّين: “جَوَامِعُ الْكَلمِ الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّهُ يَقع فِيهِ المعَانِي الْكَثِيرَة بالألفاظ القليلة، وَكَذَلِكَ يَقع في الْأَحَادِيث النَّبَوِيّة الْكثيرُ من ذَلِك”.[6]

وقال ابن الأثير في حديث «أوتيت جوامع الكلم»: “يعني القرآن، جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة، واحدها جامعة: أي: كلمة جامعة“[7].

وقال الحافظ ابن حجر: “وجزم غير الزهريّ بأنّ المراد بجوامع الكلم القرآن، بقرينة قوله بعثت. والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ واتِّساع المعاني“[8].

الثالث: وهو القول الأشمل الأعدل، مضمنه أنّ “جوامع الكلم” التي أوتيها النبيّ صلى الله عليه شاملة للقرآن الكريم أولاً وأساساً، وشاملة كذلك للأحاديث النبويّة الكليّة الجامعة.

وإلى هذا ذهب ابن رجب جازماً، حيث قال: “فجوامع الكلم التي خُصّ بها النبيّ صلى الله عليه وسلم نوعان:

أحدهما: ما هو في القرآن، كقوله عزّ وجلّ: {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} (النحل: 90). قال الحسن: لم تترك هذه الآية خيراً إلّا أمرت به، ولا شرّاً إلّا نهت عنه.

والثاني: ما هو في كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو منتشر موجود في السّنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم، وقد جمع العلماء جموعاً من كلماته صلى الله عليه وسلم الجامعة؛ فصنّف الحافظ أبو بكر بن السنّيّ كتاباً سمّاه: ” الإيجاز وجوامع الكلم من السّنن المأثورة “. وجمع القاضي أبو عبد الله القضاعيّ من جوامع الكلم الوجيزة كتاباً سمّاه: ” الشهاب في الحكم والآداب “. وصنّف على منواله قوم آخرون، فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة، وأشار الخطابيّ في أوّل كتابه ” غريب الحديث ” إلى يسير من الأحاديث الجامعة، وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلساً سمّاه ” الأحاديث الكليّة “، جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال: إنّ مدار الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، فاشتمل مجلسه هذا على ستّة وعشرين حديثاً…“[9].

بين الإيجاز والإعجاز: 

وإلى هذا القول الثالث مال الحافظ ابن حجر في تعقبه للإمام البخاريّ. قال في الفتح:“يؤخذ من إيراد البخاريّ هذا الحديثَ عقب الذي قبله أن الرّاجح عنده أن ّالمراد بجوامع الكلم القرآن، وليس ذلك بلازم؛ فإنّ دخول القرآن في قوله بعثت بجوامع الكلم لا شكّ فيه، وإنّما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن، وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قولَه تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلّكم تتّقون) وقوله (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتّقه فأولئك هم الفائزون) إلى غير ذلك“[10].

لعلّ أوّل من ربط بين الإيجاز والإعجاز، ووضع لذلك كتاباً خاصّاً، هو الأديب اللغويّ المؤرخ أبو منصور الثعالبيّ (350هـ /429ه)، في كتابه الممتع (الإعجاز والإيجاز).

وقد جعل أوّل أبوابه العشرة “في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجِز المعجز”، وجعل “الباب الثاني في جوامع الكلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم…”.

وأنقل فيما يلي نموذجاً ممّا قاله في الباب الأوّل، وهو الباب الذي يدخل في موضوعنا: قال رحمه الله: “من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبّه على فضل الإعجاز والاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز، فليتدبّر القرآن، وليتأمّل علوّه على سائر الكلام.

فمن ذلك قوله عزّ ذكره {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثمّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13]. استقاموا: كلمة واحدة، تفصح عن الطاعات كلّها في الائتمار والانزجار. وقوله: فلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، أُدرج فيه ذكر إقبال كلّ محبوب عليهم، وزوالَ كلّ مكروه عنهم، ولا شيء أضرّ بالإنسان من الحزن والخوف، لأنّ الحزن يتولّد من مكروه ماض أو حاضر، والخوف يتولّد من مكروه مستقبل، فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه، بل يتبرّم بحياته، والحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس، كما أنّ السرور والأمن من أقوى أسباب صحّتها؛ فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كلّ محنة وبليّة، والسرور والأمن موضوعان بإزاء كلّ صحّة ونعمة هنيّة“[11]. اهـ.

ومن نوادر التفطّن لما في القرآن من الإيجاز المعجز الباهر، ما وقع للأصمعيّ إمامِ اللّغة والبلاغة (122 — 216 هـ)، مع فتاة بدويّة حين سمعها تنشد وتقول:

أستغفر الله لأمري كلّهِ … قتلت إنساناً بغير حلّهِ

مثل غزال ناعماً في دَلّه … انتصف الليل ولم أصله

فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك. فقالت له: أوَ يُعَدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فجمع في آية واحدة خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين).

فالخبران هما {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} وقوله {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ}، لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه.

والأمران هما: {أَرْضِعِيهِ} و (ألقيه).

والنهيان: {وَلا تَخَافِي} و {وَلا تَحْزَنِي}.

والبشارتان {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .

من الكلّيّات العلميّة إلى الكلّيّات العمليّة

فيّ “كتاب العلم” من صحيح البخاريّ نجد الباب العاشر، الذي قال المؤلّف رضي الله عنه في ترجمته وبدايته: “باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى {فاعلم أنّه لا إله إلا الله} فبدأ بالعلم”.

ومعنى هذا أنّ العلم سابق على أيّ قول، وسابق على أيّ فعل، ومعنى هذا أنّ الإيمان، وهو علم، مقدّم على التشريع المتعلّق بالأقوال والأفعال.

وإذا كانت الكلّيّات سابقة على الجزئيّات، فإنّ الكُلِّيّات العلميّة والعقديّة سابقة على الكلّيّات العمليّة والتشريعيّة، بل هذه مبنيّة على تلك، وهذا ما عناه الإمام البخاريّ، وهو المشار إليه في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا في السَّمَاء تُؤْتِيّ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24 ـ 25].

قال ابن القيّم رحمه الله: “فشَبَّه سبحانه الكلمة الطيّبة بالشجرة الطيّبة، لأنّ الكلمة الطيّبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيّبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيّبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنّها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة… ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كلّ وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبّة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقّها، ومراعاته حقّ رعايتها.…

… فالمؤمن دائمٌ سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة، وتنقية ما حولها، فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتمّ”[12].

وتشبيه الإيمان وما يتفرّع عنه من أحكام وأحوال، وأقوال وأفعال، بالشجرة وما يتفرّع عنها من أغصان وأوراق وثمار متجدّدة، هو ما تمثله واستوحاه، وجسّده وبيّنه، الإمامُ عزّ الدين بن عبد السلام في كتابه الفذّ (شجرة المعارف والأحوال وصالحِ الأقوال والأعمال).

فالكتاب من أوّل كلمة في عنوانه قائم على فكرة الشجرة، الواردة في الآية سالفة الذكر من سورة إبراهيم، والشجرة عند ابن عبد السلام هيّ شجرة معارف عقليّة قلبيّة وأحوالٍ نفسيّة شعوريّة، وعن هذه الشجرة تتولّد وتنبثق الصالحات من كافّة الأقوال والأعمال.

وقد اختار المؤلّف من تلك الشجرة غصناً واحداً، ركّز عليه وأبرز ما أمكن من ثماره وآثاره، وهو غصن “الإحسان”. وما الإحسان إلّا كلمة كلّيّة من كلّيّات القرآن.

وابن عبد السلام منذ بداية الكتاب يقول: “وبعد، فإنّ الله فضّل الإنسان بالنُّطق والبيان، والعقل والعرفان، ثمّ أدّبه بالقرآن، وأمره بكلّ برّ وإحسان…“[13].

ثمّ يضيف: “فانحصر الإحسان في جلب المصالح الخالصة أو الراجحة، وفي دفع المفاسد الخالصة، وانحصرت الإساءة[14] في جلب المفاسد الخالصة أو الراجحة، وفي دفع المصالح الخالصة والراجحة[15]

وقد جعل البابَ الثاني “في التخلّق بصفات الرحمن على حسب الإمكان”، وختمه ولخّصه بالقول: “من أفضل التخلّقات أن تحسن إلى عباد الله بمثل ما أَحسن به إليك، وأن تُنعم عليهم بمثل ما أَنعم به عليك؛ قال تعالى:{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 9، 10]، أي: عامل السائلَ بمثل ما عاملناك، فإنّا وجدناك عائلاً فأغنيناك، {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، أي: حدّثهم بما أنعمنا به عليك من هدايتنا، فإنّا وجدناك ضالاً فهديناك“[16]

وأمّا الباب السابع فهو “في الإحسان العام…”.

