المقابلة شرق-غرب، لا يقرها الإسلام ولا الفلسفة

لست أدري ما مصدر المقابلة بين “فكر غربي” و”فكر شرقي” ولا خاصة خرافة الشرق شرق والغرب غرب التي يرددها بعض الغربيين وبعض الشرقيين؟

وفيم تتمثل غربية الفكر وشرقيته بحيث تصبح المقابلة بينهما وكأنها هي جوهر الفكر وليست صفة عرضية فيه قد يكون لكل منهما في إحدى مراحله مع الآخر؟

فلو اعتبرنا الشرق هو الحضارة الإسلامية -وهو غير صحيح لأن الشرق غير الإسلامي أكبر وأقدم وقد يكون ذا حضارة أبعد غوراً في التاريخ- والغرب الحضارة المسيحية ثم الأوروبية -وهو غير صحيح لأن أهم فكر حالياً هو ثمرة حصيلة كونية طابعاً الغالب هو هذا الغرب الحديث فإن المقابلة سطحية جداً.

وقبل الكلام على ما يجعلني أعتبرها سطيحة جداً فلأذكر بعامل مهم وهو أن العداوات الموجود في كلتا الحضارتين إن سلمنا بالتقابل أي في كل منهما ألف أمر أشد وأعمق من العداوات الموجودة بينهما، فلم يعرف العالم حرباً بين الحضارتين وصلت مستوى الحربين العالميتين في الغرب المزعوم واحداً.

وحروب المغول بين المشرقيين لا تقل فداحة عن الحروب بين الشرق والغرب مثلاً في عصر الدولة الإسلامية الأولى والثانية (الأموية والعباسية) ولا في الدولة الإسلامية الثالثة (العثمانية وما بينهما ضد الصليبيات والاسترداديات الأوروبية) ومن ثم فالصراع بين الشرق والغرب نسبي في التاريخ.

وأخيراً فالاستعمار الغربي الحديث شمل العالم كله ولم يقتصر على الشرق عامة ولا خاصة على الشرق الإسلامي، وإذن فخرافة المقابلة شرق وغرب من الأحكام المسبقة التاريخية وخاصة إذا طبقت على ما قبل الإسلام: فالمقدوني بشهادة أرسطو ليس غربياً وفارس ليست شرقية بل هما حضارتان ما بينهما، ولنأت الآن إلى السؤالين الأهم:

  1. ما الغربي في الغرب ليس شرقياً؟
  2. وما الشرقي في الشرق ليس غربياً؟

ألسنا نعتبر أن الحضارات لها أصلان إما ديني أو فلسفي وتطبيقات الأول الخلقية والروحية والاجتماعية وتطبيقات الثاني التقنية والعلمية والسياسية؟

حسن: هل يوجد عند الغرب دين غير ما جاءه من الشرق؟

وهل عندنا فلسفة غير ما ورثناه من اليونان وسيطاً وما نرثه من الغرب حديثاً إن صح أن اليونان والأوروبيون غربيون؟

حاولت أن أفهم هذه المقابلات السطحية فلم أجد لها أصلاً على الأقل في فكر ابن خلدون مثلاً: فهو لم يسم علم العمران وعلم الاجتماع مثل المتكلمين على علم الاجتماع العربي أو الإسلامي، ولا شيء يخرجني عن طوري أكثر من فلاسفة الخصوصية و”الحق في الفلسفة” والاختلاف.

يا أخي من منعكم أن تتفلسفوا إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً؟

وهل الاختلاف بحاجة لأن يطلب وهو دائماً حاصل مهما سيطر التقليد؟

ممن تطلبون هذا الحق؟

ثم متى كان العلم يعرف بموضوعه؟ فهل لأن العلم يدرس المجتمعات العربية يصبح علم اجتماع عربياً؟

وهل الكلام العلمي في الإسلام يصبح إسلامياً؟

إذا كان الكلام في الإسلام إسلامياً فهو ليس علمياً من حيث هو إسلامي بل هو إسلامي من حيث هو عقيدة.

لذلك فلست أفهم معنى “إسلامية المعرفة”، فلا هي معرفة ولا هي إسلامية، وقد كتبت في ذلك تعليقاً على كتاب الزميل والصديق لؤي صافي نافياً أن يبقى علم الاجتماع علماً إذا اعتبر أنه يتأسس على عقيدة دينية حتى لو كانت إسلامية.

