الأفغاني والمشروع النهضوي

 نهض السيد جمال الدين الأفغاني (1254-1314هـ/ 1839-1897) بدعوته الإصلاحية التجديدية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي متسلحًا بجميع الوسائل الثقافية والعلمية أو الميدانية التي تؤهله للقيام بأعباء هذه الدعوة خير قيام، فوق ما حباه الله سبحانه وتعالى من طاقات عقلية وروحية و«استنفارية»- إن صح التعبير- أو تعبوية هائلة. حتى قال فيه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده تلميذه النجيب ورفيق دربه في الإصلاح الديني والاجتماعي: «لو قلت إن ما آتاه الله من قوة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قُدر لغير الأنبياء لكنت غير مبالغ» وقرب من هذا ما قاله مالك بن نبي رحمه الله حين لخص ما قام به جمال الدين بأنه أعاد الوظيفة الاجتماعية للنبوة أو للأنبياء في تلك الحقبة من حقب الركود في التاريخ الإسلامي، والتي كانت بُعيد اصطدام المسلمين بالحضارة الأوروبية وتعرض بلادهم للغزو الاستعماري أشبه بالهزيع الأخير من الليل، حيث يشف النوم ويتأهب النيام لليقظة على صوت المؤذن إذا هتف: حيّ على الفلاح، وكان الأفغاني كما يقول الأستاذ مالك هو هذا المؤذن الذي دَوَّى صوته في جميع أرجاء العالم الإسلامي.

 ومما يستحق الإشارة في الحديث عن الثقافة التي تلقاها الأفغاني والعلوم التي عُني بها أنه لم يكتف بالتضلع في علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول، وعلوم اللغة والمنطق والكلام والفلسفة حتى المعاصرة منها، حتى أضاف إليها دراسة علم التاريخ وعلم الاجتماع وآداب الأمم وفلسفة أخلاقها. كما أنه أتقن عدة لغات هي العربية والفارسية والتركية والفرنسية والأفغانية وألمَّ بشكل كافٍ بالإنجليزية والروسية. ودرس كذلك أبرز العلوم كالرياضيات والفلك والطب.

 أما خبرته العملية ومعرفته الواسعة بأحوال العالم الإسلامي في جميع بقاعه، فيشهد لها المناصب السياسية التي تقلب فيها في كثير من بلدان العالم الإسلامي، إلى جانب طوافه الدائم في هذه البلاد ينوّر العقول ويفتح البصائر، ويحرض الشعوب على الثورة ضد الاستبداد السياسي من جهة، وضد الاستعمار الأوروبي الذي نازله بشدّة، من جهة أخرى. وبخاصة الاستعمار البريطاني الذي حظي بنصيب الأسد في استعمار البلاد الإسلامية كما هو معلوم.

مثَّلت دعوة الأفغاني حجر الزاوية في نهضة العرب والمسلمين في تاريخهم الحديث، وامتد أثر هذه الدعوة ليشمل جميع جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية وبما يوازي شمول الإسلام من جهة، وليغطي الرقعة الجغرافية التي شملها العالم الإسلامي، وبخاصة الرقعة المترامية الأطراف التي شملت معظم شعوب هذا العالم، وأعني بها الشعوب التي كانت منضوية تحت الراية العثمانية من جهة أخرى.

وإذا كان ظهور طبقة المصلحين أو الدعاة المجددين الذين حاولوا إيقاظ العالم الإسلامي كان سابقًا لظهور «المدارس الإصلاحية» التي أخذت على عاتقها تلك المهمة عن طريق إعداد الجماهير وتربية النخبة في وقت واحد، والتي أخذت شكل الجماعات المنظمة أو الجمعيات والأحزاب، فإن في وسعنا أن نلحظ أن الأفغاني كان أول المصلحين ورائدهم، في الوقت الذي كان منهجه في الإصلاح يمهد لظهور المدارس الإصلاحية، أو يؤسس لظهورها؛ لأنه لم يقف عند حدود التفكير والتنظير أو الكتابة والتأليف. بل كان يقترح الحلول الواقعية وطرق التطبيق والتنفيذ، بالإضافة إلى تأسيسه لأول حزب سياسي في مصر وهو الحزب الوطني الحر، وهو الحزب الذي خرَّج قادة الثورة العرابية وثورة 1919. واتصاله المباشر بالشعوب الإسلامية وبزعماء المسلمين وقادتهم في الشرق والغرب. كما يمكن القول إن تلامذته ومريديه في هذه الشعوب- وتلامذتهم كذلك- هم الذين وقع على عاتقهم تشكيل الجماعات والأحزاب أو الاتساع بها في جميع الاتجاهات الدينية والوطنية في وقت لاحق.

وعلينا بهذه المناسبة أن نفهم طبيعة الشعارات التي رفعها الأفغاني من خلال العصر الذي عاشه والظروف التاريخية التي كان يعيشها العالم الإسلامي، وطبيعة التحديات التي كان يواجهها ويخضع لها! فإذا تذكرنا أن العدوان الخارجي الذي وقع على المسلمين في ذلك لاحين متمثلاً في المحاولات الأوروبية الدائبة لاقتسام تركة الرجل المريض- كما وصفوا الدولة العثمانية- وفي حركة الاستعمار الحديث الذي أعاد سيرة الحروب الصليبية مرة أخرى، أدركنا سبب الطابع السياسي الذي غلب على دعوة الأفغاني في الوقت الذي كانت هذه الدعوة في فحواها حركة إصلاحية فكرية شاملة، قاعدتها وأساسها الإسلام والقرآن ووسيلتها إلى فهمه والتعامل معه: العقلانية التي تمقت التقليد وتزري بالفرقة والانقصام، والتي لا تعطي المسلم القدرة على فهمٍ جديد أو متجدد للقرآن، فحسب، بل تمنحه كذلك الوعي والقدرة على اختيار النافع والمناسب من حضارة الغرب، وهو الأمر الذي ركز عليه الأفغاني في مناسبات كثيرة. أي أن منازلته للاستعمار الأوروبي لم تمنعه من التطلع إلى اكتساب مزايا حضارة القوم عملاً بحديث النبي صلى الله عليه و سلم : «الحكمة ضالة المؤمن».

ويمكن القول بصورة عامة: إن كفاح المسلمين عبر عصور التاريخ المختلفة كان يتلوّن بلون «موضوع» هذا الكفاح، سواء أكان داخليًا أم خارجيًا. وفي هذا يقول الدكتور محمد البهي رحمه الله: «على أيام المعتزلة كان الكفاح الإسلامي كفاحًا دينيًا أو «كلاميًا». وعلى أيام الفلسفة الإغريقية كان كفاحًا فكريًا أو فلسفيًا. وعلى أيام ابن تيمية كان كفاحًا ضد الصليبيين والتتار، وعلى أيام محمد بن عبد الوهاب كان كفاحًا ضد البدعة والخرافة. ثم في عهد جمال الدين الأفغاني كان كفاحًا سياسيًا ضد الاستعمار» ثم يقول الدكتور البهي في تعقيب قيم: «وفي كل حركة من هذه الحركات كان الدين أساسًا أوليًا، وفي الوقت نفسه كان هدفًا أخيرًا وغاية مطلوبة».

نؤكد على هذه النقطة تحقيقًا للشروط الموضوعية في دارسة الأفغاني وسائر العظماء والمصلحين، حتى لا يقع بعضنا في وهم امتلاكه للحقيقة أو ظنه بأنه يتمتع بالفهم الأمثل الذي لم يسبق إليه! الأمر الذي يغريه بالتطاول على السابقين أو العودة عليهم وعلى مناهجهم بالنقد والتجريح؛ علمًا بأنه لم يكن في وسع أحدنا اليوم أن يصل إلى هذه الدرجة أو إلى درجة ما من الوعي والفهم لولا جهود أولئك المصلحين والدعاة وأفكارهم ومناهجهم!

نذكر هنا بمرارة عابرة ذلك التركيز الشدائد على انضمام السيد جمال الدين إلى المحفل الماسوني البريطاني- المصري والذي طالما ردده الكثيرون، وسمعناه من بعض أساتذتنا في الماضي طعنًا على الأفغاني واتهامًا له بالعمالة ورقة الدين!! علمًا بأن الأمر لا يعدو أن يكون واحدًا من التجارب التي خاضها جمال الدين في سياق تجاربه الكثيرة ومعارفه الواسعة، والتي انتهت بانشقاقه عن المحفل وفضحه لأهدافه.

كما تحضرني هنا- بهذه المناسبة- الكلمات المعبرة التي كتبها الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده التي دعا فيها إلى الإصلاح السياسي وضرورة الوقوف في وجه الطغيان، والتي أشارت فيها إلى أن مثل هذه الدعوة كانت والاستبداد في عنفوانه، أي أنها لمن تكن مأمونة العواقب، وأن الطريق لها لم تكن ممهدة ولا ميسورة! قال الأستاذ الإمام: «وهناك أمر آخر كنت من دعاته، والناس جميعًا في عمًى عنه وبُعد عن تعلقه، ولكنه هو الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلوّ مجتمعهم منه.. وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها.. دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه، ولا يوقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل» ثم يقول: «جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له! أي عبيد!!».

– 3 –

لقد أخذت دعوة الأفغاني الإصلاحية طابعها السياسي إذن من طبيعة الظروف التي كان يمر بها العالم الإسلامي في الفترة التي عاش فيها الأفغاني في القرن التاسع عشر. ومن هنا جاء شعار الجامعة الإسلامية الذي رفعه في وجه أطماع الغرب الاستعمارية، والذي أراد به المحافظة على الخلافة وعلى الرابط الإسلامي الذي كان يشد المسلمين إلى السلطان العثماني، مع العمل الدائب على تجديد شباب هذه الدولة من خلال الدعوة إلى اللامركزية وإلى التعريب، وإلى أخذ «ما عند الغرب من حضارة ومدنية وعلم.. وعلى أساس أن يكون ذلك في تلاؤم مع الإسلام أو لأن الإسلام يدعو إليه» على حد قول الدكتور البهي رحمه الله، وذلك حتى لا يسقط المسلمون فريسة الأطماع الأوروبية وتزدرد بلادهم بدلاً في إثر بلد، يقول الأفغاني: «إن الممالك الإسلامية في الشرق لا تسلم من شراك أوروبا، ولا من السعي وراء إضعافها وتجزئتها، وفي الأخير ازدرادها واحدة بعد أخرى، إلا بيقظة وانتباه عمومي، وانضواء تحت راية الخليفة الأعظم».

أما اليقظة فهي اليقظة الدينية التي أشرنا إليها، والتي يأتي في مقدمتها تخليص الإسلام مما علق به من الشوائب، إلى جانب مقاومة البدع، ونبذ الخصومة بين السنة والشيعة. وتمثل هذه النقطة بطبيعة الحال أبرز ما دعا إليه كذلك الإمام محمد عبده حين قال: «وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفها إلى ينابيعها الأولى». أما الأفغاني فقد تحدث عما يريده من بعث تعاليم القرآن الصحيحة بحسب عبارته، قال: «إن حركتنا الدينية بالدعوة إلى القرآن كناية عن الاهتمام بقلع ما رسخ من عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها، مثل حملهم نصوص القضاء والقدر على معنى يوجب عليهم أن لا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل! ومثل فهمهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان أو قرب انتهائه فيما يثبط هممهم عن السعي وراء الإصلاح والنجاح مما لا عهد للسف الصالح به».

ثم يقول: «فلا بد إذن من بعث القرآن، وبعث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور، وشرحها على وجهها الثابت من حيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وأخرى.

ويضيف: «ولابد من تهذيب علومنا، وتلقيح مكتبتنا، ووضع مصنفات فيها قريبة سهلة الفهم، فنستعين بتلك الكتب والعلوم التي تضمنتها على الوصول إلى الرقي والنجاح».

وفي سياق رده على الدهريين وبيان أضرار المذهب الطبيعي وتأكيد أن الدين ضرورة للمجتمع، يتحدث عن أبرز مزايا الإسلام الذي يأتي لذلك في مقدمة الأديان من حيث حاجة البشرية إليه، ويعدد هذه المزايا على النحو التالي:

1- صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهيرها من لوث الأوهام. وذلك يحول دون اعتقاد أن كائنًا من الكائنات له تأثير نفع أو ضر، كما يحول دون اعتقاد أن الله يظهر بلباس البشر أو مخلوق آخر، أو أن تلك الذات المقدسة نالت شديد الألم لمصلحة أحد من الخلق.

2- محق امتياز الأجناس وتفاضل الأصناف، وتقرير المزايا البشرية على قاعدة الكمال العقلي والنفسي لا غير، فالناس يتفاضلون بالعقل والفضيلة.

3- جعل العقيدة قائمة على الإقناع لا على التقليد واتباع ما كان عليه الآباء. ويقول: إن الدين الإسلامي كلما خاطب خاطب العقل، ويكاد يكون منفردًا بتقريع المعتقدين بلا دليل، وتوبيخ المتبعين للظنون.

4- نصب الإسلام المعلم ليؤدي عمل التعليم، وأقام المؤدب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر:[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ(104)]. {آل عمران}. [التوبة: ١٢٢[وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(122)]. {التوبة}.

وأخيرًا يقول: فإن قال قائل: إن كانت الديانة الإسلامية على ما بينت، فما بال المسلمين على ما نرى من الحال السيئة والشأن المحزن؟ فجوابه أن المسلمين كانوا كما كانوا وبلغوا بدينهم ما بلغوا، والعالم يشهد.. وأكتفي بقوله سبحانه وتعالى[لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11) [الرعد].