وقد بدأه بالقول: “كلّ من أطاع الله فهو محسن إلى نفسه بطاعته، فإن كان في طاعته نفعٌ لغيره فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره، وإحسانه إلى غيره قد يكون عاماً وقد يكون خاصّاً. والإحسان عبارة عن جلب مصالح الدارين أو إحداهما،، ودفع مفاسدهما أو إحداهما…“[17].

وأمّا الباب الثامن فجعله “في ضروب الإحسان المذكور في كتب الفقه”.

يليه الباب التاسع، وهو “في الإحسان بإسقاط الحقوق”،

فالباب العاشر، “في الإحسان ببذل الأموال”،

ثمّ الباب الحادي عشر “في الإحسان بالأخلاق والأعمال”،

والباب الثاني عشر “في الإحسان بالأقوال”،

والباب الثالث عشر “في الإحسان بالدعاء القاصر والمتعدّي”،

ثمّ يأتي الباب السابع عشر بعنوان “في الإحسان المتعلّق بالجهاد”،

وحتّى حين تخلو عناوين بعض الأبواب من كلمة “الإحسان”، فإنّنا نجدها بكثافة في عناوين الفصول، فضلاً عن تفاصيلها.

ومن الواضح أنّ ابن عبد السلام قد جعل من كتابه هذا تشجيراً بيانيّاً للآية الكريمة {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} [النحل: 90].

وهي الآية التي قال عنها الحافظ ابن عبد البرّ: “وقد قالت العلماء: إنّ أجمع آية للبرّ والفضل ومكارم الأخلاق، قولُه عزّ وجلّ: (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان…)… “ [18].

وللفقيه الحنبليّ العلّامة مرعي المقدسيّ (1033هـ) رسالة خاصّة في تفسير هذه الآية وبيان مضامينها، سمّاها: (قلائد العقيان في قوله تعالى: إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان) [19].

ومن المعاصرين قال عنها الشيخ محمد عزّة دروزة “والآية من جوامع الكلم القرآنيّة الرائعة، فيما يجب أن يفعله المؤمن، وفيما يجب أن ينتهي عنه، تجاه مجتمعه أفراداً كانوا أو هيئات، وتجاه أقاربه.صهيب

فالمتبادر أنّ العدل في الآية لم يقصد به العدل في القضاء، أو لم يقصد به ذلك فحسب، بل قصد به العدل المطلق، الذي يتناول معاني الإنصاف وعدم الاجحاف، وعدم تجاوز الحقّ قولاً وفعلاً في كلّ موقف ومناسبة“[20].

يحلّ الطيّبات ويحرّم الخبائث:

وهذه قاعدة كليّة أخرى من الكلّيّات التشريعيّة في القرآن الكريم، يأتي ذكرها في كلمات معدودة، بل حروفها معدودة، ولكن مشمولاتها التشريعيّة لامتناهية.

وقد ذكرت الطيّبات وحدها في عدّة آيات، ولكنّ الطيّبات بمفهومها تدلّ على حكم ضدّها.

قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4].

وقال: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 5].

وقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51].

وأمّا الآية التي نصّت بمنطوقها على الوجهين معاً، فهي قوله عزّ وجلّ -يصف رسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم-: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157].

فهذه الآيات -بمفردها وبمجموعها- تعطينا حكماً كلّيّاً مفاده: أنّ كلّ ما هو طيّب فهو في الأصل حلال، وكلّ ما هو خبيث فهو في الأصل حرام.((فصار هذا أصلا ًكبيراً وقانوناً مرجوعاً إليه في معرفة ما يحلّ ويحرم من الأطعمة))؛ كما قال الفخر الرازيّ في تفسيره للآية.

وأمّا معنى ( الطيّبات ) ومعنى ( الخبائث )، فللعلماء والمفسرين في تحديده وجهتان مختلفتان:

-الوجهة الأولى تربط معناهما بدلالة الحكم الشرعيّ، فما أباحه الله فهو طيّب، وما حرّمه فهو خبيث. 

ومعنى هذا أنّ الطيّبات هي ما نصّ الشرع على إباحته، وأنّ الخبائث هي ما نص الشرع على تحريمه، قال الإمام الطبريّ: “الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربّكم في أكله من الذبائح”[21].

وقال عن الخبائث: ((وذلك لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلّونه من المطاعم والمشارب التي حرّمها الله))[22].

-الوجهة الثانية لفريق آخر من العلماء لم يرتض هذا التفسير، لأنّه لا يفيد شيئاً جديداً في حكم الآيات الناصّة على تحليل الطيّبات وتحريم الخبائث، فالأشياء المنصوص على إباحتها وكذلك المنصوص على تحريمها، قد عرفت بأعيانها وأسمائها، ولذلك ذهب هؤلاء إلى أنّ الطيّبات والخبائث هي على عمومها ومعناها اللغويّ، فتشمل تحليل كلّ طيّب بصفته طيّباً، وتحريم كلّ خبيث بصفته خبيثاً، سواء كان منصوصاً عليه، أو لم يكن؛ قال الفخر الرازيّ: “واعلم أنّ الطيِّب في اللّغة هو المستلَذّ، والحلال المأذون فيه يسمّى طيّباً، تشبيهاً له بما هو مُسْتَلذّ، لأنّهما اجتمعا في انتفاء المضرّة. فلا يمكن أن يكون المراد بالطيّبات هنا المحلَّلات، ومعلوم أنّ هذا ركيك، فوجب حمل الطيّبات على المستلذّ المشتهَى. فصار التقدير: أُحلّ لكم كلّ ما يستلذّ ويشتهى”[23].

وقال ابن عاشور: ((والمراد بالطيبات في قوله {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} معناها اللغويّ، ليصحّ إسناد فعل ( أحلّ ) إليها…))[24].

فظهر أنّ الطيّبات المباحة هي أوسع مما جاءت النصوص بتعيينه وتسميته والتصريح بإباحته، وأنّ الخبائث المحرّمة هي أوسع مما جاء التنصيص على تحريمه باسمه، فما أحلّه الله تعالى بعينه فهو من الطيّبات لا شكّ، ولكنّه ليس هو كلّ الطيّبات المباحة، وما حرّمه الله بعينه، فهو من الخبائث لا شكّ، ولكنّه ليس هو كلّ الخبائث المحرّمة.

فهناك طيّبات لا حصر لها غير منصوص على إباحتها بعينها وباسمها، فهذه تباح وتحلّ بمقتضى النصّ العام على إباحة الطيّبات، وهناك خبائث لا حصر لها لم ينصّ على تحريمها بعينها وباسمها، فهذه محرّمة بالنصّ العام على تحريم الخبائث.

فالحاصل أنّ المباحات والمحرّمات في الشرع صنفان:

صنف وقع تحليله وتحريمه بأعيانه وأسمائه، كما في قوله تعالى {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1]، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]، وقوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3].

وصنف وقع تحليله أو تحريمه بصفاته، كما في موضوعنا {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}.

فالتحليل والتحريم قد يكونان بالنصّ الخاصّ، وقد يكونان بالوصف العامّ.

وفي قوله تعالى {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: 5] ذُكر الصنفان معاً، ففيه تحليل عام غير معيّن، وهو تحليل الطيّبات، وفيه تحليل شيء بعينه وهو طعام أهل الكتاب. ففي الآية تحليل كلّيّ بالوصف، وتحليل جزئيّ بالاسم.

والذي يعنينا الآن -ونحن في موضوع الكلّيّات- هو الحكم الكلّيّ بتحليل الطيّبات وتحريم الخبائث، وهذه القاعدة تعتبر موضّحة ومقيّدة للقاعدة الكليّة السابقة ( الأصل الإباحة والتسخير )؛ فالإباحة والتسخير قائمان ساريان فيما هو طَيّب، وفيما هو باقٍ على طِيبه، وأمّا الأشياء التي تحوّلت أو حُوِّلت إلى خبائث، فهي داخلة في دائرة التحريم.

ومعلوم أنّ كلّ ما خلقه الله تعالى وسخّره لعباده طيّب نافع، عدا استثناءات طارئة، لا تخرج عن حدّ الندرة والضآلة.

وأكثر هذه الاستثناءات ليست خبيثة بأصلها، وإنّما تصير خبيثة، بفعل الإنسان وبسوء استعماله، كما هو الحال في الخمر، وفي السموم، وفي المكاسب المحرّمة لما فيها من ظلم وغصب وفساد، وهذا يقودنا إلى مسألة أساسيّة في موضوعنا، وهي المعايير التي تعرف بها الطيّبات والخبائث التي ليست منصوصاً على تعيينها وتسميتها.

لقد تقدّم في قول بعض المفسّرين أنّ المعنى المراد بالطيّبات والخبائث هو المعنى اللغويّ المتعارف عليه، وهذا مهمّ ومفيد، ولكنّه لا يغني عن تحديد معايير موضوعيّة لمعرفة ما هو طيّب وما هو خبيث، بخاصّة مع تعدّد الاستعمالات وتطوّر المفاهيم اللغويّة والعرفيّة.