لا أنفي أن يكون لمعتقدات العلماء أثر في فكرهم، لكن ذلك ليس المطلوب بل المطلوب محاولة وضعه بين قوسين ليس من حيث هو موقف وجودي عند صاحبه بل من حيث رد العلم إلى هذا الموقف، ولا أنفي أن يكون العلم قابلاً للتعريف بموضوعه. ولكن ليس من حيث هو علم بل من حيث هو تطبيق على حضارة محددة لعلم، وشتان بين الأمرين.

فتحديد مكان الظاهرة لبيان التخصص التطبيقي لا العلمية، وليكن مثالي ما هو أشد خصوصية في الظاهرة الدينية أعني الشعائر والعبادات، فخصوصيتها ليست هي طلب العلمي في علم الأديان بل ما في تلك الخصوصية يحقق الكلي في العبادات والشعائر، المشعرية والعبادية هي المطلوب فهمه علمياً في علم الأديان، وقس عليه مثلاً دراسة نظام الغذاء، فالمطلوب التغذية في المادة المعينة التي يستمد منها الإنسان السعرات الضرورية لقيامه العضوي، ما عدى ذلك متعلق بالذوق الذي هو ظاهرة وجدانية لا تنقال ومن ثم فهي ليست موضوع علم.

ومثلما أن “الموضوعية” مثال أعلى مستحيل التحقيق ولكن السعي إليها مطلوب فكذلك الكلي العلمي مستحيل التحقيق لكن السعي إليه هو المطلوب، ولذلك فالعلم سعي دائب نحو مثال الموضوعية ومثال الكلية بما يشبه التطهر من الذاتيات ومن الخصوصيات، فمن يتجاهل ذلك يؤمن بخرافة المقابلات التي وصفت.

هبني ضربت أمثلة من الفلسفة الوسيطة، فما الشرقي في فكر الفارابي وابن سينا وابن رشد مثلاً فكرهم الفلسفي وكلهم تلاميذ أرسطو وأفلاطون إن سلمنا بأن هذين غربيان، وكلاهمـا ينفي أن يكون غربياً وخاصة أرسطو كما هو بين من كتابه في أخلاق نيقوماخوس (ابنه) حيث ينفي أن يكون اليونان أوروبيين.

وما الذي يمكن أن اعتبره غربياً في فكر أي لاهوتي مسيحي سواء قبل الإصلاح أو بعده إذا اعتبرنا أن فكرهم الديني مستمد إما من التوراة أو من الأناجيل أو خاصة في بدايات تاريخهم النهوضي بعد الصدام مع الإسلام وتأثر فكرهم الديني بالفكر الكلامي والفلسفي الإسلاميين (مثال ذلك فكر ابن ميمون الذي يعتبره ابن تيمية غزالي اليهود)؟

وعندما أتكلم على الإسلام مثلاً فإن ما يبدو لي بدهياً هو أن الإسلام تمثله آيتان كلتاهما تنفي مثل هذه الخرافات:

  • ف {النساء 1} تعتبر كل الناس من نفس واحدة مع العلم أن الإسلام يؤمن بلا شرقية ولا غربية.
  • و {الحجرات 13} تعتبرهم متساوين ولا يتمايزون إلا بالتقوى وهو معيار خلقي قانوني معرفة ومعروفاً.

قد يختلف عنه من حيث هو مستعمل للعلم وليس من حيث هو مبدع له أو معلم. ومستعمل العلم إذا كان بحق حائزاً على أخلاق العلماء فهو واحد أيضاً في العالم كله. فأبوقراط لم يكن مسلماً لكنه يبقى المثال الأعلى في رسالة الطبيب، وكم من طبيب مسلم يكون أفسد خلق الله خاصة إذا رهن نفسه في مشروع مصحة.

لذلك فهذه الفروق الوهمية على الأقل في ما يخص العلم لا الذوق لا تدل على شيء آخر غير عقد نتجت عن علاقات غير سوية بين البشر، وقد صرت أعتبرها من علامات عقد الذين يقولون بها أكثر من دلالتها على شيء يمكن أن نعتمد عليه في الفصل بين البشر، وقد أختم بكلامي على ما يتهم به المستشرقون بحصر فكرهم في ما يستعمل فيه علمهم.