– 4 –

أما الانضواء تحت راية الخليفة الأعظم فقد كان سبيل جمال الدين إلى مواجهة الأخطار الخارجية في الوقت الذي سعى إلى إصلاح الدولة العثمانية حتى تتمكن منا لوقوف في وجه هذه الأخطار. وتتمثل معالم هذا الإصلاح الذي دعا إليه تحت راية الجامعة الإسلامية في إصلاح نظام الحكم، وتطهير أجهزة الدولة القيادية من الخونة والعجزة.. بالإضافة إلى تعريب الدولة، بل تعريب الشعب التركي.. تمهيدًا لجعل الدولة أو الخلافة الجديدة تجسيدًا لأمة عربية إسلامية يعود فيها للعرب دور القيادة «الأمر الذي يحقق للرابطة الإسلامية قيادة يرضاها المسلمون غير العرب» يقول الأفغاني: «لقد أهمل الأتراك أمرًا عظيمًا، وهو اتخاذ اللسان العربي لسانًا للدولة!. ولو أن الدولة العثمانية اتخذت اللسان العربي لسانًا رسميًا وسعت لتعريب الأتراك لكانت في أمنع قوة، ولانتفت من بين الأمتين النعرة القومية، وزال داعي النفور والانقسام، وصاروا أمة عربية، ولكنها فعلت العكس إذ فكرت بتتريك العرب، وما أسفهها سياسة وأسقمه من رأي».

ويحكي «بنت» أن الأفغاني «حتى في لحظات يأسه من إصلاح القيادة التركية للسلطنة العثمانية كان يفكر في تغيير هذه القيادة بتعريب الخلافة مع المحافظة على وحدتها، الأمر الذي جعله يفكر في إحلال مهدي السودان أو الشريف أو الشريف حسين أو إمام صنعاء محل السلطان عبد الحميد، مع بقاء وحدة الخلافة، وفتح الطريق لتجديد شبابها.

ثم حصل ما كان يخشاه الأفغاني وتلميذه محمد عبده من «إضعاف الإسلام وقطع الطريق على حياته» بحسب عبارة محمد عبده التي قالها في سياق الصراع الذي يمكن أن ينشأ بين العرب والأتراك، حيث تم لأوروبا الاستيلاء على الفريقين في نهاية المطاف.

أليس من حقنا بل من واجبنا أن نؤكد بمناسبة رحيل الأفغاني على أبرز نقاط المشروع النهضوي الذي بشر به ودعا إليه، وبخاصة تلك النقاط التي ما زال واقع العرب المسلمين يطلبها أو التي لم يستجب لها بعد، مثل محاربة الاستبداد السياسي، والدعوة إلى الترابط الوثيق بين المسلمين وغير المسلمين في الأوطان الإسلامية، وعدم التمييز بين مسلم وغير مسلم في نطاق هذه الأوطان.. إلى جانب دعوته التجديدية في جعل العقيدة قائمة على الإقناع لا على التقليد، والمفاضلة على أساس العقل والكفاءة. وأخيرًا دعوته إلى الجامعة الإسلامية الحقيقية أو على النحو الذي تحدث عنه، تمهيدًا لدخول القرن القادم الذي سوف يشهد المزيد من التكتلات الكبرى والدول العملاقة! لأن بقاءنا على ما نحن عليه من التشرذم والتفرق وعدم الدخول مرة أخرى أو العودة ثانية إلى هذا الرباط العربي الإسلامي الجامع لا يعني سوى المزيد من الضعف أو الاستضعاف يلحق بالإسلام [وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88) ]. {ص}.




عندما تأخّر النصر على المسلمين

سأروي لكم بضع وقائع، أريد منها زلزلة أركان التعليم الخاطئ، لنتوقّف عن البناء على البهتان والزّور..

الواقعة الأولى: في السنة الثامنة للهجرة، والغزوة تحت أسوار الطائف، والقائد محمّد بن عبد الله، رسول الله، الخارج منتصراً بعد معركة حنين، استعصم الهاربون من ثقيف وحلفائهم في مدينتهم، وحصّنوا أسوارهم، وأغلقوا على أنفسهم الأبواب، وأخذوا ينضحون المسلمين بالنبل، حتى قُتل بضعة عشر رجلاً من المسلمين.. أعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دراسة الموقف، فوجد أنّ المدينة بحكم الساقطة عسكريّاً، وأنّ المسألة مسألة وقت، فضنّ بحياة جنده وأصحابه أن تزهق استعجالاً لأمر، فقرّر الانسحاب,, واستسلمت من بعد ثقيف.. هذا درس أوّل..

الدرس الثاني: في السنة الحادية عشرة للهجرة، والجيش جيش الصحابة وفيه عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد، والمعركة مع بني حنيفة من أصحاب مسيلمة الكذّاب،  في منطقة اليمامة، وفي أكثر من موقف كاد المسلمون ينكسرون، فاستعصموا، واستبسلوا، وجعلوا شعارهم: “يا أصحاب سورة البقرة”، وقتل في المعركة من حفّاظ القرآن الكثير،  فلمّا انكسر بنو حنيفة، تحصّنوا في حديقة لهم مسوّرة، سميت فيما بعد “حديقة الموت”؛ لكثرة ما سقط حولها من القتلى والشهداء، لم ينتصر المسلمون في تلك المعركة إلا بعد أن تعاهد حفّاظ القرآن أن يثبتوا تحت شعار: “يا أصحاب سورة البقرة”.. وكان سيّدنا البراء بن مالك، شقيق سيّدنا أنس بن مالك حاضراً، ولمن لا يعلم فقد كان سيّدنا البراء ممّن قال رسول الله فيه: ” رُبَّ أشعث أغبر ذي طِمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه “، ولكنّ سيّدنا البراء لم يقسم في تلك المعركة على الله، وإنّما قال لإخوانه من الصحابة: 

-اقذفوني من فوق السور إلى الحديقة.

ففعلوا، فقاتل من داخل الحديقة حتّى غلبَ على الباب ففتحه للمسلمين.

والواقعة الثالثة اقتبسها من يوم اليرموك..

وكان في اليوم الأوّل أن هجم جيش الروم على جيش المسلمين، فأزاحوا جيش المسلمين عن مواقعه، حتّى خاف المسلمون الانكسار، وفي اليوم الثاني، وقف سيّدنا عكرمة ينادي في فرسان المسلمين: من يبايع على الموت؟

فبايعه سبعون من الفرسان المغاوير، حفروا لأنفسهم في الأرض حتّى أوساطهم، وانغمسوا فيها، ليصدّوا هجمة جيش الرّوم..

وفي وقعة القادسيّة عندما ذعرت خيول المسلمين من فيلة الفرس، وتضعضع أمر المسلمين، عادوا إلى أنفسهم، فزيّنوا إبلهم مقابل الفيلة، واستهدفوا أعين الفيلة، حتّى قلبوا موازين الحرب…

 في هذه المعارك كلّها، نجد أنفسنا أمام عقل مسلم عمليّ واقعيّ، يعمل ويجدّ ويضحّي، ويأخذ الكتاب بقوّة، يذكرُ اللهَ باتّباع نواميس اللهِ..

حتّى وصلنا إلى عصر القصّاص الذين طردهم سيّدنا عليّ رضي الله عنه من المسجد، والذين يملؤون اليوم الشاشات والمجموعات والصفحات والمنشورات والتغريدات… وبدأ يحكمنا عقل القصّاص والحكواتيّة.. بدأنا نسمع الحكاية التي سأرويها بمائة صيغة وصيغة..

تقول الحكاية الإفك: وتأخّر النصر في إحدى المعارك على أصحاب رسول الله -ولعنة الله على الكاذبين- فتذاكروا بينهم: ماذا أغفلنا من السنن؟ قالوا: السواك. فأقبلوا على أغصان الشجر يقطعونها، ويستاكون، فقال جنود العدوّ يسنّون أسنانهم ليأكلونا.. فهربوا… رحت أبحث عن أصل الرواية، وأهل العلم كلّهم قالوا:

-لا أصل لها.

الانتصار على العدوّ يحتاج إلى فعل مكافئ، على سنّة سيّدنا رسول الله ، وبحسب سنن الله وليس بحسب ما يأفكون ،  ولا على طريقة خرط الخرّاطين..

فلنحذر أهل الخرط أن يغتالوا عقولنا، كما مايزالون يفعلون منذ قرون..

” ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة” (التوبة:46) 




الوصايا العشر في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

التقيت يوماً بمجموعة من كُتّاب السيناريو للأفلام العالميّة، وتشرّفت بتدريبهم (باللغة الإنجليزيّة) على تفاصيل السيرة النبويّة الشريفة، تمهيداً لكتابة سيناريو لفيلم عالميّ حول الرسول ﷺ، وكانوا في منتهى الاهتمام، وعرفت تميّزهم من خلال الأسئلة التي كانوا يطرحونها، ومن بينها السؤال اللطيف التالي:

– “هل لدى المسلمين ما يشبه الوصايا العشر التي أُنزلت على موسى عليه السلام؟”!

والوصايا العشر هي:

1- أنا إلهك، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي.

‎2- لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما، ممّا في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض؛ لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ، لأنّني أنا الربّ إلهك، إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، في الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ، وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبيّ وحافظي وصاياي.

‎3- لا تنطق باسم الربّ إلهك باطلاً، لأنّ الربّ لا يبرّئ من نطق باسمه باطلاً.

4 – اذكر يوم السبت لتقدّسه؛ ستّة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأمّا اليوم السابع ففيه سبت للربّ إلهك؛ لا تصنع عملاً ما، أنت وابنك وابنتك وأمّتك وبهيمتك ونـزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأنّ في ستّة أيام صنع الربّ السماء والأرض والبحر وكلّ ما فيها، واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الربّ يوم السبت وقدّسه.

5- أكرم أباك وأمّك، لكي تطول أيامّك على الأرض التي يعطيك الربّ إلهك.

6- لا تقتل.

7- لا تزن.

8- لا تسرق.

9- لا تشهد على قريبك شهادة زور.

10- لا تشته بيت قريبك، لا تشته امرأة قريبك، ولا عبده ولا أمَتَهُ ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً ممّا لقريبك.

نرجع لسؤالهم لي: “هل لديكم مثل الوصايا العشر؟” فقلت نعم، بل لدينا ما هو أكثر دقّة وشمولاً وتفصيلاً، وأقصد الآيات العظيمات من سورة الإسراء الشريفة، وفيها ما يمكن تصنيفه إلى الوصايا العشر الحكيمة التالية:

1- التوحيد:

“لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا” فلا تفلح لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا ينصرك أحد. “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” فلا أحد يستحقّ أن يُعبد سواه سبحانه.

2- برّ الوالدين:

“وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ، وَلَا تَنْهَرْهُمَا، وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا” فبرّ الوالدين يصل إلى أدقّ التفاصيل، مثل عدم التأفّف الذي قد يجرح المشاعر النفسيّة، فما بالكم بأعلى من ذلك!.

3- الإخلاص والتوبة:

“رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ” فأخلصوا النيّة وطهّروا القلوب. “إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا” فمن تاب وعاد إلى الله ﷻ قَبِلَهُ الله سبحانه وغفر له.

4- الإنفاق السليم: 

“وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ” فابدأ بالإنفاق على المحتاجين من الأقرباء أوّلاً. “وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ” وأحسن إلى المحتاجين المساكين من أهل بلدك، وكذلك لغيرهم، مثل عابري السبيل. “وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا” فلا تُضِعْ أموالك بالإنفاق على مالا تحتاج، “وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ” أي إذا لم تستطع الإنفاق على المحتاجين لعدم وجود المال لديك فأعرضت عنهم، “ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا” بانتظار أن يرزقك الله ﷻ، “فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا” إن لم تعطهم لعدم قدرتك ماليّاً، فعلى الأقلّ قل لهم كلمة طيّبة.

5- طهارة المجتمع:

“وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا” العلاقات الجنسيّة المحرّمة، “إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً” رذيلة عظيمة، “وَسَاءَ سَبِيلًا” الطريق السيّئ المؤدّي لانحطاط المجتمع.

6- حماية الأرواح البريئة:

“وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ” والله تعالى جعل كلّ إنسان حرام الدم، مهما كان دينه ومذهبه وعرقه، “إِلَّا بِالْحَقِّ” مثل الجهاد الحقّ، والقصاص العادل، “وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا” فيؤخذ له الحقّ في الدنيا والآخرة، “فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا” فمن حقّ الوليّ أن يعفو أو يقبل الدية، أو أن يقيم القصاص، “فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ” فلا يتجاوز الحد الشرعيّ بقتل غير المعتدي، كالاعتداء على أهل القاتل مثلاً. “إِنَّهُ كَانَ مَنصُورا” فالوليّ سينصره الله تعالى، ويأخذ له الحقّ إذا التزم بالشرع.

7- رعاية الأيتام:

“وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ” حافظوا عليها لضعفهم عن حماية حقوقهم فيصبح ذلك واجب كلّ المجتمع، “إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” كالأخذ منها للإنفاق عليهم حتّى يكبروا، “حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ” ولا يكفي العمر ليتسلّم اليتيم أمواله، بل يلزم أن يكون لديه الرشد، والحكمة في استعمال الأموال.

8- الوفاء بالالتزامات:

“وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ” أي الالتزامات والوعود والعقود بكافّة أشكالها، “إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا” سيتمّ الحساب يوم القيامة عن كلّ التزام تعهّد به الإنسان، ومدى وفائه به.

9- العدل:

“وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ” فأعطوا النّاس حقوقهم وافية كاملة، “وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ” فأقيموا العدل في تعاملاتكم الماليّة وغيرها، “ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا”.

10- التواضع:

فبالإضافة إلى كلّ التوجيهات أعلاه، تدور الأخلاق حول كيفيّة التعامل مع الناس، وأساس الأمر هو التواضع، “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ” لا تقل رأيتُ وأنت لم تَر، أو سمعتُ وأنت لم تسمع، أو علِمتُ وأنت لم تسمع، فلا تدّعي العلم لتتفاخر على الناس، “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” سيتمّ الحساب عن كلّ ادعاء بالباطل يوم القيامة.

“وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا” لا تغترّ بنفسك فتسير مزهوّاً متبختراً وتتكبّر على الناس، “إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا” فأنت محدود القدرات وأنت ضعيف، “كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا” فالغرور والتكبّر كان أوّل معصية حين قال إبليس لعنه الله ﷻ: أنا خير منه!! وهو أساس كلّ المعاصي فاحذر منه.

الخلاصة:

“ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا” فأساس الأمر كلّه هو التوحيد وتجنّب الشرك، فيحصل الإنسان على الحكمة في الدنيا، والفلاح في الآخرة.




الخلافة على منهاج النبوة والخلافة على منهاج “داعش”

في أواسط العقد الثاني من القرن العشرين الميلادي، نفَّذ القائد العسكري التركي الضابط مصطفى كمال -الملقب لاحقا بكمال أتاتورك- أول انقلاب عسكري -بالمعنى الحديث- في العالم الإسلامي، ونفذ بعد ذلك قرارا أوروبيا يقضي بإلغاء الخلافة العثمانية التي كانت تجمع تحت مظلتها معظم الأقطار الإسلامية.

عندها أحس كثير من المسلمين -من عامتهم وخاصتهم- بنوع من التيتم والضياع، ومن يومها أصبح التطلع إلى عودة الخلافة حلما يراود -أو يؤرق- أذهان كل الغيورين الخائفين على مصير الإسلام والأمة الإسلامية.

وفي هذا السياق أيضا، أصبحت قضية “استعادة الخلافة السليبة” من أكثر القضايا التي تشغل الحركات الإسلامية المعاصرة، بل إن إسقاط الدولة العثمانية -أو الخلافة العثمانية- كان من جملة الأسباب القوية والمباشرة التي دفعت إلى ظهور كبريات الحركات الإسلامية العالمية، مثل: جماعة الإخوان المسلمين التي انطلقت من مصر، وجماعة التبليغ، والجماعة الإسلامية، اللتين انطلقتا من الهند، وجماعة النور التي انطلقت من تركيا، ثم ظهر بعد ذلك حزب التحرير الإسلامي، الذي تخصص في مسألة الخلافة وجعل منها شغله الشاغل ومسعاه الدائم.

فقيام الحركات الإسلامية الحديثة مرتبط بفكرة الخلافة، ردا على إلغائها، أو سعيا لإحيائها، أو تصحيحا للمسار الذي انتهى بسقوطها. فبعضها جعل من إقامة الخلافة بداية ومدخلا لمشروعه الإصلاحي النهضوي، كما هو حال حزب التحرير، وبعضها جعل منه غاية لعمله ومساره عبر مراحل أخرى، كحال جماعة الإخوان المسلمين، وبعضها اعتبر أن مشكلة المسلمين في أساسها وجوهرها ليست قضية خلافة وقضية حكم وسياسة، بل هي قضية أمة ابتعدت عن دينها وتراخت في إيمانها وتدينها، وأن الداء والدواء والمشكلة والحل ها هنا، وهذه هي رؤية جماعة التبليغ وجماعة النور.

وبين هؤلاء وهؤلاء -وعلى فترة من الزمن- نشأت جماعات وتيارات وتعبيرات وأحزاب إسلامية أخرى، لا تجعل من الخلافة حلما من أحلامها، ولا مطلبا صريحا من مطالبها، ولكنها استبدلت بها مطالبَ وأهدافا سياسية محددة ذات طبيعة عملية مقاصدية، مثل: المشروعية، والحرية، والشورى، والعدالة، والحكم الرشيد.

وهذا هو ما يمكن تسميته “الجيل الثاني” من الحركات الإسلامية، أو جيل القرن الـ15.

ولعل أبرز تجلٍّ وأقرب تعبير لهذا الجيل الإسلامي الجديد هو الذي نجده ممتدا من تركيا شرقا إلى موريتانيا والسنغال غربا، ومن حزب العدالة والتنمية التركي، إلى حزب العدالة والتنمية المغربي، وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) الموريتاني.

وفي ما بين تركيا وموريتانيا نمر بالعديد من التيارات الإسلامية الجديدة أو التجديدية في كل من مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب. وهذا مجرد تمثيل بمنطقة جغرافية متصلة، تحتضن -أكثر من غيرها في ما يبدو لي- مواطن مزدهرة ورائدة للجيل الحركي الثاني، وإلا فهذا الفكر منتشر ومتنام، وله كياناته وتجاربه، في دول شرق آسيا وشبه الجزيرة العربية، وغيرها.

على مدى العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، نجد رؤية هذا الجيل تترسخ في صفوف الحركات الإسلامية قديمها وجديدها، وتمضي ناسخة أو مغيِّبة شعار الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية، ومركزة على المحتويات لا على المصطلحات، وعلى المعاني لا على المباني.

وفجأة في الأيام الأخيرة، عاد هذا الشعار إلى الساحتين الإعلامية ثم العلمية، وانفجر السجال على أشده حول “مسألة الخلافة”، وعاد أمل الخلافة وحلمها يخيمان على الآلاف من الشباب المسلمين عبر العالم، فمنهم من بايع، ومنهم من أيد من بعيد، ومنهم من يهفو وينتظر.

وحتى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين -الذي بادر مشكورا إلى إعلان موقفه الرافض للخلافة المعلنة مؤخرا، مؤكدا عدم شرعيتها وفقدانَها كل شروط الخلافة ومقوماتها- افتتح بيانه الصادر في الخامس من رمضان 1435هـ (3\7\2014م) بالقول “والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إزاء هذه القضية يرى ويؤكد على ما يلي:

أولا: إننا كلنا نحلم بالخلافة الإسلامية على منهاج النبوة، ونتمنى من أعماق قلوبنا أن تقوم اليوم قبل الغد”.

عمدة الحالمين بالخلافة وعودتها، هو الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره، وهو عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة”.

وهذا الحديث، أولا: لا يخلو من هشاشة في ثبوته وصحته، وأقصى ما يقوله فيه أهل الاختصاص هو أنه “حَسَنُ الإسناد”. ومثل هذا لا يبنى عليه شيء من الأحكام الغليظة والأمور الجسيمة، وقصارى ما يصلح له هو التبشير وبث الأمل، أما إذا جد الجد وعظمت الأمور، فلا بد من أدلة صحيحة متينة، وإلا فلا.

وثانيا: هناك حديث آخر في الموضوع، وهو في مثل درجة هذا أو أعلى منه، وأعني به حديثَ سفينةَ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي اللهُ مُلكه من يشاء». فهذا الحديث لم يذكر خلافة ثانية تأتي وتكون على منهاج النبوة بعد الخلافة الأولى.

وثالثا: كلا الحديثين ليس فيه أمر ولا نهي، أي ليس فيه تكليف بشيء. فمن ادعى أنه بإعلانه الخلافة وتبعاتها الخطيرة قد قام بما أوجب الله عليه، فليخبرنا أين كلفه الله بهذا؟ ومن أين له هذا الوجوب؟ وإلا فهو دعي، ومن الذين يفعلون ما لا يُؤمرون.

الخلافة بين منهاجين
وأما إذا جئنا إلى مسمى الخلافة الراشدة، أو “الخلافة على منهاج النبوة” فسنجد من صفاتها وأحوالها ما يلي:

1- أنها كانت تجمع تحت ولائها وسلطانها كافة المسلمين -بغض النظر عن قلتهم أو كثرتهم- وأن المسلمين جميعا كانوا راضين عنها فرحين بها. وأما الخلافة المعلنة مؤخرا (خلافة داعش “تنظيم الدولة الإسلامية”) فليس تحت سيطرتها حتى واحد من ألف من المسلمين ومن بلاد المسلمين. ثم هل كل من تحت سيطرتهم مسَلِّم لهم وراغب فيهم ومحب لسلطانهم؟ قطعا لا.

2- أن اختيار الخليفة كان يتم بعد تشاور وتداول بين عامة أهل الرأي والمكانة، بل حتى بمشاركة واسعة من عامة المسلمين -نساء ورجالا- كما في اختيار الخليفة عثمان رضي الله عنه. ولذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه -كما في صحيح البخاري- “فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابَع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا”.

وأما خليفة المسلمين المزعوم، فلا ندري من بايعه ومن اختاره؟ وما قيمتهم ومكانتهم في الأمة الإسلامية؟ والذي نعلمه ولا نشك فيه هو أن صاحبنا بايعه حفنة من أصحابه وأعوانه، وهذا قد يخوله أن يكون أميرا عليهم في شؤونهم الخاصة، وأما أن يصبح بذلك خليفة للمسلمين، فدونه ما بين السماء والأرض.

3- أن التداول والاختيار للخلفاء الراشدين كانا يتمان في حرية مطلقة وأمان تامّ، وليس تحت سطوة السيوف والتهديد والوعيد. وأما الخلافة المتحدث عنها في وسائل الإعلام، فيراد فرضها وتثبيتها في خضم الفتنة والحرب، وفي جو الخوف والرعب، وتحت التسلط والإكراه. وفي ما هو دون هذا بكثير كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يفتي ويقول: طلاق المكره لا يقع. فبيعة المكره والخائف لغو.

4- أن الخلافة الراشدة كانت خلافة وحدة ورحمة ونعمة على المسلمين، لا خلافة حروب أهلية بين المسلمين، ولا خلافة نقمة وفتنة وتمزيق وعذاب.

5- أن الخلافة على منهاج النبوة كانت قائمة على تحقيق المعاني والمقاصد والأعمال، وليس على الشعارات والبيانات، والمظاهر والألقاب. نقل الإمام البغوي في “شرح السنة”، عن حميد بن زنجويه “أن الخلافة إنما هي للذين صدقوا هذا الاسم بأعمالهم، وتمسكوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، فإذا خالفوا السنة، وبدلوا السيرة، فهم حينئذ ملوك، وإن كانت أساميهم الخلفاء”.

وما أكثر الحكام الذين بالغوا في تدبيج ألقابهم وتقديس أنفسهم وتمطيط أنسابهم، وهم في الحقيقة لم يجلبوا لشعوبهم وأمتهم سوى الفتنة والمحنة والوبال والخبال. وفي بعضهم قال الشاعر:

مما يُزهِّدني في أرض أندلسٍ ألقابُ مملكة في غير موضعها
ألقابُ معتضِدٍ فيها ومعتمِدٍ كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ

لا شك أن الهرَّ في أصله كائن محترم ومحبوب، وله مكانته ووظيفته، ولكن حين ينتفخ ويعلن نفسه أسدا، وينصب نفسه “ملك الغابة”، هنا يفقد كل شيء ويصبح لا شيء.

“نَوطُ الأحكامِ الشرعية بمعانٍ وأوصاف، لا بأسماء وأشكال”

هذه العبارة للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور، وقد جعلها عنوانا لمبحث من مباحث كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”. ومعناها أن الأحكام الشرعية لا تبنى ولا تترتب على الأشكال والأسماء والمظاهر، وإنما تبنى على مراعاة حقائق الأشياء وصفاتها المؤثرة.

فليس في الشريعة تحريم شيء أو إباحته أو وجوبه لأن اسمه كذا، ولقبه كذا، أو لأن شكله أو لونه كذا. قال ابن عاشور رحمه الله: “وإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفية للمعاني الشرعية، فتقع في أخطاء في الفقه”.

وفي ما يخص قضيتنا -قضيةَ الحكم والخلافة والسياسة- نجد أن الشرع جاء بالعدل وأوجبه في كل المجالات، وجاء بالإحسان وكتبه على كل شيء، وجاء بالشورى والمشروعية ومنع الاستبداد، وجاء بالإيثار وذم الاستئثار، وجاء بالمساواة والتواضع وتحريم التجبر والطغيان، وجاء بحفظ الأموال العامة وألا تُقرب إلا بالتي هي أحسن، وحرم التخوض فيها بأي استئثار أو اختلاس أو تبذير أو محاباة، وجاء بنصرة الضعفاء وتمكينهم من حقوقهم وكرامتهم وحاجاتهم، وجاء بردع الأقوياء، ومنعهم من البغي والاعتداء، وجاء لتحقيق الأمن ورفع الخوف.

وهذه كلها أركان وفرائض وعزائم قطعية، معلومة مواضعها ومكانتها وأدلتها في الدين. فإذا تحققت هذه المعاني والمقاصد في ظل شيء اسمه الخلافة فنِعْمَتِ الخلافة، وهي التي نريد. وإذا انتهكت وضيعت في ظل “الخلافة” فبئست الخلافة، وهي ما لا نريد. وإذا تحققت دون اسم الخلافة، وتحت أي اسم آخر، فقد حصل المقصود كاملا غير منقوص.

والشرع الذي فرض علينا ما تقدم ذكره -وغيره- من الأحكام والمبادئ والمقاصد، لم يفرض علينا أبدا أن نقيم شيئا نسميه الخلافة، أو الخلافة الإسلامية، أو دولة الخلافة، ولا فرض علينا أن نقيم شكلا معينا ولا نمطا محددا لهذه الخلافة أو لهذه الدولة، ولا أمرنا -ولو بجملة واحدة- أن نسمي الحاكم خليفة، وأن نسمي نظام حكمنا خلافة.

ولذلك أقول: لو اختفى لفظ “الخلافة والخليفة” من حياة المسلمين إلى الأبد، ما نقص ذلك من دينهم مثقالَ ذرة ولا أصغرَ منها. ولكن إذا اختفى العدل، واختفت الشورى، وشرعية الحكم ليوم واحد، فتلك طامة كبرى.