يقول العلّامة ابن عاشور: ((وأصل معنى الطيِّب: معنى الطهارة والزكاة والوقعِ الحسن في النفس، عاجلاً وآجلاً، فالشيء المستلذّ إذا كان وخِماً ( أيّ وخيم العاقبة ) لا يسمّى طيّباً، لأنّه يُعقب ألماً وضرراً)) [25].

فالطيّب بالإضافة إلى كونه مستلذّاً ومحبّباً إلى النفوس يجب “أن يكون غير ضارٍّ ولا مستقذر ولا منافٍ للدين، وأن يكون مقبولاً عند جمهور المعتدلين من البشر.…)) [26].

وبالمقابل يحدّد أوصاف الخبائث المحرّمة، بما يضرّ تناولُه العقل أو البدن، وما هو نجس بالشرع، وما هو مستقذر بالطبع))([27]).

ويضيف ابن تيميّة صنفاً آخر من الخبائث، حيث يقسّم الخبائث إلى نوعين: ((ما خبث لعينه)) [28]، لمعنى قام به، كالدم والميتة ولحم الخنزير، وما خبث كسبه، كالمأخوذ ظلماً، أو بعقد حرام كالربا والميسر)) [29].

ومعنى هذا أنّ خبث الأشياء،ـ وكذلك طيبها، قد يكون ذاتيّاً حسّيّاً، وهذا يعرف بالطبع والتجربة، وقد يكون معنويّاً حُكميّاً، وهذا يعرف بالشرع ودلائله، وكلّ ذلك ينبني عليه التحريم أو التحليل.

____________________

[1] ورقة مقدّمة للمؤتمر الدوليّ السادس للإعجاز العلميّ في القرآن والسُّنّة، في موضوع: التشريع الإسلاميّ الملاذ الآمن للبشريّة، المنعقد بمدينة تطوان المغربيّة، بتاريخ:29 – 30 أبريل 2016

[2]-انظر: جامع البيان للطبريّ (8/432) ، والمحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطيّة (4/431)

[3]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، لبدر الدين العينيّ (14/235).

[4]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، للعينيّ (14/235).

[5]-شرح صحيح البخاريّ لابن بطّال (5/143).

[6]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، للعينيّ (14/235).

[7]-النهاية في غريب الحديث والأثر (1/295).

[8]-فتح الباري لابن حجر (13/247).

[9]-جامع العلوم والحكم (1/55).

[10]-فتح الباري12/248.

[11]-الإعجاز والإيجاز، ص 10÷11− الطبعة الأولى بمصر 1862م.

[12]-الأمثال في القرآن 35 ـ 39.

[13]-شجرة المعارف والأحوال، 11.

[14]-التي هي ضدُّ الإحسان. وعلى هذا الأساس، ولكون تَوَقّي الإساءة هو نوع من الإحسان، اعتنى الإمام بشتّى أنواع الإساءات الظاهرة والباطنة، وخصّص لها البابين السادس عشر والرابع عشر. فحديثه عن الإساءة هو حديث عن وجه من وجوه الإحسان.

[15]-شجرة المعارف والأحوال، 12 – 13.

[16]-شجرة المعارف والأحوال، 42.

[17]-نفسه، ص112.

[18]-التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد، (24\ 463-334)- نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة المغربيّة- 1387ه.

[19]-حقّقها عبد الحكيم الأنيس، ونشرتها دار البحوث والدراسات الإسلاميّة-الطبعة الأولى: 1426هـ/2005م.

[20]-التفسير الحديث (5/168).

[21]-عند تفسيره الآية 4 من سورة المائدة.

[22]-عند تفسيره الآية 157 من سورة الأعراف.

[23]-عند تفسره الآية 4 من سورة المائدة.

[24]-عند تفسره الآية 5 من سورة المائدة.

[25]-التحرير والتنوير , تفسير الآية 5 من سورة المائدة.

[26]-المرجع نفسه.

[27]-نفسه.

[28]-وتدخل فيه الأنواع الثلاثة التي ذكرها ابن عاشور.

[29]-مجموع الفتاوى 4⁄304.




كونية الإسلام .. وحدة الديني والفلسفي الجوهرية

سألني أحد الأصدقاء عن ظاهرتين لا يمكن ألا يكون أي قارىء قد لاحظهما:

  1. ما العلة في جرأة النخب العربية التي تدعي الحداثة على الإسلام من دون الأديان الأخرى؟
  2. ولماذا لا تجد عندهم تقديراً واعترافاً بأهمية التراث الروحي الإنساني بكل أنواعه ما عدى التراث الروحي الإسلامي؟ 

فلأحاول الجواب. والجواب عسير وعسير جداً إذا احترمنا شرط عدم رد الظاهرة إلى أحوال نفس أصحابها ولم نعتبرها ناتجة عن العقدة التي يتكلم عليها ابن خلدون -رغم أنه أسسها على ظاهرة أنثروبولوجية عميقة هي علاقة المغلوب بالغالب-فسعينا إلى فهمها بما هو أعمق من نظريته فوصلناها بما وصفته من تحريف علوم الملة الغائية والآلية وما ترتب عليها في التربية وفي الحكم. فالتراث الروحي الذي يحدد مواقف الأمم ونخبها يكون دائماً ذا نوعين من العلاقة بمدركه: 

  1. فالموقف من تراث تدركه دون أن تكون عائشاً فيه وبه شيء.
  2. والموقف من تراث تدركه وأنت تعيش فيه وبه شيء آخر. 

وإذا انطلقنا من هذه المقابلة التي أعمق بها نظرية ابن خلدون في مسعاي للانتقال من الخلدونية إلى الخلدونية المحدثة بوصية منه ختم بها مقدمته أمكن أن يكون حكمنا أكثر موضوعية فيقتصر ذنب النخب الحداثية على الخلط بين الموقفين. وسيلاحظ القارئ أني لأول مرة شديد التسامح مع الحداثيين حتى أكاد أبحث لهم عن أعذار لمواقفهم.

فمن يعيش في ما تردى إليه تراث الأمة الروحي وبه يعسر أن يقف منه موقفاً يمكن اعتباره موقفاً من الإسلام وتراثه الذاتي له من دون أن يعلل ذلك بالخلط بين الأمرين اللذين يبدوان معللين للموقفين. ولعل أبرز مثال عن موقف التراث المشوه هو الموقف من المرأة والفن والذي ينسب إلى الإسلام باطلاً. 

ومعنى ذلك أن تحريف علوم الملة لرؤى الإسلام في كل شيء ذي قيمة حقيقية يمكن أن يمثل عذراً للنخبة الحداثية خاصة وأغلبها عامة تتصور نفسها خاصة لأنها ترطن ببعض المفردات الأجنبية هو دون العامة البسيطة وعياً لأن فكرهم لم يرتق إلى التمييز بين ما نتج عن التحريف في التربية وفي الحكم باسم الإسلام وبين ما هي عليه في الأصل عند من يتدبر القرآن والسنة (التي هي ليست شيئاً آخر غير شرح الرسول للقرآن: وكل ما لا يرد إليه ليس منه). 

فلو خلطنا بين الحداثة وما تردت إليه بسبب تحريفها الاستعماري هل يمكن أن يقدر الحداثة حق قدرها؟ من يمكن أن يصدق أن ترومب ديكارتي؟ وأن الاستعمار الأمريكي يؤمن حقاً بحقوق الإنسان؟ وأن فلسفة الأنوار التي كانت ذات نزعة كونية إذا رأى ما ترتب عليها عند النخب العربية التي تدعي التنوير خلطاً بينه وبين ما ورثوه عن الاستعمار من موقف إزاء شعوبهم بوصفهم “انديجان” متخلفين في ظنهم؟

 فحتى المستعمر لم يصل عتاته إلى احتقار النخب العربية لشعوبهم وقد رأيت ذلك خاصة في المشرق وبصورة أخص في مصر، لكن المغرب لا يخلو مما يناظرهما وخاصة عند العلمانيين والعنصريين منهم على وجه الخصوص كالموقف العجيب بين العربي والأمازيغي في هذه الحالة: كلاهما يسقط احتقاره لذاته على خصمه.

وإذن فمواقف النخب الحداثية من الإسلام وروحانياته علتها أعمق من علاقة المغلوب بالغالب الخلدونية، فلنحاول الفهم. 

محاولة الفهم هي التي أوصلتني إلى أصل الداء، ولم أكتف باتهام النخب الحداثية بالعقدة الخلدونية -علاقة المغلوب بالغالب- فكلنا مغلوبون حالياً، ولو صح ذلك لصح أننا جميعاً ينبغي أن نرى رأي كارهي الإسلام وحضارته من النخب الحداثية العربية بكل أنواعها وليس غير المسلمين منها، وإذن فالتعليل أعمق من العقدة التي أشار إليها ابن خلدون.