فلا فرق عندي بين استعمال الطب لعلاج المريض أو لقتله واستعمال علم الذرة لإنتاج الطاقة أو للدمار الشامل فكذلك الاستشراق، فهو محاولات لوصف حضارات ذات تعينات مختلفة طلباً للكلي فيها يمكن أن نحد نظريها عند أي عالم من الشرق يدرس حضارات الغرب بعين ترى الفروق العينية كذلك.

وعندما يرد البعض على المستشرقين ويعتبر صورتهم عن الشرق غير نزيهة قد يكون كلامه صحيحاً، لكن ليس ذلك لكونهم مستشرقين إذ لو نظرنا نحن إلى صورتنا على الغرب لما كنا أنزه منهم في صورتهم عن الشرق، كل ما في الأمر أننا كلانا لم نتحرر من الأحكام المسبقة ولم نرتق إلى مدلول النساء 1 والحجرات 13 وليس لأنهم غربيون ولا لأننا شرقيون.

وعلى كل فأنا باعتباري إنساناً -وباعتباري أحاول أن أفهم القرآن كما يعرف نفسه رسالة كونية موضوعها الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات وليس ديناً من بين الأديان لأنه يعتبر مهمته التذكير بما يسميه فطرة الله التي فطر عليها الإنسان الواحد المتساوي (النساء 1والحجرات 13) لا يعنيني إلا الكلي في الخصوصي.

وأخيراً فلا فرق بين التنوع الحضاري وتنوع الألوان بين البشر، الأول تنوع روحي، والثاني تنوع بدني أو عضوي، وكلاهما يعتبرهما القرآن من آيات الله (اللغات والألوان)، لذلك فالحجرات 13 تتكلم أنثروبولوجياً (شعوباً وقبائل) لا عقدياً ولا جنسياً ولا طبقياً ولا حضارياً بل الجميع بشر متساوون للتعارف معرفة ومعروفاً.

وعندما ندرس التنوع فإن ما فيه مفيد للمعرفة هو نظام التنوع وهو الكلي فيه ونظام التنوع هو بناه “الرياضية” إن صح التعبير أي أهم ما فيه من مجردات تكون بما بينها من تناغم وحدة مميزة لحضارة عن حضارة ليس في حقيقة المختلف بل في وحدة أدائه رغم اختلافه لنفس الوظائف.

مثال ذلك أن نظام الهندام لحماية الأبدان في علاقة بالمناخ وسترها في علاقة بأخلاق العيش المشترك أو نظام العمران في نظام الكون وفي ذوق محل الإقامة والتعايش في المنازل، فكل ذلك متعدد من حيث المواد والأدوات، لكنه متحد من حيث الوظيفة والغايات وحدة يمثلها ما يستجيب له “الشيء المختلف” من الحاجات العضوية والروحية الواحدة للإنسان من حيث هو إنسان بصرف النظر عن التنوع والاختلاف، وذلك هو معنى كونه آية: فتعدد الأعيان مع وحدة الدلالة والمعنى هو حقيقة الآية.

وما به يحصل التنوع المتعين يدرك بالحواس ولا يمكن العبارة عنه بلغة العقل إلا بوصف منظومته إن كان ألواناً بمنظومة الألوان وطبيعة التناسبات التي بينها وإن كان تضاريس أو مآل أو مناكح أو مساكن أو أي شيء مادي أو لا مادي تتعين في الأذواق والمعارف تكون إفادته ليس بتفرده بل بتفرد نظامه وهو عين تعينه الذي رغم كونه عيناً فهو عين كلية.

والعين الكلية في الإدراك العقلي ليست من الأعيان بل هي من أنظمتها التي لا تدرك إلا بقانونها النظامي حتى لو كانت قابلة للإدراك الحسي كما في المرئيات (الرسم والنحت) أو في المسموعات (الصوت والتنغيم) أو الحركات والعلاقات بين الأعيان المختلفة والتي تمثل بتعددها منظومة تفيد بانتظام المتعدد فيها وليس بها من حيث هو أعيان منفصل بعضها عن بعضها.