إن “خلافة” تأتينا بالسيف وتخاطبنا بالسيف، لن تكون -فيما لو كانت- إلا نذير شؤم ومصدر شر لهذه الأمة.

نحن نعاني من ويلات حكام أتونا بالسيف، ويحكموننا بالسيف، وبعضهم ما زال يتخذ السيف شعارا لدولته ورايته، فكفانا سيفا وتسلطا.

نعم للسيف حين يصد الغزاة ويطرد المحتلين ويذل عملاءهم وأولياءهم، وحين يحمي الأوطان ويؤمن الثغور والجبهات. أما حين يتجه السيف إلى نحور المسلمين، ويتجه إلى السيطرة والتحكم، ويصبح بديلا عن الشرعية والشورى، ووسيلة لإعلان الخلافة، فهو باطل ومرفوض هو وخلافته.




الحركات الإسلامية والاستحقاقات السياسية

بعد قرار الرباط، في 10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، استئناف العلاقات مع إسرائيل، أصبح المغرب رابع دولة عربية تعلن هذا العام تطبيع علاقاتها مع تل أبيب بعد الإمارات والبحرين والسودان.

وأضحى حزب “العدالة والتنمية” (إسلامي)، قائد الائتلاف الحكومي بالمغرب، محل سجال حاد بأوساط الحركات الإسلامية، فأدبيات الحزب، منذ تأسيسه عام 1967، ترفض مطلقا التطبيع مع إسرائيل.

وشهدت الساحة المغربية ردود أفعال متباينة، عقب الإعلان عن استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية مقابل اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

فبينما لاقى اعتراف واشنطن ترحيبا واسعا، اختلفت المواقف والآراء بشأن إعادة العلاقات مع إسرائيل، برعاية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

وأبلغ العاهل المغربي محمد السادس، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خلال اتصال هاتفي، بأن الرباط ملتزمة بحل الدولتين للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وبأن المفاوضات هي السبيل الوحيد للتوصل إلى حل نهائي ودائم وشامل.

تطبيع أم إعادة للعلاقات

الفرق كبير بين التطبيع وإعادة العلاقات. فالتطبيع يعني قيام علاقات طبيعية بين شعبي دولتين. أما تبادل العلاقات السياسية والدبلوماسية فيدل على تأسيس علاقات رسمية على مستوى الحكومتين والهيئات الرسمية فقط.

مثلا تركيا تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل منذ 1949، لكن لا أحد يتحدث عن تطبيع بينهما. كما بدأت مصر وإسرائيل علاقات سياسية مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد، عام 1978، لكنها لم تتحول لتطبيع حتى الآن.

أقام المغرب علاقات رسمية مع إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي، بعد اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكنه أغلق مكتب الاتصال بتل أبيب عام 2000، في بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

كما يرتبط المغرب بعلاقات تاريخية مهمة مع الطائفة اليهودية، منذ استقباله اليهود الفارين من محاكم التفتيش الإسبانية.

مقابل ذلك أكد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية، أمين عام حزب “العدالة والتنمية”، استمرار دعم الرباط للقضية الفلسطينية. ويترأس المغرب لجنة القدس، التي تأسست عام 1975، بتوصية من منظمة المؤتمر الإسلامي (التعاون الإسلامي حاليا).

نشوء الحركات الإسلامية

أدى سقوط الخلافة العثمانية وإخفاق الأيديولوجيا القومية العربية، بعد هزيمة 1967 أمام إسرائيل، إلى بروز قوى إسلامية منظّمة تدعو للحفاظ على الهوية الإسلامية، لكن بنظرة عصرية جديدة.

وتسعى تلك القوى لتحرير السلطة في الدول العربية والإسلامية من هيمنة سياسات التبعية للغرب، وترى ضرورة تفكيك حكومات الاستبداد التي عطلت طاقات أفراد الأمة، وأزاحت المجتمع العربي والإسلامي من دائرة الفعل الحضاري.

فتلك الحكومات تستمد قوّتها واستمرارها من تحالفاتها الاستراتيجية مع القوى العظمى، التي تضمن بقاءها. وأُطلق على تلك القوى الوليدة اسم الحركات الإسلامية.

العلاقة مع أنظمة الحكم

بالرغم من الاختلافات الكبيرة بين قطر وآخر، إلا أن علاقة أنظمة الحكم في البلاد العربية والإسلامية مع الحركات الإسلامية، اتسمت عموما بالتأرجح.

فهناك دول منحت الحركات الإسلامية هامشا من الحركة، عبر السماح لها والتغاضي عن نشاطاتها، بل وبناء تحالفات سياسية معها.

بينما ذهبت دول أخرى للمنع المطلق والملاحقة والتنكيل بأفرادها، وعاملتها كتنظيمات خارجة عن القانون.

في جميع الأحوال اتسمت العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والحركات الإسلامية بغياب الحوار الهادئ ضمن الشراكة الوطنية، بسبب فقدان الثقة بينهما، وترجيح الأنظمة للمعادلات الصفرية، مع أو ضد، والضيق ذرعا بوجود الآخر.

وأدت تلك العلاقة الملتبسة مع السلطة إلى بروز تيارات فكرية مختلفة داخل الحركات الإسلامية، تراوحت بين تكفير الحاكم والخروج عليه، وبين التصالح معه والعمل على إيجاد أرضيات للتعاون وقواسم وطنية مشتركة تخدم مصلحة الجميع.

هنا تحديدا برزت حاجة ملحة لوجود قيادات إسلامية تجيد العمل السياسي، تتمسك بأفكارها دون أن تصطدم بالنظام. ومن هنا أيضا ظهرت ضرورة فصل المسار السياسي عن المسار الدعوي.

أحزاب من رحم الحركات الإسلامية

ثمة أدبيات وحدود تحكم العمل الدعوي الإصلاحي وتضبط أداء الحركات الإسلامية. بينما تكاد الضوابط والمحددات تتلاشى في العمل السياسي. فـ”المصلحة” فقط هي المرشد والمحدد لبوصلة العمل السياسي.

هنا تحديدا ينشأ الفصام بين المبادئ والمصالح، وفي هذه المساحة يتأرجح الأداء السياسي للحركات الإسلامية، حيث النقص في الخبرة السياسية، وضغط المحيط والقاعدة الشعبية، التي تنظر للحركة بقدر كبير من الطهورية الخيالية في أحيان كثيرة.

فترى خليطا متناقضا من الأفعال وردود الأفعال، يختلط فيها التصلب عند بعض الشعارات والنصوص، مقابل مرونة وبراغماتية زائدة في مواقع أخرى. وهذا يوَلد عند شركاء الإسلاميين في العملية السياسية شكوكا في النوايا والمصداقية.

برز ذلك جليا أثناء تعهد جماعة الإخوان المسلمين في مصر بعدم تقديم مرشح للرئاسة، عقب ثورة 25 يناير 2011، ثم ضربوا بذلك الوعد عرض الحائط. كما نفى إخوان سوريا مرارا صلتهم بحزب “العدالة والدستور” (وعد)، ثم انتخبوا رئيسه المؤسس، محمد وليد، مراقبا عاما للجماعة.

تكمن الإشكالية في أداء الأحزاب السياسية، التي ولدت من رحم الحركات الإسلامية، في اضطرارها للتوفيق بين واقعية العمل السياسي الوطني وطهورية/خيالية الشعارات الإصلاحية التي تبنتها ورددتها على مدى العصور.

في البلاد التي تحكمها الديمقراطية ثمة تفاهم بين السياسي والناخب، بحيث يسمح الثاني للأول بهامش من خيالية الطرح خلال الاستحقاقات الانتخابية، لكن يعاقبه إن تمادى.

بينما ينتفى ذلك في الحالات المشابهة في البلاد الإسلامية، فما قاله السياسي، أثناء مسيرته الدعوية، يعتبر وعدا قطعيا ونصا مقدسا لا مهرب من تطبيقه، وإلا فسهام الصديق تنهشه قبل الخصوم.

ثمة أسباب تزيد من معاناة الإسلاميين أثناء عملهم السياسي، أبرزها أنهم يخوضون غمار السياسة بمنطق الدعوة وأدواتها، دون الاستعداد لتحمل تبعات السياسة.

لذلك كان طبيعيا أن نرى النقد الأشد قساوة للأداء السياسي لحركة “النهضة” بتونس، و”العدالة والتنمية” بالمغرب، يأتي من الإسلاميين أنفسهم، بينما تبدو الأصوات خافتة وخجولة عند نقد إسلاميي مصر، الذين أخلوا الساحة لخصومهم بسبب تعثر أدائهم السياسي. وكذلك الحال بالنسبة لإخوان سوريا، الذين يعيشون حياة المهجر منذ أربعة عقود.

يبقى الفرق الجوهري بين السياسي والدعوي أن العمل السياسي والمنطق السياسي يعتمد على المصلحة المبنية على تحقيق النتيجة، عبر موازين وحسابات الربح والخسارة، بينما في العمل الدعوي تتلاشى أهمية النتيجة أمام التضحيات مهما كانت جسيمة.

الربيع العربي وامتحان التطبيع

أظهر الربيع العربي مدى عطش الشعوب العربية للحرية والكرامة واستعدادها للتضحية من أجلهما. وهبت رياحه بما يتوافق مع تطلعات الحركات الإسلامية، التي نالها القسط الأكبر من جور الأنظمة الحاكمة.

لذلك كان طبيعيا أن نجد تلك الحركات، على اختلافها، في مقدمة الثائرين والمناضلين المنخرطين في ثوراته، كما منحتهم خبرتهم بالتنظيم والعمل الجماعي أولوية في قيادة الأحداث.

لكن رياح الربيع العربي اصطدمت برغبة واشنطن في إعادة تشكيل العالم وفق رؤيتها ومصالحها كإمبراطورية تقود العالم بمفردها.

في كتابه “عالم ما بعد أمريكا” يُشير الدكتور فريد زكريا إلى أن نهوض العالم ما هو إلَّا نتيجة للأفكار والسلوكيات الأمريكية، وأن العالم يسير بالضرورة على نهج الولايات المتحدة، لتصبح الدول أكثر انفتاحا وديمقراطية، والموضوع لا يتعلّق بوجود أو انعدم النوايا الشريرة، بل بـ”فلسفة إصلاح العالم”، فالولايات المتحدة تنظر إلى العالم الخارجي بوصفه جزءا من أمنها الداخلي، لذلك تتّجه لتوسيع سلطتها السياسية والاقتصادية، وتضغط لتغيير النظام الدولي لتضمن أمنها ومصالحها المتسعة دومًا.

واجه الإسلاميون، كما الربيع العربي، عائقين أساسيين، الأول هو الثورة المضادة التي أشرف عليها النظام العربي المؤسس. أما الثاني فبرز عبر سعي واشنطن وغيرها من القوى الإمبريالية لتطويع ثورات الشعوب العربية بطريقة تخدم مصالحها، التي قد تتقاطع مع تلك الثورات في بعض المشاكل، لكنها تختلف في الهدف النهائي.

وهذا ما أجبر الثورات على خيارين أحلاهما مر. فإما التفاهم وتقديم تنازلات لبقايا الأنظمة القديمة التي أطاحت بها، أو الدخول في حرب أهلية بالوكالة عن القوى الاستعمارية العالمية.

ولأن التطبيع فُرض على دول عربية فرضا من إدارة ترامب بالطريقة الترامبية الخشنة، اضطرت الحكومات والأحزاب المنضوية في العملية السياسية، أيا كانت اتجاهاتها وانتماءاتها، للتوقيع على مذكراته.

يدرك الجميع استحالة نفوذ التطبيع إلى الشارع العربي، لكن الإسلاميين اختاروا الدخول في حرب جدلية بينية أثبتت مرة أخرى البون الشاسع بينهم وبين الممارسة السياسية الواقعية.

سياسيا، مثلا، ثمة تشابه بل تتطابق بين الظروف والدوافع والموجبات التي أجبرت المرحوم نجم الدين أربكان على التوقيع على قرارات 28 شباط 1997، وتلك التي أجبرت العثماني على التوقيع على مذكرة إعادة العلاقات مع إسرائيل، وكذلك تلك التي دفعت حركة “حماس” لبناء علاقات تعاون مع إيران، التي تقود مشروعا مدمرا للوجود العربي بالمنطقة.

فجميعها ظروف استثنائية اضطرارية فرضتها الحاجة الماسة. لكننا شاهدنا حملة ضد العثماني؛ لتوقيعه المذكرة.

الذين هاجموا العثماني لم يبدوا أي اعتراض على توقيع أربكان على قرارات 28 شباط، ولم يطالبه أحد وقتها بالاستقالة. قد يتفهم الإسلاميون السوريون علاقة حركة “حماس” الملتبسة بطهران، لكن من العسير عليهم هضم قيام قيادي بالحركة الفلسطينية بمغازلة بشار الأسد، الذي يصفونه بـ”سفاح العصر”.

رأينا أبناء المدرسة الواحدة قدموا وصفات مختلفة لحالات متشابهة ومتطابقة، مما ساهم في إضعاف مصداقية الإسلاميين في الساحة السياسية.

خصوصية الحالة التركية

دوما، شكلت الحالة التركية مصدر إلهام للدول الإسلامية ونموذجا حضاريا يحتذى به، سواء على صعيد علاقة الإسلاميين الأتراك مع دولتهم وإسهاماتهم في تطوير العملية الديمقراطية، أو مشاركتهم في قيادة دفة الحكم وإدارة الدولة والسلطة بكفاءة ونجاح شهد به العدو قبل الصديق.

ما يهمنا هنا ليس نمط ونموذج الأداء السياسي التركي، حيث تختلف الآراء والتفسيرات حوله. إنما التركيبة التنظيمية للقوى والأحزاب السياسية، من حيث تلبسها بالايدلوجيا وبعدها عنها.