ولأقلها بجرأة تكاد تصل بي إلى أقصى مما نجده عند أعداء الإسلام: لو كان الإسلام حقيقته مطابقة للصورة التي يقدمها منه مسلمو الانحطاط عامة والعرب منهم خاصة لكنت أول الكافرين به، فلا شيء في سلوكهم وأخلاقهم إذا تجاوزت الأقوال إلى الأفعال يمكن أن يكون بحق ذا صلة بالاسلام غير دعواهم أنهم مسلمون، وإذن فالداء واضح وصريح. 

وحتى لا يقع الخلط بين الإسلام وروحانيته وتكديس العبادات الوثنية -وأسمي عبادات وثنية ما ثار عليه ابن تيمية وما يرد خاصة إلى دجل التصوف الذي يدعي أصحابه التفلسف وإلى خبث التوظيف الشيعي للروحانية البدائية التي تستعمل للسيطرة على العامة- فإن من يسمون أنفسهم المسلمين صاورا من عبيد الأوثان بإطلاق، أذكر مرة أنني في حجتي الثانية تصادمت مع أحمق بيده عصا يريد أن يدفعني بإرادته هو إلى المسجد لأنه تصور نفسه وصياً علي ولا يدري إن كنت لحظتها مستعداً لذلك مادياً وروحياً لأنه حمار يتصور العبادة فعلاً آلياً.

ويتضح الأمر لأي إنسان مهما كان عديم الفهم أن أفسد صورة وأقوى تشويه لروحانية الإسلام يرد إلى مآل التربية ومآل الحكم اللذان ينسبان إليه واللذان هما أصل ما يسميه ابن خلدون بالعنف الذي يفسد معاني الإنسانية في الإنسان عامة وفي المسلمين خاصة حتى صاروا بما وصفت من الأخلاق قولاً وفعلاً.

ولما كنت لا أريد أن أحمل نظام التربية ونظام الحكم المسؤولية المباشرة بل اعتبار ما حل بهما هو بدوره نتيجة لأمر أعمق فقد بحثت في مسألتين تنقسم إليهما قضية أولي الأمر منكم بنوعيهم، فالتفسير المعهود هو أن أولي الأمر منكم هم:

  1. علماؤكم.
  2. وأمراؤكم. 

وكلمة “منكم” تعني “الذين اخترتموهم بحرية من بينكم  لتوفر صفة العالم والأمير فيهما والمنتخب الحر فيكم”، وإذن فأنتم من اختار الثاني للإمارة وهو إذن مأمور وليس آمراً إلا بتنفيذ ما أمر به منكم ومن الشريعة، وإذن فالجماعة هي التي تعين من هو الأمير، وهي كذلك التي تعين من هو العالم، فيكون الانخرام الذي حصل متعلقاً إما بمعايير العالمية ومعايير الآمرية في الجماعة أو بطبيعة من الذي يختارهما ومدى حريته إذا سلمنا بأن المعايير سليمة، لكني أعتقد أن المعايير لم تبق سليمة وأن مدى حرية الاختيار زالت نهائياً في الحالتين، وحتى لا يبقى كلامي مجرداً فيراه القارئ العادي عياناً: 

  1. فـما يجري في إيران.
  2. وما يجري في السعودية.

رغم ما يبدو من تعارض تام بين النموذجين هو في الحقيقة من نفس الطبيعة، وهي أن الدين لا يفرق بين تشيع الملالي وتوهب الشيوخ، لا يختلف “وضعه” إلا بالأسماء، لكن علاقة الروحي بالمادي في الحالتين لا تمت بصلة للدين من حيث هو علاقة برب العالمين: الدين يقتصر دوره على”تزييت” المكينة السياسية و «تشحيمها» لجعله أداةً بيد المستبدين بالدنيا والمتنكرين باسم الدين، لكن الاسم والتبرير الإيديولوجي مختلف: 

  1. فـفي التشيع الأساس هو الحكم بالحق الإلهي أي خرافة آل البيت.
  2. وفي الوهابية الأساس هو الحكم بالحق الطبيعي لصاحب الشوكة.

والقسمة هي في الحالتين عين القسمة المنسوبة إلى المسيح كذباً عليه والقائلة أعطوا لقيصر ما لقيصر وما لله لله، أي الدنيا لقيصر والآخرة لله فيكون الله في خدمة قيصر وهو حكم بالحق الإلهي في التشيع وبالحق الطبيعي في الوهابية، ومن ثم فالحصيلة واحدة: وهي أن الإنسان عامة -المؤمن في هذه الحالة- لم يعد من حيث هو إنسان خليفة ذا علاقة مباشرة بربه بل لا بد له من وسيط (في التربية وهو الكنيسة سواء كانت من الملالي أو من الشيوخ) وذا علاقة مباشرة بأمره بل لا بد له من وصي (الحق الإلهي للإمام أو الحق الطبيعي للمتغلب).

ولست أدعي شيئاً من عندي بخصوص التشيع، فهذا صريح في عقيدتهم، كما أني لا أدعي شيئاً من عندي بخصوص الوهابية، فالعقد بين عبد الوهاب والأمير المؤسس للنظام كان قسمة بين الديني والسياسي كلاهما يقر للثاني بمطلق سلطانه دون تدخله فيه (ومعلوم أن ذلك كلام لأن السياسي هو الحاسم في الغاية).

والنتيجة في الحالتين الشيعية والسنية هي أن أهم آيتين من القرآن تتعلقان بالتربية والحكم تم حذفهما بما حصل ففسدت كل معاني الإنسانية في الحضارة الإسلامية بلغة ابن خلدون ومعها كل ثورة الإسلام بلغة القرآن:

  1. لم يعد للغاشية 22-23 معنى.
  2. ولم يعد للشورى 38 معنى.

فتنبيه الله للرسول بـ”إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر” وقوله تعالى “..وأمرهم شورى بينهم…” كلاهما وقع التخلي عنهما نهائياً فصار للعلماء وساطة نفاها الله حتى عن الرسول وصار للحكام وصاية نفاها الله حتى عن الرسول وأصبح من يدعون وراثة الرسول وارثين لما لم يدع أنه يملكه ومن يزعمون الحكم بالشريعة أكثر الناس عدواناً عليها وتوظيفاً لها لتبرير فسادهم.

واعتقد أن القارئ يفهم الآن أني لكأني أبحث عما يمكن أن يكون عذراً لأدعياء الحداثة وأفهم موقفهم من التراث الإسلامي وجرأتهم على الإسلام، لكنـي أعتبر أن عذرهم أقبح من الذنب، فلو طبقوا هذا الموقف من الإسلام على الحداثة نفسها لكان عليهم أن يقفوا منها نفس موقفهم من الإسلام لا أن يعللوا بها موقفهم منه، فالتحريف واحد في الحالتين، خطؤهم أنهم يقارنون “واقع” الحضارة الإسلامية بـ”مثال” الحداثة أو أفعال المسلمين بأقوال الحداثيين. 

لكن لو قارنوا الأفعال في الحالتين عند كلا الفريقين لوجدوا أن الفرق بين ما في المثال وما في “الواقع” لا يختلف كثيراً، فلا الحداثيون في الغرب مخلصون لقيم الحداثة ولا المسلمون في الشرق مخلصون لقيم الإسلام، لذلك فلا غرابة أن تجد أدعياء الحداثة من الحكام والنخب العربية من غير الغافلين عن ذلك يجدون ذلك مناسباً لما يطلبونه من تزيين أفعالهم بما يمكنهم من التقرب من حماتهم، فلا يكون موقفهم من الإسلام وقيمه بسبب إيمانهم بالحداثة وقيمها بل لأن تغافلهم عن تحريفاتهم هذه يغفلهم حقيقة الإسلام: فعداوتهم لقيم الحداثة لا تقل عن عداوتهم للإسلام، من يظن أن بشار أو السيسي أو صاحب المنشار أو حفتر إلخ…يؤمن بقيم الحداثة ولا خاصة النخب التي تصفق لهم فهو إما غافل أو متغافل، وهم لا يجهلون ذلك فحسب بل يجدون فيه طريقة لإطلاق تحريف الإسلام بأن يصبحوا هم من يقوي محرفيه ويشجعونهم ويمولونهم وهما نوعان: 

  1. النوع الذي “يصنعونه” ويسمونه بالإرهاب تشويها لقيمة الجهاد.
  2. والنوع الذي “يصنعونه” ويسمونه التصوف تشويهاً لقيمة الاجتهاد.