كونية الإسلام .. وحدة الديني والفلسفي الجوهرية

سألني أحد الأصدقاء عن ظاهرتين لا يمكن ألا يكون أي قارىء قد لاحظهما:

  1. ما العلة في جرأة النخب العربية التي تدعي الحداثة على الإسلام من دون الأديان الأخرى؟
  2. ولماذا لا تجد عندهم تقديراً واعترافاً بأهمية التراث الروحي الإنساني بكل أنواعه ما عدى التراث الروحي الإسلامي؟ 

فلأحاول الجواب. والجواب عسير وعسير جداً إذا احترمنا شرط عدم رد الظاهرة إلى أحوال نفس أصحابها ولم نعتبرها ناتجة عن العقدة التي يتكلم عليها ابن خلدون -رغم أنه أسسها على ظاهرة أنثروبولوجية عميقة هي علاقة المغلوب بالغالب-فسعينا إلى فهمها بما هو أعمق من نظريته فوصلناها بما وصفته من تحريف علوم الملة الغائية والآلية وما ترتب عليها في التربية وفي الحكم. فالتراث الروحي الذي يحدد مواقف الأمم ونخبها يكون دائماً ذا نوعين من العلاقة بمدركه: 

  1. فالموقف من تراث تدركه دون أن تكون عائشاً فيه وبه شيء.
  2. والموقف من تراث تدركه وأنت تعيش فيه وبه شيء آخر. 

وإذا انطلقنا من هذه المقابلة التي أعمق بها نظرية ابن خلدون في مسعاي للانتقال من الخلدونية إلى الخلدونية المحدثة بوصية منه ختم بها مقدمته أمكن أن يكون حكمنا أكثر موضوعية فيقتصر ذنب النخب الحداثية على الخلط بين الموقفين. وسيلاحظ القارئ أني لأول مرة شديد التسامح مع الحداثيين حتى أكاد أبحث لهم عن أعذار لمواقفهم.

فمن يعيش في ما تردى إليه تراث الأمة الروحي وبه يعسر أن يقف منه موقفاً يمكن اعتباره موقفاً من الإسلام وتراثه الذاتي له من دون أن يعلل ذلك بالخلط بين الأمرين اللذين يبدوان معللين للموقفين. ولعل أبرز مثال عن موقف التراث المشوه هو الموقف من المرأة والفن والذي ينسب إلى الإسلام باطلاً. 

ومعنى ذلك أن تحريف علوم الملة لرؤى الإسلام في كل شيء ذي قيمة حقيقية يمكن أن يمثل عذراً للنخبة الحداثية خاصة وأغلبها عامة تتصور نفسها خاصة لأنها ترطن ببعض المفردات الأجنبية هو دون العامة البسيطة وعياً لأن فكرهم لم يرتق إلى التمييز بين ما نتج عن التحريف في التربية وفي الحكم باسم الإسلام وبين ما هي عليه في الأصل عند من يتدبر القرآن والسنة (التي هي ليست شيئاً آخر غير شرح الرسول للقرآن: وكل ما لا يرد إليه ليس منه). 

فلو خلطنا بين الحداثة وما تردت إليه بسبب تحريفها الاستعماري هل يمكن أن يقدر الحداثة حق قدرها؟ من يمكن أن يصدق أن ترومب ديكارتي؟ وأن الاستعمار الأمريكي يؤمن حقاً بحقوق الإنسان؟ وأن فلسفة الأنوار التي كانت ذات نزعة كونية إذا رأى ما ترتب عليها عند النخب العربية التي تدعي التنوير خلطاً بينه وبين ما ورثوه عن الاستعمار من موقف إزاء شعوبهم بوصفهم “انديجان” متخلفين في ظنهم؟

 فحتى المستعمر لم يصل عتاته إلى احتقار النخب العربية لشعوبهم وقد رأيت ذلك خاصة في المشرق وبصورة أخص في مصر، لكن المغرب لا يخلو مما يناظرهما وخاصة عند العلمانيين والعنصريين منهم على وجه الخصوص كالموقف العجيب بين العربي والأمازيغي في هذه الحالة: كلاهما يسقط احتقاره لذاته على خصمه.

وإذن فمواقف النخب الحداثية من الإسلام وروحانياته علتها أعمق من علاقة المغلوب بالغالب الخلدونية، فلنحاول الفهم. 