يرى كثيرون، وخصوصا بالعالم العربي، أن حزب “العدالة والتنمية” التركي الحاكم حاليا ولد من رحم حركة “المللي جروش”، التي أسسها أربكان، وبالتالي فهو ينتسب للمدرسة الإسلامية. لكن واقع الحال غير ذلك.

صحيح أن الأسماء الثلاثة الأوائل الذين أسسوا “العدالة والتنمية” جاؤوا من خلفية إسلامية، إلا أن غالبية الكوادر الهامة الأخرى من رجال الدولة المخضرمين، الذين ساهموا في صعود الحزب ونموه ونجاحه في إدارة الدولة والسلطة، كانوا سابقا بصفوف “حزب الوطن الأم”، الذي أسسه المرحوم تورغوت أوزال، مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مما شكل فرقا جوهريا بين الأداء السياسي لـ”العدالة والتنمية” قياسا بحزب “السعادة” وقبله “الرفاه”، الذي كان يقوده أربكان.في الانتخابات، لا تتجاوز أصوات الأحزاب الأيدلوجية ما بين 5% و10%، في أحسن الأحوال. بينما الأحزاب الخدمية هي التي تكتسح الساحة، عندما تتوفر لها شروط النجاح الثلاثة، القائد الكاريزمي، والكادر الحزبي الكفء، والمشروع الوطني الذي يلامس حياة المواطن ويلبي تطلعاته. بالإضافة للظرف السياسي المناسب.




الترابيّ المفكر المثير والسياسيّ الثائر

تمرّ بنا هذه الأيام الذكرى الثالثة لوفاة المفكّر الإسلاميّ، والسياسيّ السودانيّ الدكتور: حسن عبد الله الترابيّ رحمه الله،  الذي يعدّ من مؤسّسي الحركة الإسلاميّة في السودان، ومن أكثر المفكّرين إثارة، وأجرأ السياسيّين صدعاً بكلمة الحقّ، 

وقد تجلّت شخصيّة الترابيّ في كثير من المحطات التي تمرّ بها، والأحداث التي صنعها أو ساهم في صنعها، ومن باب الوفاء للتاريخ العريض الذي سطّره الراحل، سنحاول في هذه الأسطر تناول بعض هذه الملامح، لما للرجل من أهميّة

كبيرة على مستوى السياسة والفكر والدعوة والعمل الاجتماعيّ، إذ إنّه من القلائل الذين يصدق عليه بحقّ قول القائل: وليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد

التشكّل الدينيّ والوطنيّ للترابيّ: 

لقد نشأ الترابيّ في بيئة علميّة صوفيّة، فوالده كان فقيهاً وقاضياً شرعيّاً، وعالماً وداعيّة صوفيّاً، وقد اعتنى به عناية  خاصّة ودرس على يديه كثيراً من علوم الشريعة واللغة العربيّة، حيث يقول عن نفسه: “كنت إذا عدت من الإجازة  المدرسيّة يأخذني هو- أي والده – ويحيط بي ويعطيني دروساً في العربيّة والشرعيّة بخاصة كثيفة، كما كان يوالي دروس الفقه للعامّة فضلاً عن القضاء”. وإضافة إلى ذلك حفظ القرآن ودرس الفقه، وتوسّع في الاطلاع على المذاهب الأخرى ومقارنتها منذ صغره، وجالس  عدداً من العلماء واستفاد منهم، كما استفاد من مجالس والده القضائيّة التي كان يحضرها بشكل شبه دائم، ولعلّ هذا ما  أكسبه حبّاً للقانون وتخصّصاً فيه.

تعرّض الترابيّ في بداية تعليمه الجامعيّ لتيّارين: تيّار بريطانيّ يريد صرف الجميع عن الهويّة السودانيّة، وإحلال الثقافة البريطانيّة بتفاصيلها المختلفة مكانها، وتيّار آخر يساريّ أصغر من الأوّل، وكان حينها التيّار الإسلاميّ في بداية تشكّله، وبحكم ثقافة الرجل الدينيّة لم يتأثّر بهذا التجاذب، بل ولّد عنده مناعة قاومت الكسر، وانفتاحاً على أدبيّات الحركات  الإسلاميّة المختلفة، ومن هنا بدأ تعرّفه على التيّارات الإسلاميّة والقراءة لها، هذا بالإضافة إلى ثقافته السودانيّة الأصيلة التي اكتسبها من أسرته العلميّة، ومن خلال تنقّله مع والده شرقاً وغرباً وجنوباً، إلى عدد من المناطق السودانيّة، وهذا  التنقّل أكسبه بعداً وطنيّا عالياً، ومعرفة بطبيعة السودان وتعقيدات القبيلة السودانيّة.

الترابيّ بين التنظير والممارسة:

لقد أتقن الترابيّ العلوم الشرعيّة والعربيّة وغاص في أعماق العلوم الإنسانيّة الحديثة، وأتاحت له تنقّلاته العلميّة بين السودان وبريطانيا وفرنسا، وإتقانه ثلاث لغات أجنبيّة، الاستفادةَ القصوى من الثقافات المختلفة، ومع هذا فهو ليس  رجعيّ النظرة، ولا منقطعاً عن الجذور كما يقول عن نفسه. تقلّد الترابيّ عدداً من المناصب القياديّة والسياسيّة، من أستاذ  جامعيّ بجامعة الخرطوم، إلى عمادة كليّة الحقوق، مروراً بوزارتي العدل والخارجيّة، ثم رئاسة البرلمان السودانيّ، إضافة إلى عمله  الحزبيّ في جبهة الميثاق الإسلاميّة التي تقلّد الأمانة العامّة فيها، ثمّ الجبهة الإسلاميّة القوميّة التي أسّسها، ثمّ حزب المؤتمر الشعبيّ،  وبعده المؤتمر الشعبيّ العربيّ الإسلاميّ، ولم تثنه هذه المهامّ وهذا الحضور الواسع في أكثر من ميدان عن القراءة والتأليف، سواء  في مجال الفكر أو السياسة، حتّى ظروف السجن لم تثنه هي  الأخرى عن أهدافه، واستطاع خلال فترة السجن التي قد تصل إلى اثني عشر عاماً تأليفَ عدد من الكتب، وقراءة الآلاف، وهذا ما  جعل الأستاذ راشد الغنّوشي يشبّهه بابن خلدون، لجمعه بين التنظير السياسيّ والممارسة السياسيّة في آن واحد.

لقد كان الترابيّ رجلاً عمليّاً قلّ نظيره، عاش مثقلا بهموم وطنه  وأمّته، ولم يثنه طول عمره، وتقدّم سنّه وظروفه الصحيّة ومكر  خصومه وظلم أصدقائه، من مواصلة مسيرة الإصلاح والعطاء  والتجديد والتوحيد إلى آخر رمق من حياته، وكان آخر مشروع  عمل عليه هو إعادة لملمة صفوف النخب السودانيّة، وجمعهم على طاولة واحدة للحوار والمناقشة، وصناعة مستقبل السودان من جديد، وكان الأجل قد داهمه قبل أن يكمل المشروع، ولعلّ عقلاء  السودان يجدّدون هذه الفكرة، ويحملون هذه الأمانة التي ألقى بها  الراحل على كواهلهم للخروج بالسودان من محنته.

الترابيّ بين الفكر والسياسة:

مارس الترابيّ العمل السياسيّ عن قرب قائداً حزبيّاً ومنظّراً سياسيّاً ومعارضاً شرساً، إضافة إلى توّليه عدداً من المناصب السياسيّة،  وأتاح له تخصّصه في الحقوق، وخبرته في الفقه الدستوريّ  المشاركةَ في كتابة بعض الدساتير في عدد من الدول العربيّة،  وتأليفه عدداً من الكتب في مجال السياسة، ومنها كتاب “السياسة  والحكم” وهو من الكتب التي ألّفها في السجن، ويعدّ خلاصة  لتجربته السياسيّة والفكريّة معاً، إضافة إلى ذلك شارك الترابيّ في تقنيين أحكام الشريعة الإسلاميّة، واستطاع نقل ما يدور في أدبيّات  الحركات الإسلاميّة عن تحكيم الشريعة إلى واقع عمليّ، كما حصل في السودان أو في باكستان في زمن ضياء الحقّ، ولقد تجاوز  مجال اهتمام الترابيّ حدود السودان، بل وحدود العالم العربيّ.  تميّز الترابيّ بعدد من الميزات منها عدم الاهتمام بالمظاهر  والأشكال والغوص في المضامين والمقاصد، خاصة فيما يتعلّق بالعقائد والعبادات، ويتّضح ذلك من خلال كتاباته كما في كتابه “الإيمان وأثره في حياة الإنسان” الذي لم يناقش فيه تفاصيل العقيدة، ولا الخلاف في الأسماء والصفات وموقف بقيّة الفرق منها، وإنّما ناقش فيه كيفيّة انعكاس الإيمان على أداء الإنسان وعبادته وعمله وسلوكه، وكذا كتابه “الصلاة عمود الدين” الذي ابتعد فيه عن جدليّة الأركان والشروط والواجبات والسنن، وغاص في معاني الصلاة ومقاصدها وأسرارها وحِكَمِها، وهكذا كان الترابيّ يركّز على الأبعاد الداخليّة للأشياء أكثر من تركيزه على الأبعاد الخارجيّة، ليس انتقاصاً لها، وإنّما لعزوف بعضهم عن الأولى.

لقد كان الترابيّ مفكّراً سابقاً لا فقيهاً لاحقاً، وهذا هو سرّ تميّزه ومنه أوتي، ولعلّ رأيه الشهير حول جواز بقاء زوجة الكتابيّ في عصمته إذا أسلمت، وخافت على أسرتها من التشتّت، وطمعت في إسلام زوجها، يوضّح هذا الموضوع، فقد سُئل الدكتور في أثناء محاضرة له في مؤتمر حول الأسرة بولاية “ميشيغان” الأمريكيّة عام 1980م، من قِبَل امرأة أسلمت وتطمع في إسلام زوجها، فلم يقطع لها الدكتور برأي، بل دعاها للتفكير في حال مجتمع جديد يشبه حال المجتمع الإسلاميّ الأوّل، بما يعني بقاءها في عصمة زوجها، وهو الرأي الذي لقي استنكاراً عالياً، وفي عام 2003م أقرّ المجلس الإسلاميّ الأوروبيّ رأي الترابيّ بعد ثلاثة وعشرين عاماً، وطلب الدكتور القرضاويّ أن تذيّل الفتوى بتقديره الشخصيّ وشكره للترابيّ الذي سمع منه هذا الرأي قبل عقدين، وأنّه عثر عليه بعد ذلك في كتاب “إعلام الموقّعين” لابن القيّم الجوزيّ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على سعة اطلاع الرجل، وحضور مقاصد الإسلام العليا عنده، وتحلّله من ربقة التراث، ولعلّ هذا ما جعل الدكتور طه جابر العلوانيّ يفضّل للترابيّ الاهتمام بالمجال الفكريّ أكثر بعد أن أرهقته السياسة وتبعاتها. لقد كان الدكتور الترابيّ يتمتع بهمّة عالية ونشاط دؤوب، وشجاعة نادرة وعناد مستنير وتواضع جمّ وحلم كبير، وهذه الصفات جعلت منه شخصيّة نادرة عصيّة على الانكسار، بل جعلت منه مفكّراً متميّزاً، ينزعج منه جميع الإسلاميّين والعلمانيّين في وقت واحد، والأغرب من هذا أن يراه بعض السلفيّين الابن الروحيّ للغرب، وحَكم بعض منهم بردّته، بينما يراه المجتمع الغربيّ المرشد الروحيّ للإرهاب، وهي لعمري مفارقة عجيبة تدلّ على مدى تجرّد الرجل وسداده.

الترابيّ بين التجديد والتوحيد:

لقد عاش الترابيّ مولعاً بالتجديد، وقدّم عدداً من الأطروحات العمليّة في هذا الموضوع منها، “قضايا الوحدة والحرّيّة” و”تجديد أصول الفقه” و”تجديد الفكر الإسلاميّ” و”الأشكال الناظمة لدولة إسلاميّة معاصرة” و”تجديد الدِّين” و”منهجيّة التشريع”، حاول من خلالها أن يقدّم رؤية علميّة لتجديد الدِّين، وهذه الرؤية لا شكّ أنّها تحتاج لدراسات علميّة جادّة، وقد تؤسّس لثورة تجديديّة معاصرة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ للترابيّ آراء انزعج منها الوسط الفقهيّ، وجعلت بعضهم يتّخذ منه موقفاً سلبيّاً قبل أن يتعب نفسه في قراءة ما كتب، ومناقشة ذلك في ضوء نصوص القرآن والسُّنَّة بعيداً عن فهوم السلف وتقليد الخلف، لأنّ إرث الرجل سواء النظريّ أو العمليّ يحتاج إلى قراءة جادّة ونقد علميّ بصير، بعيداً عن الاتهامات المسبقة والأحكام الجاهزة، فالرجل لم يكن فوق النقد، ولن يكون في يوم من الأيّام، ولعلّ ممّن ناقش بعض هذه المسائل، الدكتور: محمّد المختار الشنقيطيّ في رسالته الشهيرة بـ: (آراء الترابيّ من غير تكفير ولا تشهير) وهي رسالة مفيدة إلا أنّها مختصرة.

لقد كان الترابيّ ينطلق في كلّ أعماله من معنى التوحيد الشامل الذي يكمن في إخضاع الحياة وكلّ ما فيها للخالق سبحانه، وهذا هو معنى التوحيد الذي ناضل في سبيله، وجاءت كتبه وبخاصة “التفسير التوحيديّ” مطابقة لهذا الفهم الواحد للإنسان والكون والحياة، الفهم الذي يرى أنّ للدِّين علاقة بالدنيا، وللدنيا علاقة بالدين بحيث لا يقوم واحد منهما دون الآخر، ومن هنا فإنيّ آمل أن يجد كتاب التفسير التوحيديّ من يكمل الجزء الثالث منه الذي مات مؤلفه قبل أن يكمله.