 فيصبح المسلم متردداً بين فورة الغضب وسِنة التعب كما يصور الهنود الحمر في سينما رعاة البقر الأمريكية، لذلك فجوابي عن سؤال الصديق هو: العجيب ليس هذا الموقف من التراث الإسلامي والجرأة على الإسلام بل هو: هل المسلمون عامة والعرب خاصة هم بحق أحفاد مؤسسي اللبنة الأولى من رؤية الإسلام وتراثه للإنسان عامة وللحضارة خاصة بمنطق النساء 1 والحجرات 13 أم هم نكصوا إلى ما دون الجاهلية؟

فلا أستطيع أن أتخيل عربياً اليوم يمكن أن يعتبر نفسه عربياً وأن يقبل أن يصبح “درويشاً” يقوده نكرة -السيستاني لم نعلم له علماً لا مكتوباً ولا شفوياً- في العراق لا علاقة له بالإسلام لا من حيث مضمونه العلمي والخلقي ولا من حيث لسانه ولا من حيث أهدافه مفتياً لبريمر ولاستعمار العراق الفارسي ليستباح اقتصادياً وثقافياً وسياسياً من آل ساسان بتنكر تحت كذبة آل البيت الوسطاء والأوصياء على الأمة.

وما أقوله عن العراق يصح على كل بلاد العرب التي ابتلعها التحريف المطلق للإسلام إلى حد قلب كل قيمه بمنطق الباطنية أو التأويل التحكمي الذي كان الغزالي أفضل من وصفه في كتاب فضائح الباطنية، وإذن فليس تراث الإسلام والإسلام هو المشكل بل السعي لتشويهه بالبديل الذي يستمد مما تقدم عليه أو مما تلاه. 

وللحقيقة فإن التشويه بدأ بالعرب أنفسهم وأعني أدعياء القومية العربية، وهذه مناسبة للتنديد بمن يدعي أن اللغة العربية ذات صلة بالقومية العربية، فالذين ينتسبون إلى العروبة كجنس لا يمثلون 5 في المائة ممن يمثلون ثقافة اللغة العربية ليس في العالم بل في المنطقة التي تنتسب إلى الجامعة العربية، لذلك فإني أعارض كل الذين يريدون أن يعتبروا اللسان العربي من حيث هو لغة الحضارة ذا علاقة بقومية عربية، فقبل القرآن العربية كانت لهجات ولم تكن لغة أصلاً، والشعر العربي المتقدم على الإسلام لم يصبح عربياً إلا بفضل هذا الترفيع من اللهجة التي كتب بها وصارت لغة بفضل القرآن أولاً وبفضل عبد الملك بن مروان ثانياً لأنه هو الذي جعل العربية لغة الدولة إدارة تربوية ومن ثم صارت العربية لغة العلم العالمية الثانية بين اليونانية واللاتينية. 

وهذه اللغة ليست عربية بالمعنى العرقي بل هي ثمرة تعاون الشعوب التي بنت الحضارة الإسلامية وهم خاصة قبل انتشار الإسلام في ما وراء ملتقى القارات القديمة الثلاثة أي آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهم خمسة شعوب دخلت التاريخ العالمي بفضل الإسلام، وقد استثنيت من يدعي أن تاريخه قبله أسمى منه: إنهم العرب والأمازيع والأكراد والأتراك وسودان إفريقيا.

إن تبني النخب خرافة الدولة القومية واللغة القومية المأخوذة بغباء عن أوروبا الحديثة -بنيت على تصفية دينية وعرقية في ممالك أوروبا بعد فشل التوحيد المسيحي- تردد موقفها بين العودة إلى ما قبل الإسلام (البابلية أوالفرعونية مثلاً) أو ما بعده (الفرنكوفونية أو الأنجلوفونية مثلاً).

والآن أجيب على السؤال مباشرة: الموقف من الإسلام وتراثه الروحي هو عين الموقف الأوروبي من التراث المتقدم على الإسلام في الإقليم ومن تراثهم قديمه وحديثه، فهم يعتبرون ما تقدم على الإسلام في الإقليم هو تراثهم -فالشرق الأدنى وكامل الضفة الغربية من المتوسط كانت رومانية ثم بيزنطية.

ولما كان الحداثيون العرب ولا يزال جلهم أمياً لأنهم إما عسكريون أو خريجوا الفرنجة الاستعمارية الأولى التي يغلب عليها الانبهار بالثقافة الغربية من دون عميق فهم فإنهم تصوروا أن ما يقولونه عن أنفسهم -كما بينت في كلامي على سطحية المقابلة بين الغرب والشرق- حقيقة وليس صورة ذاتية بغير أساس موضوعي.

فلا فرق عندي بين أتاترك وبورقيبة وطه حسين وكل المنبهرين بالغرب الناسين أن الغرب ليس فيه ما هو غربي ليس مستمداً من الشرق والشرق ليس فيه ما هو شرقي ليس مستمداً من الغرب وبصورة أوجز كل ما هو تاريخي في أي حضارة ليس هو حضاري إلا من حيث هو إنساني سواء أنجز في الشرق أو في الغرب.  

فلا الغرب له دين لم يستمده من الشرق لأنه تجاوز أديانه الطبيعية، فالأديان بهذا المعنى هي بداية الحضارات في الشرق، ولا الشرق له فلسفة لم تستمد من الغرب (تسليماً بأن اليونان من الغرب) لأن الشرق تجاوز فلسفاته الأمبيريكية، فالفلسفات هي مرحلة ثانية من الحضارات في الغرب مثلما أن الأديان المنزلة تعد مرحلة ثانية من الحضارات في الشرق، والواحد فيهما هو الإنساني المشترك بين الحضارات الحالية، وهو جوهر كونية الإسلام.




النقد الخالد

يعتبر النقد من أهمّ الأدوات التي تتقدّم بها الأمم، وترتقي بها الحضارات، فهو أداة تقويم وتوجيه وتصحيح مسار، وكلّما ارتفع وعينا بأهميّته، واتّسعت صدورنا له، كلّما كان ذلك مؤذناً بحلول نهضتنا واستعادة حضارتنا، والنقد هنا نعني به التحليل الموضوعيّ للسلبيّات والإيجابيّات والبحث في الجذور والأسس المنتجة للمشاكل، وربّما اكتشاف الحلول والمسارات البديلة … بحيث توضع أمام ناظري أصحاب المشاريع والمؤسّسات والمبادرات ليستفيدوا منها ويتطوّروا في ضوئها.. وربّما كان هذا الكلام مفهوماً ومقبولاً.. لكن.. ترى هل يمكن أن يكون هناك نقد لا يشتمل على ذكر السلبيّات والإيجابيات معاً؟ أي يركّز فقط على السلبيّات؟ وهل من المقبول أن يكون هذا النقد علناً أمام الملأ؟.

لقد رأيت في قرآننا نوعاً نقديّاً يتفاعل مع الأحداث، ولا يستحي من إبراز هذا النقد على الملأ، وفي هذا السياق لن أتحدّث عن نقد القرآن للصحابة، بل سأتناول ما هو أهمّ، نقد القرآن لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ذلك النقد الذي اتّسم بسمتين أساسيّتين:

أمّا السمة الأولى فهي حديث ينقد بعض الممارسات اتجاه وقائع بعينها، دون أن يثني بالضرورة في نفس الآيات على مكرمات الرسول صلّى الله عليه وسلّم في السياق ذاته.

والسمة الثانية أنّه نقد علنيّ، يمكن أن نسميه: النقد الخالد. لأنّه خُلّد إلى يوم القيامة رغم انتهاء الحدث.

فإذا تتبعنا بعض الآيات القرآنية التي وجّه فيها الله سبحانه وتعالى نبيّه توجيهاً نقديّاً لوجدنا أنّ موقفنا من النقد يتطلّب إعادة نظر، فها هو الله تعالى يخاطب نبيّه قائلاً في قرآن يتلى على مسامع الدنيا مسلمها وكافرها:

“يأيّها النبيّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك. تبتغي مرضاة أزواجك، والله غفور رحيم” {التحريم: 1}، إنّها في عرف اليوم “قضيّة رأي عامّ”، ربّما يجد الكفّار منها ثغرة للنيل من المصطفى، لكنّ القرآن الكريم يؤسّس لمشروع النقد الذي كان يجب أن يستمرّ، فلا يستثني كبيراً أو صغيراً.

وإذا عشنا مع مشاعر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ووضعنا أنفسنا مكانه، لنتخيّل شعورنا تجاه هذه الآيات لوجدنا عجباً، فهذا ليس تأنيباً في جريدة لا تلبث أن يخبو صيتها، بل هي آيات نقديّة، تتلى إلى قيام الساعة رغم انتهاء المواقف، لقد كان بالإمكان أن يوحي الله تعالى إلى نبيّه صلّى الله عليه وسلّم هذا النقد بغير طريق القرآن، أن يُسرّ إليه به بدلاً من أن يتلى إلى قيام الساعة، وكان من الممكن بعد عتاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يذكر الله تعالى مكرماته، حتّى لا يستغلّ الكفّار النقد للنفاذ إلى شخصه الكريم والنيل منه، لكنّها جرعة نقدية مركزة، يذوب تأثيرها إن اقترنت بمديح.

وإذا رأينا نموذجاً آخر من النقد الخالد وهو قول الله تعالى: “وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحقّ أن تخشاه”{الأحزاب: 37} أيّ نقد هذا؟ وأيّة عظمة تلك في ذلك الدين العليّ، الذي يؤسّس فلسفة النقد.