محاولة الفهم هي التي أوصلتني إلى أصل الداء، ولم أكتف باتهام النخب الحداثية بالعقدة الخلدونية -علاقة المغلوب بالغالب- فكلنا مغلوبون حالياً، ولو صح ذلك لصح أننا جميعاً ينبغي أن نرى رأي كارهي الإسلام وحضارته من النخب الحداثية العربية بكل أنواعها وليس غير المسلمين منها، وإذن فالتعليل أعمق من العقدة التي أشار إليها ابن خلدون.

ولأقلها بجرأة تكاد تصل بي إلى أقصى مما نجده عند أعداء الإسلام: لو كان الإسلام حقيقته مطابقة للصورة التي يقدمها منه مسلمو الانحطاط عامة والعرب منهم خاصة لكنت أول الكافرين به، فلا شيء في سلوكهم وأخلاقهم إذا تجاوزت الأقوال إلى الأفعال يمكن أن يكون بحق ذا صلة بالاسلام غير دعواهم أنهم مسلمون، وإذن فالداء واضح وصريح. 

وحتى لا يقع الخلط بين الإسلام وروحانيته وتكديس العبادات الوثنية -وأسمي عبادات وثنية ما ثار عليه ابن تيمية وما يرد خاصة إلى دجل التصوف الذي يدعي أصحابه التفلسف وإلى خبث التوظيف الشيعي للروحانية البدائية التي تستعمل للسيطرة على العامة- فإن من يسمون أنفسهم المسلمين صاورا من عبيد الأوثان بإطلاق، أذكر مرة أنني في حجتي الثانية تصادمت مع أحمق بيده عصا يريد أن يدفعني بإرادته هو إلى المسجد لأنه تصور نفسه وصياً علي ولا يدري إن كنت لحظتها مستعداً لذلك مادياً وروحياً لأنه حمار يتصور العبادة فعلاً آلياً.

ويتضح الأمر لأي إنسان مهما كان عديم الفهم أن أفسد صورة وأقوى تشويه لروحانية الإسلام يرد إلى مآل التربية ومآل الحكم اللذان ينسبان إليه واللذان هما أصل ما يسميه ابن خلدون بالعنف الذي يفسد معاني الإنسانية في الإنسان عامة وفي المسلمين خاصة حتى صاروا بما وصفت من الأخلاق قولاً وفعلاً.

ولما كنت لا أريد أن أحمل نظام التربية ونظام الحكم المسؤولية المباشرة بل اعتبار ما حل بهما هو بدوره نتيجة لأمر أعمق فقد بحثت في مسألتين تنقسم إليهما قضية أولي الأمر منكم بنوعيهم، فالتفسير المعهود هو أن أولي الأمر منكم هم:

  1. علماؤكم.
  2. وأمراؤكم. 

وكلمة “منكم” تعني “الذين اخترتموهم بحرية من بينكم  لتوفر صفة العالم والأمير فيهما والمنتخب الحر فيكم”، وإذن فأنتم من اختار الثاني للإمارة وهو إذن مأمور وليس آمراً إلا بتنفيذ ما أمر به منكم ومن الشريعة، وإذن فالجماعة هي التي تعين من هو الأمير، وهي كذلك التي تعين من هو العالم، فيكون الانخرام الذي حصل متعلقاً إما بمعايير العالمية ومعايير الآمرية في الجماعة أو بطبيعة من الذي يختارهما ومدى حريته إذا سلمنا بأن المعايير سليمة، لكني أعتقد أن المعايير لم تبق سليمة وأن مدى حرية الاختيار زالت نهائياً في الحالتين، وحتى لا يبقى كلامي مجرداً فيراه القارئ العادي عياناً: 

  1. فـما يجري في إيران.
  2. وما يجري في السعودية.

رغم ما يبدو من تعارض تام بين النموذجين هو في الحقيقة من نفس الطبيعة، وهي أن الدين لا يفرق بين تشيع الملالي وتوهب الشيوخ، لا يختلف “وضعه” إلا بالأسماء، لكن علاقة الروحي بالمادي في الحالتين لا تمت بصلة للدين من حيث هو علاقة برب العالمين: الدين يقتصر دوره على”تزييت” المكينة السياسية و «تشحيمها» لجعله أداةً بيد المستبدين بالدنيا والمتنكرين باسم الدين، لكن الاسم والتبرير الإيديولوجي مختلف: 

  1. فـفي التشيع الأساس هو الحكم بالحق الإلهي أي خرافة آل البيت.
  2. وفي الوهابية الأساس هو الحكم بالحق الطبيعي لصاحب الشوكة.