لقد كان الترابيّ مناضلاً صلباً ومصلحاً صابراً، قدّم الكثير لأمّته وشعبه، ومرّ بعدد من المحطّات، أصاب في بعضها وأخطأ في بعضها الآخر شأنه كشأن أيّ بشر، وعزاؤنا أنّه لم يكن داعية هوى، ولا طالب شهرة، تشهد له بهذا المراحل التي مرّ بها والمشاقِ التي عاناها ونوعيّة الإنجاز سواء على مستوى الفكر أو الممارسة، فرحمة الله تتغشّاه، وأسكنه فسيح جناته.




إلى متى ستبقى ثورتنا بلا قائد وسياسة التخوين تحكمنا ؟!

أحلام باسمة في واقع مؤلم:  

في كل يوم يستيقظ أهلنا في سورية، على أمل بفجر جديد باسم، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، فإذا بفتنة جديدة تخرج لتقطع نياط آمالهم وتقلب الموازين فتزيد في همومهم، حتى تضيق عليهم الأرض بما رحبت، عندئذ يصبح عيشهم في أوطانهم واقعًا ميؤسًا منه، وحالًا لا أمل فيه ولا رجاء.

أهمية القائد:

منذ بداية ثورتنا المباركة وبلادنا تعيش مخاضًا صعبًا، في اختيار القادة المناسبين لحمل هَمّ البلاد والعباد، من سياسيين وعسكريين وفي كثير من شؤون الحياة. 

والقيادة ركن رئيس في تسيير وتيسير الأعمال، والقيادة المناسبة هي اللبنة الأولى والعامل الفعّال في نجاح كافة الأمور، فكيف إن كان هذا العمل هو قيادة البلاد ورعاية العباد؟ فمن الأولى وقتئذ اختيار الشخصية المناسبة القادرة على حمل هذه المهمة على محمل الجد، والاجتهاد قدر المستطاع في إنتاجها وصناعتها، ولا يعرف التاريخ قيام أمّة ونهوضها بلا قائد يأخذ بزمامها، وكذلك لا تسير سفينة بلا ربان.

وسورية بلد عظيم بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهذا البلد غني بالطاقات الهائلة، وسخي بالإمكانات الرائعة، ومنتج للعبقريات الفريدة، ومصنع للشخصيات القيادية النزيهة، فأين كل هؤلاء في قيادة الثورة؟! 

لقد تعقّدت الأحوال في الشأن السوري وتشابكت، وزاد هذا التعقيد بقاء مقعد القيادة لثورتنا شاغرًا، إضافة إلى عجز شعبنا الذي كسر لجام القمع وأغلال القهر  في إيجاد قائد يُمثله، يقود البلاد إلى جادة الصواب. 

شخصية القائد المطلوبة: 

والأهم في الموضوع أنّ كثيرًا من فئات شعبنا غرقوا في شخصية القائد المثالية، كما أُغرِقوا أمس في شخصية الأسد الحضيضية، وأخذتْ أذهانهم تتفتق بمن يدير السفينة، فحلموا بالعبقري المتزن، والأديب الورع، والسياسي المحنّك، والعالم الملهم، والحكيم الحاذق، وزدْ على ذلك مئة صفة وصفة، فاجتماع هذه الصفات في شخصية واحدة أمر قريب للمحال، فلا ريب أن الجميع يريد الرجل المناسب لقيادة ثورتنا والتحدث باسمنا، ولكن لنكن واقعيين، بعيدين عن الأحلام والمثاليات، فمن منّا كامل الأوصاف؟ ومن منّا صاحب شخصية خالية العلام؟ ومن منّا يملك تلك الشخصية القيادة الملهمة المعصومة عن الأخطاء؟ الجواب: أنّ هذه الشخصية غير موجودة في أرض الواقع أبدًا، لا إسلاميًا ولا عربيًا ولا عالميًا. 

تكسير المجاديف:

ما نلبث أن نجد شخصية أو كيانًا يمثل شعبنا فإذا بمئات الألسنة المتعالية، والتصريحات اللاذعة، والتقارير المسمومة، تجرد سيوفها للنيل من تلك الشخصية، فلا يبق له عيب إلا وأظهروه، ولا مثلبة إلا وأبرزوها، ولا بائقة إلا وألصقوها به، عدا الافتراءات التي تنهش لحمه، وتقدح بعرضه، وتسيء إلى نسبه. ولا ننكر وجود بعض الشخصيات المتسلقة والمأجورة والعميلة، التي تعتاش على ثورتنا، ووجود تلك الشخصيات المريضة لا يعني أبدًا أنّ جميع فئات شعبنا مريضة أيضًا، فالتعميم ظلم عظيم علينا اجتنابه. 

لا ننكر على الشعب حرية اختيارهم واعتراضهم على أي قيادة كانت، فالاختيار يكون عن طوعية مطلقة دون قيد أو شرط، أما الاعتراض فيكون عن أدلة تُبين سبب الرفض والمعارضة، فاختيارك أنت حرٌ  فيه، وكذلك الاعتراض إن بينت أسباب ذلك بشكل واقعي ومنطقي، فالحكم بالأهواء والتبعيات آفة خبيثة، وخاصة أنّنا نتكلم عن مصير أمّة لا بشأن خاص.

أسباب ظهور سياسة التخوين:

أولًا: أنّ الحرب على أحرار سورية وثوارها حرب شاملة، والتخوين وسيلة سهلة من وسائل هذه الحرب، فبعض جنود أعدائنا قد يلبس ثوب الثورة على أنّه منها، وهو في الحقيقة عميل للنظام، هدفه ضرب القيادات واستهدافها بنشر الأخبار الكاذبة في تخوينها، فيُبعد الثوار والمجاهدين عن قيادتهم ويُشككهم بقادتهم، ليكون التخوين من أشدّ أنواع الأسلحة فتكًا وأمضاها في شيطنة القيادات، وإظهارهم على أنّهم ذئب في ثوب حَمل.

ثانيًا: غفلة بعض فئات الشعب في التعامل مع الأحداث، فينقلون ما يسمعون دون دراية أو وعي أو تثبّت، بتصديقهم كل شاردة وواردة، ونقلهم ما يَبثّهُ الأعداء من الشائعات، وظنّهم السوء بقياداتهم، فيكونوا بذلك وسيلة غير مباشرة لكسر جبهتهم واختراقها وإضعافها.

ثالثًا: عدم ثقة أبنائنا بكثير من القيادات، بسبب ظهور خيانات حقيقية من بعض الشخصيات، فكانت ردة فعل الشعب تعميم الخيانة على جميع القادة، وهذا ما جعل ثقتهم بالقيادات الصادقة مزعزعة. 

رابعًا: قلة التجربة السياسية لدى أبنائنا، فمجال السياسة يتطلب منها الجلوس مع كافة الجهات السياسية الأخرى حتى لو كانت مُعادية، في إطار المفاوضات أو الاتفاقيات أو عقد الهُدن، أما الشعب فيتعجّل في أحكامه، على أنّه تواطئ وتخاذل وبيع وتنازل واستسلام، وهذا أمر خاطئ، فإنّ اللقاءات التي تجمع الخصوم لا يُفهم منها التخاذل دائماً، فالسياسة تقبل الأخذ والرد والنقاش والجدال والواسطة. وأقول: أن السياسة ليست موفقة دائماً في صواب القرار، فهناك الكثير من القرارات السياسية مجحفة وظالمة في حق الشعب، ولكن هل الصواب أن ينتج عن هذه القرارات ردة فعل شعبية تُخوّن المُقرّين؟  

خامسًا: سلاح الإعلام المعادي الذي يُسوّقه، فيقلب الحقائق ويزيف الأحداث، إضافة إلى ضعف الإعلام الثوري والجهادي، الذي يُقصّر في نقل الحقيقة، ودحض الافتراءات.

سادسًا: وجود بعض مرضى القلوب (مع الأسف) المصابين بأمراض الحسد والبغضاء والضغينة والكبر، تراهم يقفون بوضعية الرامي، فما أن يرفع شخص رأسه من مقام القيادة إلا ويقنصوه قدحًا وتخوينًا وتجريمًا، بدافع الكبر والحسد والبغض، وهذه من مورثات الجاهلية الباقية فينا، ولم نستطع التخلص منها.  

الحلول والوصايا:

إنّ عظمة شعبنا تتجلى في حبّه للتحرر، ورفضه للظلم والذل، وثباته على أهدافه في نيل حقوقه المشروعة، ولكي يَصل إلى مُبتغاه عليه أن يُهيئ نفسه للخروج من الضعف الذي يحيط به، والبداية تكون في اختيار شخصية من أبناء شعبه تمثله، على أن يتخلى عن مثالية القائد في مطالبه، وأن يَغضّ الطرف عن الصفات الرفيعة المرجوة لمن يتولى الأمور، فالكمال لله عز وجل، ولا تخل إدارة عن القصور، ولا رياسة عن الضعف، ولكن تعميم البلاء بلاء، وتقزيم الخامات عجز، وعليه أن يظنّ بأبنائه الظن الحسن، دون المبالغة في التسليم والإجحاف في النقد، مع تيقظه لأي خلل يصدر من قائده ليبادر في تنبيهه ونصحه وتذكرته، ويبدي الجهود المطلوبة متعاونًا معه في البناء والإصلاح، وعلى الشعب أن يمنح الوقت الكافي لمن أسلمه القياد، فلا يستعجله في أمر يسعى لبلوغه، ولا يثبّطه في شأن يرنو ويطمح إليه فيه غنيمة للبلاد والعباد، والنجاح لا يكون إلا بالعمل الجماعي الذي يقوم به الجميع دون استثناء، فيحمل القويُ الضعيف، ويعذر القادرُ العاجز، فبلادنا بحاجة لجميع طاقاتها، وشعبنا معطاء ومخزن طاقات نادرة لا مثيل لها، وينتظر من يشعل فتيله، ليتوهّج وينشر شعاعه كالشمس تجود بنورها على كل الأمم.  

اختيار القائد:

إنّ شخصية القائد أو الرئيس تظهر للعيان من خلال أعماله ونشاطاته المتميزة عن غيرها، أو من خلال مشروعه الذي يقدمه بين يدي ترشحه، أو من خلال كفاءته واجتهاده وجهاده، ثمّ تقوم لجنة بجمع هذه الشخصيات المتماثلة أو المتقاربة بالأداء أو المتقدمة لهذا المنصب، فتكون الكلمة الأخيرة لما ينتج عن مجلس الشورى، أو الانتخابات الشعبية أو النيابية حسب النظام الدستوري، وهكذا يُمنح مقعد الولاية لمن ظفر بمعظم أصوات اللجنة أو الشعب أو المجلس.   

أنّ واقع التخوين والتهمة والتهميش والتقزيم لكل من حمل على عاتقه هموم هذا الشعب في استلام سدّة القيادة، سواء كان مؤهلاً أو  لا، خطأ جسيم وجريمة كبيرة، فإنّ التشدد والغلو لا ينتج خيراً على الإطلاق، ولن يكون لهذا الشعب رئاسة أو قيادة طالما بقيت هذه السياسة العقيمة قائمة على حالها.




علي عزت بيجوفيتش

في الثالث والعشرين من شعبان سنة 1424هـ، والتاسع عشر من تشرين الأوّل/اكتوبر سنة 2003م، فَقَدَتِ البوسنة والهرسك، وفَقَدَ المسلمون؛ بل فَقَدَ العالَمُ كلُّه، رجلاً من أعظمِ الرجال، وأكرمِ الرجال: “علي عِزَّتْ بيجوفيتش” رحمه اللهُ تعالى، بعد نَحْوِ ثمانيّة وسبعينَ عاماً قضاها في رِحْلَةِ الحياة، ورحلةِ العلمِ والعملِ والفكرِ والجهاد.

كانَ علي عِزّتْ بيجوفيتش عظيماً في إيمانِه، وصِدْقِهِ وإخلاصِه، عظيماً في إبائِهِ واستقامتِهِ وأخلاقِه، عظيماً في عِلْمِهِ وفكرِهِ وإرادتِهِ، عظيماً في جهادِهِ وصبرِهِ وتضحيتِه..

رفض الانقياد إلى الفاشيّة أو الشيوعيّة، أيّامَ سَطْوَةِ الفاشيّة والشيوعيّة، في أثناء الحرب العالميّة الثانية وبَعْدَها، واختارَ لنفسِهِ طريقَ الإسلام، وما كانَ أصْعَبَ طريقَ الإسلام، وأخطرَ السَّيْرَ فيه، وأفدَحَ ما كانَ يُصيبُ المستقيمينَ عليهِ مِنَ الشدائدِ والمصائِب..

دخلَ السجن أكثرَ من مَرَّة، وقضى فيه سنواتٍ من عمره، ولاقى فيهِ وخارجَهُ ما لاقاه، في ظِلِّ الحكمِ الشيوعِيّ، والتعصُّبِ القَوْمِيّ، وإهدارِ القِيَمِ الإنسانِيّة والقوانين، وعَمِلَ علي عزت بيجوفيتش للإسلام ناشئاً، وعَمِلَ له شيخاً مُسِنّاً، عَمِلَ للإسلامِ صَحيحاً قويّاً، وعَمِلَ لهُ مريضاً ضعيفاً، عَمِلَ للإسلام على الصعيدِ الفكريّ والثقافيّ والتربَوِيّ، وعمل له في ميادينِ القتالِ والجهاد، عمل شَخْصاً عاديّاً، وعمل قائداً سياسيّاً وشعبيّاً، وعمل رئيساً لِلْجمهوريّة، وبَقِيَ في ذلك كُلِّهِ هو هو، المؤمن التقيّ النقيّ الذي لا يتخلّى عن مبادئ الإسلامِ وقِيَمِهِ حَتّى في أظلمِ الليالي، وأصعبِ الظروف، التي تُبَرِّرُ في مواجهةِ العُدوانِ الصِّرْبيّ الكرواتيّ الوحشيّ كُلَّ ضَرْبٍ من ضُروبِ رُدودِ الفعل مهما اشتدَّتْ رُدودُ الفِعل.