ربّما لو كنّا مكان الرسول لقلنا: ما جدوى استمرار الآيات! رغم انتهاء الأحداث، ما جدوى أن يردّد المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها “عبس وتولّى”، بل ولأن تسمّى السورة “عبس”، ترى كيف ستكون نفسيّتنا؟!.. كنّا سنقول لقد انتهى الحدث، ولا داعي لاستمرار التذكير به، على هذا النحو، والنصيحة لا يجب أن تكون على الملأ.

إنّنا يجب أن نميّز بين نقد الأشخاص بعيداً عن شخصيّتهم الاعتبارية، وهذا يفضّل أن يكون في الإسرار، وبين نقد الشخصيّات باعتبارها قيادات، وهذا يسعه أن يكون في العلن، فالنقد موجّه للشخص باعتباره قائداً، ويمكن القول إنّ نقد الأفعال والأقوال مطلوب، بينما نقد الأعيان يجب التحرّز منه. فشتّان بين نقد القول والفعل العلنيّ، بخاصّة فيما هو من قضايا رأي عام، وبين الفضاء الشخصيّ الذي يحسن ان يكون شخصيّاً وخاصّاً …إنّ هذا النقد العلنيّ الخالد للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام شاهد على عظمة هذا الدين، الذي يرسّخ مفهوم النقد ولو كان موجهاً لخير أهل الأرض، وممّن؟ من ربّ السموات العلا، ويوم يُحْيي المسلمون بذور النقد العلميّ، ونظريّة النقد المنهجيّ يكونون قد أحيَوْا تلك الإشارات القرآنية من ربّ العزّة الموجهة للمبدأ الذي هو أهمّ مقوّمات الحضارة الانسانيّة.

إنّنا حين ننظر للنقد في القرآن نجده شاملاً للبشر… للمسلم والكافر وللصالح والطالح…ونجده شاملاً للزمان، ينقد ما مضى من الأحداث ويعقّب عليها، وينقد ما هو قائم، ويحذر ممّا سيكون … إنّ مطلب القرآن النقديّ ومنهجه واضح، فهل استفاد منه المسلمون وحوّلوه إجرائيّاً؟ أم التفّوا عليه وحوّروه هرباً من استحقاقاته؟

انتهى.




التفريق بين الحكمة والميزان عند الشيخ: محمّد الغزاليّ.

أشرت إلى أمرين في بعض كتبي:

 الأمر الأوّل: ما يسمىّ بالحكمة.

والأمر الثاني ما نسمّيه بالميزان.

مستهدياً بقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) الشورى.

 لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) الحديد.

 ما هو الميزان؟ 

الحكمة وردت في القرآن في نحو من عشرين موضعاً تقريباً، مفردة أو مع الكتاب: `الكتاب والحكمة`.. من قال: إنّ الحكمة هي السنّة النبويّة، فهو مخطئ.. لأنّك تقرأ قوله تعالى: 

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (48) آل عمران 

كيف تكون الحكمة هنا هي السنّة النبويّة؟ والكلام هنا يقصد به عيسى بن مريم

عليه السلام.

وفي قوله عن لقمان عليه السلام “وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) لقمان. 

وقال تعالى: ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا (39) الإسراء. 

وقال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) النساء. 

ففي نحو عشرة مواضع في القرآن، لا يمكن أن تكو ن الحكمة هي السنّة النبويّة. بل هي ما يستفاد من التعاليم القرآنيّة، أي وضع الأمر في موضعه. 

وهنا أقول: إنّ الميزان هو الناحية العمليّة، والحكمة هي الناحية النظريّة في ذلك.

مجموعة الآيات التي وردت فيها الحكمة والميزان، تعطينا منهجاً أنّ الأمّة لابدّ أن يكون لها من الرؤية القرآنيّة التي تستنبطها أو تستدركها من مجموع الآيات سياسة قرآنيّة: 

كيف تُحكم الشعب؟، وكيف تنزلها على واقع الناس؟ أي كيف ينزل الفكر القرآنيّ على واقع عملي؟ قد يرى الإنسان أن كلمة `ميزان ` تعنى فيما تعنى تنزيل الأمر على واقع الناس… فالكتاب هو القيم والمبادئ الموحى بها، والميزان هو التجسيد العمليّ، أو الواقع التنفيذيّ البرامجيّ لهذه القيم والمبادئ. نعم. لأنّ الميزان لا يمكن أن يكون معنى حسّيّاً فقط.

والتوازن الاجتماعيّ فيه المعنى نفسه…. فلابدّ من الميزان. والميزان هنا يشترك فيه الأخلاقيّون والقانونيّون، وتشترك فيه شؤون ماديّة ومعنويّة. 

الذي ألفت النظر إليه: أنّ الربط الذي يراه أحدنا في تفسير آية، أو استنباط حكم، هو اجتهاد. 

لا يوجد إمام من الأئمّة الكبا ر في فقهنا ألزم الناس باجتهاده. 

بل كلام أبي حنيفة واضح: كلامنا هذا رأي، من كان عند ه خير منه فليأت به.. و(مالك) كان يرفض أن يعتبر رأيه ديناً، بل معروف من حكمة الرجل أنّه رفض -وهو صاحب الموطّأ- أن يفرضه على الناس، لأنّه قد تبدو للناس علوم أو معارف أخرى، وهذا من صميم ديننا الإسلاميّ، والذي يلزم الناس بأنّ ما عنده هو الدِّين فهو إمّا جاهل أو قاصر أو مريض مصاب بجنون العظمة، أو به شيء يحاسب عليه، أو يجب إصلاحه. فجعل الاجتهادات ديناً، لا… إنّما المهمّ أنّه لابدّ من إعمال النظر في تنزيل القرآن، على واقع عمليّ، وإذا لم يكن هذا هو الاجتهاد، فما هو الاجتهاد الذي نريده؟ وأنا في رأيي الآن أنّ أفضل شيء للأمّة أن يكون الاجتهاد جماعيّاً. 

ولا أزال أدعو إلى إغلاق باب الاجتهاد في العبادات؛ يكفينا في أمور العبادات ما ورثناه من أقوال في الصلاة والحجّ والصيام وما إلى ذلك، ويكو ن الاجتهاد بعد هذا في المعاملات الدوليّة، والمعاملات الاجتماعيّة والإداريّة وغيرها.

القرآن كتاب مفتوح، يقول تعالى: 

رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) آل عمران 

 لكن يبقى المطلوب: كيف نعيش بهذ ا الإيمان؟ فلننقل منطق الإيمان إلى كلّ شيء، ومنطق الإيمان منطق واسع، له مواصفات في العادة… وليس له شكل معيّن عمليّاً وإنّما أوصاف معيّنة، وهذا ما يمكن أن نسميه ” القيم “ .

فالقرآن الكريم جاء بقيم تحدّد المسارات العامّة، أو قواعد أو مبادئ عامّة، ولم يجئ ببرامج إلا في القضايا التي لا تتطوّر ولا تختلف فيها الفهوم، كما أنّها لا تختلف من زما ن إلى زمان، ومن بيئة إلى أخرى، ومن طبيعتها أن تكون توقيفيّة.

 نعم، ما عدا هذه القضايا فهو متروك للزمن ومتروك للناس.

كأنّي أرى الخلاصة في هذا: 

أنّ الأصل أن تبقى القيم القرآنيّة هي الضابطة لمسيرة الحياة في إطار عريض، وأنّ الحركة والاجتهاد ضمن إطار القيم هو متروك لاجتهادات الناس بحسب ظروفهم ومشكلاتهم التي تتبدّل بحسب الزما ن والمكان. 

المهمّ ألّا تخرج الاجتهادات عن الإطار الذي رسمه القرآن، وفى ذلك متّسع للزمان والمكان بمقتضى الخلود والخاتميّة.

قلت في بعض كتبي: إنّ هناك وسائل ثابتة……. فإذا قيل إنّ الصلاة لابدّ لها من وضوء، يبقى الوضوء وسيلة محدّدة، لكنّ الأمّة محتاجة للجهاد.

 كان رباط الخيل يوماً ما هو وسيلة الجهاد، وانْبَنَى على ذلك أنّ الفارس يأخذ ضعفين، أو ثلاثة أضعاف -على اختلاف المذاهب- ما يأخذه الراجل، وأقيمت الأوقاف في رباط الخيل. 

و الآن لا يمكن الأخذ بهذا الاجتهاد، لأنّ رباط الخيل انتهى من عمليّة الجهاد.. هناك إمكانا ت أخرى هي: الدبّابات والمدرّعات وغيرها. الوسائل تختلف ليس فقط في الجهاد وإنّما في العدالة أيضاً… 

العدالة قيمة لابدّ أن تضبط الأمور بميزان العدل.. الآن، قد يمكن أن أجعل

محاكم عسكريّة، ومحاكم للقاصرين، ومحاكم للأحداث، وأجعل المحاكم في الوقت نفسه درجات: محاكم ابتدائيّة، ومحاكم استئناف، ونقض وإبرام وتمييز… كلّ ما يعين على تحقيق العدالة، أجتهد فيه كيف أشاء، كذلك التعليم، فكونك تقيم معاهد ومدارس لها مواصفات معيّنة لتعليم الأمّة كلّها، أو تجري إحصاء عامّاً للأمّة كلّها بحسب سنيّ العمر، كي تتعرّف على أعداد الطلاب الذين لابدّ أن تفتح لهم مدارس، فهذه كلّها مسائل حضاريّة لابدّ منها، وهي تدخل في إطار ما عندنا من قيم، وهي جزء من الحكمة والميزان الذي أشار إليهما القرآن الكريم، ولابدّ منها لبناء المجتمع… القيم تضبط، والقيم صفات، لا برامج وأعمال…

وليست لباساً معيّنا، فمثلاً: الإسلام يقول للمسلم: البس اللباس الساتر للعورة الذي لا يشتمّ من لابسه الكبر والخيلاء؛ لكنه لا يقول: يجب أن يكون هذا اللباس: جلابيّة، أو جبّة، أو غيرها، وإنّما يترك له التصرّف؛ فهناك مواصفات وضعها الإسلام للحياة الاجتماعيّة…

وقد تحدّث فيها القرآن باستفاضة دون نصوص خاصّة، أو برامج خاصّة لذلك…. يمكن أن تتدخّل الحكمة هنا لينشئ الناس قوانين تفي بالمطلوب للأمّة، ولذلك، أنا ممّن يرون أن تكثر الاجتهادات ضمن الصورة الإسلاميّة؛ فمثلاً: الإمام أبو حنيفة يجتهد في أن تعطى المرأة حقّ أن تعقد على نفسها، وغيره من المجتهدين يرى غير ذلك، وأن تعطى الحقّ في أن تخالع زوجها، ويحكم القاضي بالحكم المناسب، وأن تعتلى القضاء… هذه برامج واجتهادات… ومن هنا أنا اخترت ترجيح مذهب المالكيّة في أن تقسيم الغنائم ليس تقسيماً ملزماً.

أي أنّ التخميس هو صورة ممّا يمكن أن تقسّم به الغنائم، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يلتزمه عندما وزّع غنائم هوازن وثقيف، فقد حرم بعض الصحابة `الأنصار`، ورأيت أنّ هذا ما صنعه عمر رضي الله عنه عندما رفض أن تقسّم الأرض المفتوحة، وفرض عليها الضرائب، وأعطى الفاتحين أنصبة، أو مرتّبات، من هذه الأرض المفتوحة. 

وهكذا تجد أنّ الإسلام ليس مجموعة صور محدّدة ومعيّنة للنظام، وليس هو

قوالب ثابتة، وإنّما هو قيم ثابتة، على ضوئها ننتقي الشكليّات، أي نشكّل ما نريد.. 

وإدارة شؤون الدنيا أعطانا الإسلام فيها فسحة: “أنتم أعلم بأمور دنياكم ” (مسلم) .. أي أنتم أعلم بالتنظيمات الدنيويّة…. والمهمّ أن تكون هذه التنظيمات ضمن سياج محكم من القيم والقواعد الموجودة في القرآن والسنّة.

الشيخ محمد الغزاليّ – من كتاب: كيف نتعامل مع القرآن الكريم. صفحة 103- 106




إمامة المتغلب بين الشرع والتاريخ

من الأفكار الرائجة في الفقه الإسلامي وفي الثقافة الإسلامية قديما وحديثا القول بشرعية الحكم القائم على القوة والغلبة، بمعنى أن من استولى على الخلافة أو الإمارة بالقوة والسيف، حتى قهر خصومه واستولى على البلاد وسلّم له العباد، فهو إمام شرعي تجب طاعته ولا تجوز معصيته ولا الخروج عليه.

وهذه القضية فيها من الالتباس والتلبيس ما يستوجب تفكيكها وبيان حقيقتها، وهو ما يرمي إليه هذا المقال.
ليست من الإسلام
أعني أن الإسلام لم ينص على مشروعية هذه الطريقة في تولي الحكم، ولا هو أرشد إليها ولا أقر وقوعها ولو في نازلة واحدة، فلا نجد شيئا من هذا لا في القرآن الكريم، ولا في السنة الشريفة، ولا في سنة الخلفاء الراشدين.
أما المسلك الشرعي المنصوص عليه والمأمور به في باب السياسة وتولي الحكم، وفي باب تدبير الشؤون العامة فهو مسلك الشورى وما تسفر عنه من قرار واختيار، وهو الذي قال الله تعالى فيه {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]
فما جاءنا عن طريق الشورى ومؤسساتها، من اختيار وتولية وبيعة، أو من عزل وإعفاء وإلغاء، أو من “حل وعقد” فهو شرعي ومشروع، وهو من الإسلام وإليه، لكونه مأموراً به في القرآن والسنة، ومعمولاً به في سنة الخلفاء الراشدين.

وقد كان أول تطبيق لمسلك الشورى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التشاور في اختيار خليفة له من بعده، فكان بذلك اختيار أبي بكر وبيعته إماما للمسلمين، وهكذا مضت الأمور على عهد بقية الخلفاء الراشدين: الشورى والاختيار، ولو بأساليب وأشكال متنوعة.

وبناء عليه نستطيع القول بكل ثقة واطمئنان: إن الطريقة الشرعية الوحيدة التي جاء بها الإسلام ونص عليها -لتولي الحكم وانتقاله وتدبير أموره- هي: الشورى والاختيار، مع ترك الطرق والوسائل التفصيلية المعتمدة في ذلك للاجتهاد والتشاور والمراجعة.

بين التاريخ والفقه:
مما يقرره ويردده الفقهاء والأصوليون أن النصوص متناهية والوقائع لامتناهية، وأنه يتعذر التنصيص على كافة الحالات والاحتمالات والوقائع الممكنة عبر التاريخ بكل تقلباتها وتشكلاتها التي لا تنتهي، فيبقى كثير منها -أو أكثرها- للاجتهاد والتفاعل بين الفقه والتاريخ.

وفي موضوعنا نجد أن الطرق والأساليب المتبعة في تولي الحكم وتدبير شؤونه عبر التاريخ لا تقف عند حد ولا تلتزم بقيد.

ومن هنا وجد الفقهاء أنفسهم أمام دول تقوم وتسود، وليس فيها مكان للشرعية الإسلامية، أي شرعية الشورى والاختيار، ولكنها على كل حال دول تدين بالإسلام، وتحكم باسم الإسلام، وتنفذ كثيرا من أحكام الإسلام.

ووجدوا -من بين ما وجدوا- أن التاريخ يضعهم أمام حكام تغلبوا وتمكنوا، واستولوا على الحكم وأقاموا دولتهم، لا بالشورى والاختيار من أهل الحل والعقد، ولكن بفضل شوكتهم وقوة عصبيتهم، وربما بفضل سيوفهم وسيوف أنصارهم.

فهذه هي إمامة المتغلب التي ذهب جمهور الفقهاء إلى التعامل معها والإقرار بشرعيتها ونفاذ أحكامها.
وقد يكون من السهل علينا اليوم أن نرمي الفقهاء -في موقفهم هذا- بتهمة التفريط في الشرعية الإسلامية والاستسلام أمام الأمر الواقع، وهو اتهام له -في الجملة- نصيبه من الحق والصواب، أما تفاصيله فالكلام فيها طويل متشعب لا يحتمله المقام.

على أن للفقهاء مستندات واعتبارات عديدة، هي معتمدهم وعذرهم في تسويغ حكم المتغلب إذا ما نزل ووقع، وأهم تلك الاعتبارات والتعليلات ما يلي:

1- إن هذه ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، علما بأن ما يباح في محل الضرورة لا يمكن اعتباره مباحا في غير محلها.

2- إن البديل الشرعي الأمثل (أي الشورى والاختيار) كثيرا ما يكون متعذرا لا سبيل إليه ضمن الممكنات المتاحة في العهود الماضية.

3- إن التغلب والاستيلاء قد يكون في بعض الحالات هو الخيار الأصلح، كحالة الموت المفاجئ للحاكم السابق دون أن يكون له عهد أو ترتيب لمن سيخلفه، أو كحالة كون ولي عهده طفلا صغيرا لا يقدر على شيء، وكحالة أن يأتي الاستيلاء على الحكم بعد أن تكون الدولة القائمة قد غرقت في الفساد والتفكك والانحلال، فيكون المتغلب المستولي هو المنقذ.

4- إن إبطال حكم المتغلب وشرعيته، والمناداة بإزالته بعد الغلبة والتمكن قد يعنيان الدخول في حرب أهلية تهلك الحرث والنسل، وقد تنتهي إلى تقسيم البلد.