ويكفي أنْ أشيرَ هُنا إلى أنَّهُ في الوقت الذي كان يُذبحُ فيهِ المسلمون المُجرّدون من السلاح، رجالاً ونساءً وأطفالاً، بالمئاتِ والألوف في المناطق الصِّرْبيّة أوْ الكرُواتيّة، أوْ يُدفنونَ في مقابر جماعيّة وهُمْ أحياء، وفي الوقت الذي كانت تُهَدَّمُ فيه مساجدُهُم، وتُحْرَقُ كُتُبُهُم ومكاتبُهم، وتُمْحَى مَعالمُ تاريخِهِم وحضارتِهِم.. في هذا الوقت لم تُهْدَم في “سراجيفو” عاصمة البوسنة والهرسك كنيسة واحدة بأيدي المسلمين، ولا مَعْلَم من مَعالم الحضارة والتاريخ، ولم يـُنـْتَـقَـمْ مِنْ أحَدٍ مِنَ الصِّرْبِ والكرُوات الذين يعيشون بين المسلمين.

إنّ الوجودَ الإسلاميّ في البوسنة والهرسك لَيَدينُ في استمرارِه -مهما كان شكلُ هذا الاستمرار- لِعَلِي عِزَّتْ بيجوفيتش العالِمِ والمُرَبّي والمفكِّر والقائد ورئيس الجمهوريّة..

وإنّ السلام في البوسنة والهرسك -على عِلاّتِه- لَيَدينُ بالكثير لهذا الإنسانِ العظيم، وإنّ الإنسانيّة والقيَمَ الإنسانيّة لَتَدينُ للإسلامِ، كما تَجَلّى في حياةِ وتَصَرُّفاتِ هذا الإنسان العظيم.

ولذلك كلِّهِ فنحنُ نَفْهَمُ حَقّ الفهم ما قاله “عدنان ترزيتش” رئيس الحكومة المركزيّة في البوسنة عَقِبَ وفاةِ عِزَّتْ علي بيجوفيتش:

„علي عزّت بيجوفيتش هو أبو البوسنة، وأبو الدفاع عنها، وأبو الديمقراطيّة وحُقوقِ الإنسانِ فيها. إنّهُ أعظمُ شخصيّة عَرَفَها تاريخُنا منذ ألف عام“

ونفهمُ ما قاله رئيسُ الوزراء البوسني الأسبق: “حارث سيلاجيتش” الذي كان يختلف معه في بعض النهج:

„علي عزت بيجوفيتش رجل تاريخِيّ وَضَعَ بَصَماتِهِ بثبات ليس على الماضي والحاضرِ فحسب؛ بل على المستقبل أيضاً“

رحم الله المسلمَ الصالح والزعيمَ الصالح والرئيسَ الصالح: علي عزت بيجوفيتش، وعوّضَهُ الجنّة، وعوّض المسلمين والعالم منه أحْسَنَ العِوَض.




ظاهرة الإلحاد ومسؤوليّة علماء الأمّة

هل يمكن -كما يقول السؤال- أن يكون العلماء والدعاة سبباً مباشراً في انتشار الإلحاد؟ الجواب: لا يمكن أن يكونوا كذلك، كيف وهُم الدعاة إلى نقيضه، إلى الإيمان؟ لكنّهم يمكن أن يكونوا -أو يكون بعضهم- سبباً غير مباشر في انتشار هذه الظاهرة، إمّا بعجزهم عن تقديم أجوبة مقنعة على شكوك الشباب وتساؤلاتهم، أو بالدفاع عن بعض ما في تراثنا من هفوات وهنوات تحتاج إلى مراجعة وإصلاح، بل ومحاربة المصلحين الذين يسعون إلى الإصلاح بإخلاص، أو بالاصطفاف مع الطغاة والدفاع عن المستبدّين، ممّا يصنع ردّة فعل باتجاه الابتعاد عن الدين الذي يمثله “أولئك العلماء”.

على أنّني أجد أنّ السؤال نفسه ليس مهمّاً، فتوزيع المسؤوليّة عن هذه المشكلة بين العلماء وغيرهم لن يحلّها، ولن يُعيد الملحدين والشاكّين إلى الإيمان، المطلوب هو علاج الظاهرة، فيتغيّر السؤال من: “هل العلماء مسؤولون؟” أو: “مَن المسؤول؟” إلى “ما أسباب المشكلة وما العلاج؟”

وأوّل خطوات العلاج هو التشخيص، فما لم يكن التشخيص صحيحاً لن يصحّ العلاج، فالطبيب الحاذق لا يصف للمريض دواء لتخفيض الحرارة، ويتغافل عن سببها، بل يهتمّ بمعرفة السبب الذي رفع حرارة البدن، ثم يبحث عن العقّار الذي يعالجه، فتزول الحرارة بزوال أسبابها الحقيقيّة، ولا تعود إلى الظهور بعد بضع ساعات.

يجب علينا أن نفهم ظاهرة الإلحاد، وأن نعرف أسبابها قبل أن نبدأ بالعلاج، وعند البحث سنجد أنّ الإلحاد ليس شكلاً واحداً، بل هو أربعة أنواع، لكلّ منها سببه وطريقة علاجه.

النوع الأوّل هو “الإلحاد النفسيّ”، وهو ليس إلحاداً على التحقيق، بل هو أقرب إلى الغضب، وردّ الفعل، بسبب ما يصيب الإنسان من بلاء، وكلّما زاد البلاء زادت قوّة ردّة الفعل، فممّا هو مقرّر في العلوم النفسيّة أنّ “الظروف المتطرّفة تنشئ استجابات متطرّفة”. نعم، هي متطرّفة في درجتها، ولكن لا يمكن التنبّؤ باتجاهها، فهي تجنح إلى أحد طرفَي ردّة الفعل وليس إلى أحدهما حصراً. مثال: الرعب الشديد في ساعة الكارثة قد ينتج عنه شلل كامل وعجز عن التصرّف، أو نشاط يفوق الحدّ، ويدفع إلى تصرّف يتجاوز القدرات البشريّة العاديّة.

كذلك البلاء الهائل: إمّا أن يَنتج عنه إيمان صوفيّ عميق، أو إلحاد وإنكار للقوّة الكليّة الرحيمة التي يمثّلها الإله الكامل. في كتابه “مشكلة الشرّ” (وهو من الكتب التي عالجت هذه المشكلة بعمق وشمول) وصف المؤلّف دانيال سبيك ما حصل مع أب وأمّ بعد غرق ابنتهما الصغيرة في المسبح، وكان كلاهما من المسيحيين المتحرّرين قبل الحادثة، فقد انقلبت الأم إلى تديّن أشبه بتديّن الراهبات، فيما ألحد الأب وكفر بالإله وخرج من الدين.

هذا النوع من الإلحاد يفشو في حالات الكوارث العامّة، التي يعمّ فيها البلاء، ويتجاوز حدودَ الاحتمال، كما في سوريّة اليوم، فقد تحوّل الإلحاد مؤخّراً من حالات فرديّة إلى ظاهرة عامّة، ولكنّه ليس إلحاداً مقلقاً على المدى الطويل، فحيث إنّه “استجابة نفسيّة لحال طارئة” فإنّه ينحسر بانحسارها، وأتوقّع أن يعود أكثرُ الملحدين النفسيّين إلى الإيمان آجلاً أو عاجلاً، ربّما في عشر سنين من الآن (أعني الغالبيّة منهم، فلا بدّ أن تبقى منهم بقيّة لن تعود أبداً إلى الإيمان للأسف الشديد). وسوف تعتمد عودة هؤلاء الناس إلى الدين على تغير الظروف وانكشاف البلاء، وعلى جهود الدعوة التي يبذلها العلماء والدعاة إذا وسّعوا صدورهم وأحسنوا الخطاب.

النوع الثاني هو إلحاد ردّة الفعل، فهو ليس موقفاً من أصل الدين، بقدر ما هو موقف رافض لطريقة عرض الدين، أو لحَمَلة الدين والناطقين باسمه، وضحاياه من العوام أو من الذين يعانون من “كسل عقليّ”، فهؤلاء لا يتقنون فنّ الانتقاء، والقدرة على التمييز بين ما يُؤخَذ وما يُرَدّ، أو أنّهم لا يحبّون أن يُتعبوا أنفسهم بالبحث والانتقاء، فهم يقبلون المنظومات كاملة أو يرفضونها كاملة، الدينيّة منها والاجتماعيّة والاقتصاديّة والعلميّة وسواها من المنظومات المعرفيّة، فإذا عانى أحدهم من بعض التقاليد البالية ثار على التقاليد كلّها ورفضها بخيرها وشرّها، وإذا وجد ما يخالف العقل والفطرة في بعض الأحكام الشرعيّة المقرّرة في بعض كتب القدماء نبذها بالجملة، وإذا رأى ما يعيب في سلوك ومواقف العلماء الذين يمثّلون الدين أسقط الدين كله.

هذا النوع من الردة تتحمّل المسؤوليّة عنه ثلاثةُ أطراف: الأوّل والثاني هما علماء السلطان وجماعات الغلاة، كداعش والقاعدة، هذان الطرفان قدّما لعوامّ الناس صورة مقزّزة منفّرة عن الدين، ولم يستطع كثيرون أن يدركوا أنّ ما قدّموه ليس هو الدين بل هو صورة سلبيّة سيّئة منه، فنبذوا علماء السلطان والتنظيمات الغالية ونبذوا معهم الدين كلّه.

الطرف الثالث: أهمّ بالنسبة إلينا، لأنّنا لا نملك السيطرة على علماء السوء، ولا على الغلاة ولا يسعنا إلا أن نتدارك أخطاءهم، ونعمل على تصحيحها ومحو آثارها السلبيّة.

الطرف الثالث هو ما يهمّنا، لأنّه هو نحن، نحن نمثّله، ونحن نملك مفاتحه، هذا الطرف الذي يتسبّب في نشوء وانتشار ظاهرة الإلحاد هم العلماء والدعاة الذين يتشبّثون ببعض ما ورد في كتب التراث من هفوات وهَنات تسيء إلى الإسلام وتنفّر منه أصحابَ العقول الواعية، وهي تحتاج إلى مراجعة وتصحيح باستعمال الأدوات الشرعيّة نفسها التي صنعها بها الأقدمون، فإذا جاء منّا مَن يصنع ذلك ويزيل اللّبس (وهو منّا، من داخل المدرسة الإسلاميّة، ليس عدوّاً ولا هو غريب عنّا) لقي من العنت والرفض من أصحاب المدرسة التقليديّة ما لا يوصَف، كما صنعوا مع اثنين من أهمّ دعاة العصر وأئمّته، الغزاليّ والقرضاويّ، عندما ناقشا بعض أحكام المرأة أو السياسة الشرعيّة التي أخطأ فيها القدماء، والأمثلة في هذا الباب لا تُحصى.

علاج هذا النوع من الإلحاد، يحتاج إلى صبر ووقت وسعة أفق، واستعداد للتخلّص من “رُهاب القدماء”، ورغبة في التجديد ضمن أصول الدين وقواعده الكلّيّة، ولا يكون إلا بالدعوة والقدوة والبيان، ونتائجه -غالباً- مثمرة على المدى الطويل بإذن الله.

النوع الثالث هو إلحاد الشهوة، وصاحبه أمّيّ بالدين، ولا يهتمّ بالفكرة الدينيّة أصلاً، ولا بعالَم الغيب، ولا يناقش الأفكار الميتافيزيقيّة من أساسها، إنّما هو صاحب هوى، يتبع غرائزه وشهواته وأهواءه، ويرى أنّ الدين قَيد مزعج، فهو يتحلّل من قيود الدين بإنكار الدين، ليس لأنّه لا يؤمن بالأفكار الدينيّة بل للفرار من تبعاتها وقيودها فحسب.

هذا النوع من الإلحاد ليس إلحاداً حقيقيّاً، بل هو إلحاد كاذب يتّخذه صاحبُه وسيلةً لتخليص نفسه من قيود الدين، ومن ضغط الضمير، وعلاجه يكون بالدعوة والإصلاح الأخلاقيّ، وغالباً يعود صاحبه إلى الدين عودة تلقائيّة مع تقدّمه في العمر، أو يعود إلى الدين فجأة بعد صدمة قويّة يحسّ فيها بالحاجة إلى الله، أو يعود مع الوقت من خلال التأثر التراكميّ بالموعظة والتذكرة والدعوة، وقد رأيت في حياتي الطويلة ما لا يُحصى من الأمثلة في هذا الباب.

النوع الرابع هو إلحاد العقل، وهو أصعب أنواع الإلحاد، بل يمكن أن نقول إنّه هو الإلحاد الحقيقيّ، بين الأنواع كلّها، وهو يتراواح بين ثلاثة مستويات: إلحاد الخالق، بمعنى نفي وجود الله جملة (atheist). والشكّ في وجوده، أو عدم الجزم، لا بوجود الخالق ولا بعدمه، وهؤلاء يسمَّون اللاأدْرِيّين (agnostic)، والاعتراف بالخالق مع إنكار الدين، وهؤلاء هم الربوبيّون (deist).

يؤسفني أن أقول: إنّ غالبيّة الدعاة الذين تصدّوا لمشكلة الإلحاد وتصدّروا لها أنفقوا كلّ وقتهم في النوعين الأوّل والثاني، وهما أقلّ الأنواع أهمّيّة على الإطلاق، حيث إنّ علاج مشكلة وجود الله سهل نسبيّاً، كما أنّ عدد الناس الذين ينكرون الخالق أو يشكّون فيه شكاً حقيقيّاً أقلّ بكثير من الذين يؤمنون بالخالق ولا يؤمنون بالوحي والرسالات.

نعم، المؤسف أنّ الغالبيّة العظمى من الدعاة والعلماء صرفوا جهدهم وأبحاثهم وكتاباتهم وأحاديثهم كلّها لإثبات وجود الخالق، ولنقد النظريّات الماديّة والتطوريّة، وغفلوا عن النوع الثالث، وهو الأكثر انتشاراً، والأصعب علاجاً على الإطلاق، حيث إنّ الربوبيين الذين يعتقدون بوجود خالق (ولكنّهم ينكرون عمله في الكون، وينكرون النبوّة والبعث والحساب) يبلغون أضعاف النوع الأوّل، وهؤلاء هم الأصعب إقناعاً، وهذه الحال هي الجديرة بالبحث والمتابعة وتوجيه الجهود لعلاجها. 

هذه أفكار مختصرة من بحث طويل ما زلت أشتغل فيه منذ بضع سنين، لعلّ الله يعينني على إتمامه ونشره غيرَ بعيد بإذنه تعالى، بتوفيقه عزّ وجل وبدعوات الصالحين والصالحات من أهل الفضل والمَكرُمات.




المقابلة شرق-غرب، لا يقرها الإسلام ولا الفلسفة

لست أدري ما مصدر المقابلة بين “فكر غربي” و”فكر شرقي” ولا خاصة خرافة الشرق شرق والغرب غرب التي يرددها بعض الغربيين وبعض الشرقيين؟

وفيم تتمثل غربية الفكر وشرقيته بحيث تصبح المقابلة بينهما وكأنها هي جوهر الفكر وليست صفة عرضية فيه قد يكون لكل منهما في إحدى مراحله مع الآخر؟

فلو اعتبرنا الشرق هو الحضارة الإسلامية -وهو غير صحيح لأن الشرق غير الإسلامي أكبر وأقدم وقد يكون ذا حضارة أبعد غوراً في التاريخ- والغرب الحضارة المسيحية ثم الأوروبية -وهو غير صحيح لأن أهم فكر حالياً هو ثمرة حصيلة كونية طابعاً الغالب هو هذا الغرب الحديث فإن المقابلة سطحية جداً.

وقبل الكلام على ما يجعلني أعتبرها سطيحة جداً فلأذكر بعامل مهم وهو أن العداوات الموجود في كلتا الحضارتين إن سلمنا بالتقابل أي في كل منهما ألف أمر أشد وأعمق من العداوات الموجودة بينهما، فلم يعرف العالم حرباً بين الحضارتين وصلت مستوى الحربين العالميتين في الغرب المزعوم واحداً.

وحروب المغول بين المشرقيين لا تقل فداحة عن الحروب بين الشرق والغرب مثلاً في عصر الدولة الإسلامية الأولى والثانية (الأموية والعباسية) ولا في الدولة الإسلامية الثالثة (العثمانية وما بينهما ضد الصليبيات والاسترداديات الأوروبية) ومن ثم فالصراع بين الشرق والغرب نسبي في التاريخ.

وأخيراً فالاستعمار الغربي الحديث شمل العالم كله ولم يقتصر على الشرق عامة ولا خاصة على الشرق الإسلامي، وإذن فخرافة المقابلة شرق وغرب من الأحكام المسبقة التاريخية وخاصة إذا طبقت على ما قبل الإسلام: فالمقدوني بشهادة أرسطو ليس غربياً وفارس ليست شرقية بل هما حضارتان ما بينهما، ولنأت الآن إلى السؤالين الأهم:

  1. ما الغربي في الغرب ليس شرقياً؟
  2. وما الشرقي في الشرق ليس غربياً؟

ألسنا نعتبر أن الحضارات لها أصلان إما ديني أو فلسفي وتطبيقات الأول الخلقية والروحية والاجتماعية وتطبيقات الثاني التقنية والعلمية والسياسية؟

حسن: هل يوجد عند الغرب دين غير ما جاءه من الشرق؟

وهل عندنا فلسفة غير ما ورثناه من اليونان وسيطاً وما نرثه من الغرب حديثاً إن صح أن اليونان والأوروبيون غربيون؟

حاولت أن أفهم هذه المقابلات السطحية فلم أجد لها أصلاً على الأقل في فكر ابن خلدون مثلاً: فهو لم يسم علم العمران وعلم الاجتماع مثل المتكلمين على علم الاجتماع العربي أو الإسلامي، ولا شيء يخرجني عن طوري أكثر من فلاسفة الخصوصية و”الحق في الفلسفة” والاختلاف.

يا أخي من منعكم أن تتفلسفوا إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً؟

وهل الاختلاف بحاجة لأن يطلب وهو دائماً حاصل مهما سيطر التقليد؟

ممن تطلبون هذا الحق؟

ثم متى كان العلم يعرف بموضوعه؟ فهل لأن العلم يدرس المجتمعات العربية يصبح علم اجتماع عربياً؟

وهل الكلام العلمي في الإسلام يصبح إسلامياً؟

إذا كان الكلام في الإسلام إسلامياً فهو ليس علمياً من حيث هو إسلامي بل هو إسلامي من حيث هو عقيدة.

لذلك فلست أفهم معنى “إسلامية المعرفة”، فلا هي معرفة ولا هي إسلامية، وقد كتبت في ذلك تعليقاً على كتاب الزميل والصديق لؤي صافي نافياً أن يبقى علم الاجتماع علماً إذا اعتبر أنه يتأسس على عقيدة دينية حتى لو كانت إسلامية.

لا أنفي أن يكون لمعتقدات العلماء أثر في فكرهم، لكن ذلك ليس المطلوب بل المطلوب محاولة وضعه بين قوسين ليس من حيث هو موقف وجودي عند صاحبه بل من حيث رد العلم إلى هذا الموقف، ولا أنفي أن يكون العلم قابلاً للتعريف بموضوعه. ولكن ليس من حيث هو علم بل من حيث هو تطبيق على حضارة محددة لعلم، وشتان بين الأمرين.

فتحديد مكان الظاهرة لبيان التخصص التطبيقي لا العلمية، وليكن مثالي ما هو أشد خصوصية في الظاهرة الدينية أعني الشعائر والعبادات، فخصوصيتها ليست هي طلب العلمي في علم الأديان بل ما في تلك الخصوصية يحقق الكلي في العبادات والشعائر، المشعرية والعبادية هي المطلوب فهمه علمياً في علم الأديان، وقس عليه مثلاً دراسة نظام الغذاء، فالمطلوب التغذية في المادة المعينة التي يستمد منها الإنسان السعرات الضرورية لقيامه العضوي، ما عدى ذلك متعلق بالذوق الذي هو ظاهرة وجدانية لا تنقال ومن ثم فهي ليست موضوع علم.

ومثلما أن “الموضوعية” مثال أعلى مستحيل التحقيق ولكن السعي إليها مطلوب فكذلك الكلي العلمي مستحيل التحقيق لكن السعي إليه هو المطلوب، ولذلك فالعلم سعي دائب نحو مثال الموضوعية ومثال الكلية بما يشبه التطهر من الذاتيات ومن الخصوصيات، فمن يتجاهل ذلك يؤمن بخرافة المقابلات التي وصفت.

هبني ضربت أمثلة من الفلسفة الوسيطة، فما الشرقي في فكر الفارابي وابن سينا وابن رشد مثلاً فكرهم الفلسفي وكلهم تلاميذ أرسطو وأفلاطون إن سلمنا بأن هذين غربيان، وكلاهمـا ينفي أن يكون غربياً وخاصة أرسطو كما هو بين من كتابه في أخلاق نيقوماخوس (ابنه) حيث ينفي أن يكون اليونان أوروبيين.

وما الذي يمكن أن اعتبره غربياً في فكر أي لاهوتي مسيحي سواء قبل الإصلاح أو بعده إذا اعتبرنا أن فكرهم الديني مستمد إما من التوراة أو من الأناجيل أو خاصة في بدايات تاريخهم النهوضي بعد الصدام مع الإسلام وتأثر فكرهم الديني بالفكر الكلامي والفلسفي الإسلاميين (مثال ذلك فكر ابن ميمون الذي يعتبره ابن تيمية غزالي اليهود)؟

وعندما أتكلم على الإسلام مثلاً فإن ما يبدو لي بدهياً هو أن الإسلام تمثله آيتان كلتاهما تنفي مثل هذه الخرافات:

  • ف {النساء 1} تعتبر كل الناس من نفس واحدة مع العلم أن الإسلام يؤمن بلا شرقية ولا غربية.
  • و {الحجرات 13} تعتبرهم متساوين ولا يتمايزون إلا بالتقوى وهو معيار خلقي قانوني معرفة ومعروفاً.

قد يختلف عنه من حيث هو مستعمل للعلم وليس من حيث هو مبدع له أو معلم. ومستعمل العلم إذا كان بحق حائزاً على أخلاق العلماء فهو واحد أيضاً في العالم كله. فأبوقراط لم يكن مسلماً لكنه يبقى المثال الأعلى في رسالة الطبيب، وكم من طبيب مسلم يكون أفسد خلق الله خاصة إذا رهن نفسه في مشروع مصحة.

لذلك فهذه الفروق الوهمية على الأقل في ما يخص العلم لا الذوق لا تدل على شيء آخر غير عقد نتجت عن علاقات غير سوية بين البشر، وقد صرت أعتبرها من علامات عقد الذين يقولون بها أكثر من دلالتها على شيء يمكن أن نعتمد عليه في الفصل بين البشر، وقد أختم بكلامي على ما يتهم به المستشرقون بحصر فكرهم في ما يستعمل فيه علمهم.

فلا فرق عندي بين استعمال الطب لعلاج المريض أو لقتله واستعمال علم الذرة لإنتاج الطاقة أو للدمار الشامل فكذلك الاستشراق، فهو محاولات لوصف حضارات ذات تعينات مختلفة طلباً للكلي فيها يمكن أن نحد نظريها عند أي عالم من الشرق يدرس حضارات الغرب بعين ترى الفروق العينية كذلك.

وعندما يرد البعض على المستشرقين ويعتبر صورتهم عن الشرق غير نزيهة قد يكون كلامه صحيحاً، لكن ليس ذلك لكونهم مستشرقين إذ لو نظرنا نحن إلى صورتنا على الغرب لما كنا أنزه منهم في صورتهم عن الشرق، كل ما في الأمر أننا كلانا لم نتحرر من الأحكام المسبقة ولم نرتق إلى مدلول النساء 1 والحجرات 13 وليس لأنهم غربيون ولا لأننا شرقيون.

وعلى كل فأنا باعتباري إنساناً -وباعتباري أحاول أن أفهم القرآن كما يعرف نفسه رسالة كونية موضوعها الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات وليس ديناً من بين الأديان لأنه يعتبر مهمته التذكير بما يسميه فطرة الله التي فطر عليها الإنسان الواحد المتساوي (النساء 1والحجرات 13) لا يعنيني إلا الكلي في الخصوصي.

وأخيراً فلا فرق بين التنوع الحضاري وتنوع الألوان بين البشر، الأول تنوع روحي، والثاني تنوع بدني أو عضوي، وكلاهما يعتبرهما القرآن من آيات الله (اللغات والألوان)، لذلك فالحجرات 13 تتكلم أنثروبولوجياً (شعوباً وقبائل) لا عقدياً ولا جنسياً ولا طبقياً ولا حضارياً بل الجميع بشر متساوون للتعارف معرفة ومعروفاً.

وعندما ندرس التنوع فإن ما فيه مفيد للمعرفة هو نظام التنوع وهو الكلي فيه ونظام التنوع هو بناه “الرياضية” إن صح التعبير أي أهم ما فيه من مجردات تكون بما بينها من تناغم وحدة مميزة لحضارة عن حضارة ليس في حقيقة المختلف بل في وحدة أدائه رغم اختلافه لنفس الوظائف.

مثال ذلك أن نظام الهندام لحماية الأبدان في علاقة بالمناخ وسترها في علاقة بأخلاق العيش المشترك أو نظام العمران في نظام الكون وفي ذوق محل الإقامة والتعايش في المنازل، فكل ذلك متعدد من حيث المواد والأدوات، لكنه متحد من حيث الوظيفة والغايات وحدة يمثلها ما يستجيب له “الشيء المختلف” من الحاجات العضوية والروحية الواحدة للإنسان من حيث هو إنسان بصرف النظر عن التنوع والاختلاف، وذلك هو معنى كونه آية: فتعدد الأعيان مع وحدة الدلالة والمعنى هو حقيقة الآية.

وما به يحصل التنوع المتعين يدرك بالحواس ولا يمكن العبارة عنه بلغة العقل إلا بوصف منظومته إن كان ألواناً بمنظومة الألوان وطبيعة التناسبات التي بينها وإن كان تضاريس أو مآل أو مناكح أو مساكن أو أي شيء مادي أو لا مادي تتعين في الأذواق والمعارف تكون إفادته ليس بتفرده بل بتفرد نظامه وهو عين تعينه الذي رغم كونه عيناً فهو عين كلية.

والعين الكلية في الإدراك العقلي ليست من الأعيان بل هي من أنظمتها التي لا تدرك إلا بقانونها النظامي حتى لو كانت قابلة للإدراك الحسي كما في المرئيات (الرسم والنحت) أو في المسموعات (الصوت والتنغيم) أو الحركات والعلاقات بين الأعيان المختلفة والتي تمثل بتعددها منظومة تفيد بانتظام المتعدد فيها وليس بها من حيث هو أعيان منفصل بعضها عن بعضها.