5- إن إبطال إمامة المتغلبين يستتبع إبطال كل تصرفاتهم وكل تصرفات الدولة التابعة لهم، مما يعني تعطيل الخدمات والأحكام القضائية وسائر المصالح والحقوق المتوقفة على الدولة وولاتها ومؤسساتها، وهذا فساد عريض لا يقبله شرع ولا عقل.

ومع هذه الاعتبارات القوية والوجيهة في زمانها وظروفها، فقد أحاط الفقهاء قبولهم لإمامة المتغلب بمزيد من الشروط والقيود:

• أن يكون تغلبه واقعا ضد حاكم متغلب، أما حاكم جاء ببيعة أو عهد، وما زال حكمه قائما فلا تنعقد إمامة المتغلب عليه (انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني الشافعي
5/423).

• أن يكون الزعيم المتغلب ذا أهلية في ذاته لتولي المنصب، فلا يكون فاسقا ولا ظالما، لأن الله تعالى يقول {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين} [البقرة: 124]. وبناء عليه “قال ابن خُوَيز منداد المالكي “الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكما ولا مفتيا ولا شاهدا ولا راويا”. (تفسير ابن كثير 1/289).

• أن يستتب له الأمر، لا أن يكون باقيا في طور التجاذب والتنازع ما بين مؤيد له ومؤيد لغيره.

• أن يبادر إلى إقامة العدل والحكم بالشرع، إذ بدون تحقيقه هذين الغرضين لا حاجة إليه أصلا.
المتغلب في عصرنا
من المعلوم أن العصر الحديث شهد تطورات هائلة في كثير من مجالات الحياة البشرية وأنماطها، ومنها مجال الحكم والسياسة وتنظيم الشؤون العامة.
ففي هذا المجال نجد على سبيل المثال انتشار فكرة الدساتير المنظمة لشؤون الحكم وإدارة الدولة، وفكرة دولة القانون، ودولة المؤسسات، وتنظيم فكرة فصل السلطات، واعتماد أسلوب الانتخابات والاستفتاءات، وكل هذا لم يكن ممكنا من قبل، أو لم يكن متيسرا في العصور القديمة كما هو اليوم.

على أن التطور الحاصل في هذا المجال ليس فقط سياسيا ودستوريا وفكريا، بل هو -أكثر من ذلك- تطور في التجارب والوسائل والأدوات والإمكانات.

والحقيقة أن هذه التطورات قد أسقطت جميع المسوغات والدواعي لنهج الاستيلاء على الحكم بالقوة والغلبة.
وحين أتأمل ما جاء به الإسلام وطبقه الخلفاء الراشدون من شرعية شورية انتخابية رفيعة -في مطلع القرن الأول- فإني أوشك أن أقول إن ذلك كان سابقا لأوانه، وكان فلتة في زمانه، ولكنه على كل حال رسم للبشرية الصورة المثلى لما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وترك لنا أن نتعارك مع الواقع لإقامة تلك الشرعية بعينها، أو بما يشبهها، أو ما يكون الأقرب إليها.

وها هو الزمان قد استدار دورته، وأصبحت إقامة الشرعية الشورية الانتخابية اليوم ميسرة وفي متناول أيدي المسلمين، ولا يحول بينهم وبينها إلا طبائع الاستبداد وطلائع الاستبلاد.

ولئن كان لولاية التغلب والاستيلاء مسوغات معقولة في العصور الماضية، على الأقل في بعض حالاتها، فإنها اليوم -في ظل شيوع الدساتير والمؤسسات، ويسر تنظيم الاستفتاءات والانتخابات- قد فقدت كل مسوغ لبقائها، بل هي اليوم تعد أسوأ من الرق والقرصنة، لأن الرق والقرصنة كانا يصيبان أفرادا وأطرافا من المجتمعات، أما الاستيلاء على الحكم بالقوة والغلبة وبدون ضرورة ملجئة فهو استرقاق للأمم وقرصنة للدول.
فلذلك يجب القول شرعا إن تولي الحكم عن طريق القوة والغلبة والاستيلاء قد انتهى زمانه وتمحض بطلانه.

وإذا كانت دول القارة الأفريقية تعتبر اليوم هي الأكثر تخلفا وانحطاطا وفوضوية بين دول العالم وقاراته فإنها من حيث الشرعية الدستورية والقانونية قد أصبحت أرقى من جامعة الدول العربية وأعضائها، وأرقى من منظمة التعاون الإسلامي ودولها.

فالاتحاد الأفريقي قد نص في المادة الثلاثين من قانونه الأساسي المعتمد سنة 2000 على أنه “لا يُسمح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد”.

ثم أصدر في يناير/كانون الثاني 2007 (الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم)، ونص في مادته الثانية على أهداف هذا الميثاق، فكان من بينها ما جاء في الفقرة الرابعة، وهو “رفض وحظر وإدانة التغييرات غير الدستورية للحكومات في أي دولة عضو، باعتبار ذلك تهديدا خطيرا للاستقرار والسلم والأمن والتنمية”، والغريب أن مصر كانت هي الدولة الوحيدة التي تحفظت على هذا الميثاق.

ومنذ سنة 2000 أصبح الاتحاد الأفريقي يبادر بتلقائية إلى تجميد العضوية فيه وفي منظماته وأنشطته، لكل دولة يقع فيها انقلاب عسكري.

وفي الحقيقة، لقد أصبح الاتحاد الأفريقي أكثر تمثلا وتمسكا بالشرعية الإسلامية النيرة من عدد من المشايخ المحسوبين أزهريين أو سلفيين أو من هيئة كبار العلماء ممن يدافعون عن الاستبداد ويشكلون طلائع الاستبلاد.
الانقلابات العسكرية
الحكام المتغلبون -الذين كانوا يستولون على الحكم قديما- كانوا عادة ما ينبثقون من بين الشخصيات ذات الشعبية والمكانة والزعامة في الأمة، ومن ذوي النخوة والشهامة والنجدة، ومن ذوي المؤهلات القيادية والقدرات التأسيسية، فكان هذا مما يسهل نجاحهم ويغري الفقهاء والوجهاء بمبايعتهم والتعاون معهم.

أما الانقلابيون العسكريون في هذا العصر فينبتون في الظلام والتكتم، ويتسلقون بمكر وخداع، ومؤهلاتهم الأساسية عادة لا تتجاوز ثلاثة عناصر، هي:

– الرتبة العسكرية والمنصب العسكري.
– القابلية للخيانة والغدر.
– القدرة على المناورة والمغامرة.

فلذلك لا يمكن أن يكون استيلاؤهم على الحكم سوى سلسلة من الجرائم والكوارث والنكبات، والعرب بالباب كما يقال.

أضف إلى هذا أن الجنود والضباط اليوم في دول الاستبداد والاستبلاد قد أصبحوا يُنشّؤون على فلسفة الغباء والطاعة العمياء، يقتلون و

لا يعرفون من يقتلون، ولا لماذا يقتلون، ولا لفائدة من يقتلون.
ومنذ حوالي ثمانين سنة تفطن العلامة السيد رشيد رضا لهذه الحقيقة المرة، فكتب في تفسيره يقول “ولكن الحكام في هذا الزمان مؤيدون بقوة الجند الذين تربيهم الحكومة على الطاعة العمياء، حتى لو أمرتهم أن يهدموا المساجد، ويقتلوا أولي الأمر الموثوق بهم عند أمتهم لفعلوا، فلا يشعر الحاكم بالحاجة إلى أولي الأمر إلا لإفسادهم وإفساد الناس بهم، ولا يريدون أن يقرب إليه منهم إلا المتملق المدهن”.

على أن من أخبث الحيل التي بدأ بعض الانقلابيين يتّبعونها هروبا من تطورات العصر واستحقاقاته أنهم بعد تنفيذ انقلابهم واستيلائهم على الحكم، وبعد إحكام قبضتهم على الدولة والمجتمع يعمدون إلى إعداد طبخة ديمقراطية انتخابية، لكسب رداء الشرعية، فإذا بالزعيم الانقلابي يصبح “رئيسا شرعيا منتخبا”.

هكذا وقع مرارا في مصر وسوريا والعراق والجزائر وموريتانيا والسودان والصومال وتشاد.
ولذلك وجب القول إن كل انقلابي متغلب يتمسك بالحكم بعد الانقلاب، ويوطد أقدامه ليستمر فيه، بأي حيلة أو خدعة، فهو غاصب ظالم: بانقلابه أولا، وباستمراره فيه ثانيا، وبكافة جرائمه في حق البلاد والعباد.

ويبقى أن الانقلاب العسكري يكون جائزا ومحمودا في حالة واحدة، هي عندما يكون ضد انقلابي سابق، بشرط أن يتم تسليم الحكم بعد الانقلاب للمدنيين المنتخبين في أقرب وقت ممكن، وهذا ما فعله السيدان الفاضلان: المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، والعقيد اعل ولد محمد ولد فال في موريتانيا.

منقول من موقع الجزيرة نت