والقسمة هي في الحالتين عين القسمة المنسوبة إلى المسيح كذباً عليه والقائلة أعطوا لقيصر ما لقيصر وما لله لله، أي الدنيا لقيصر والآخرة لله فيكون الله في خدمة قيصر وهو حكم بالحق الإلهي في التشيع وبالحق الطبيعي في الوهابية، ومن ثم فالحصيلة واحدة: وهي أن الإنسان عامة -المؤمن في هذه الحالة- لم يعد من حيث هو إنسان خليفة ذا علاقة مباشرة بربه بل لا بد له من وسيط (في التربية وهو الكنيسة سواء كانت من الملالي أو من الشيوخ) وذا علاقة مباشرة بأمره بل لا بد له من وصي (الحق الإلهي للإمام أو الحق الطبيعي للمتغلب).

ولست أدعي شيئاً من عندي بخصوص التشيع، فهذا صريح في عقيدتهم، كما أني لا أدعي شيئاً من عندي بخصوص الوهابية، فالعقد بين عبد الوهاب والأمير المؤسس للنظام كان قسمة بين الديني والسياسي كلاهما يقر للثاني بمطلق سلطانه دون تدخله فيه (ومعلوم أن ذلك كلام لأن السياسي هو الحاسم في الغاية).

والنتيجة في الحالتين الشيعية والسنية هي أن أهم آيتين من القرآن تتعلقان بالتربية والحكم تم حذفهما بما حصل ففسدت كل معاني الإنسانية في الحضارة الإسلامية بلغة ابن خلدون ومعها كل ثورة الإسلام بلغة القرآن:

  1. لم يعد للغاشية 22-23 معنى.
  2. ولم يعد للشورى 38 معنى.

فتنبيه الله للرسول بـ”إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر” وقوله تعالى “..وأمرهم شورى بينهم…” كلاهما وقع التخلي عنهما نهائياً فصار للعلماء وساطة نفاها الله حتى عن الرسول وصار للحكام وصاية نفاها الله حتى عن الرسول وأصبح من يدعون وراثة الرسول وارثين لما لم يدع أنه يملكه ومن يزعمون الحكم بالشريعة أكثر الناس عدواناً عليها وتوظيفاً لها لتبرير فسادهم.

واعتقد أن القارئ يفهم الآن أني لكأني أبحث عما يمكن أن يكون عذراً لأدعياء الحداثة وأفهم موقفهم من التراث الإسلامي وجرأتهم على الإسلام، لكنـي أعتبر أن عذرهم أقبح من الذنب، فلو طبقوا هذا الموقف من الإسلام على الحداثة نفسها لكان عليهم أن يقفوا منها نفس موقفهم من الإسلام لا أن يعللوا بها موقفهم منه، فالتحريف واحد في الحالتين، خطؤهم أنهم يقارنون “واقع” الحضارة الإسلامية بـ”مثال” الحداثة أو أفعال المسلمين بأقوال الحداثيين. 

لكن لو قارنوا الأفعال في الحالتين عند كلا الفريقين لوجدوا أن الفرق بين ما في المثال وما في “الواقع” لا يختلف كثيراً، فلا الحداثيون في الغرب مخلصون لقيم الحداثة ولا المسلمون في الشرق مخلصون لقيم الإسلام، لذلك فلا غرابة أن تجد أدعياء الحداثة من الحكام والنخب العربية من غير الغافلين عن ذلك يجدون ذلك مناسباً لما يطلبونه من تزيين أفعالهم بما يمكنهم من التقرب من حماتهم، فلا يكون موقفهم من الإسلام وقيمه بسبب إيمانهم بالحداثة وقيمها بل لأن تغافلهم عن تحريفاتهم هذه يغفلهم حقيقة الإسلام: فعداوتهم لقيم الحداثة لا تقل عن عداوتهم للإسلام، من يظن أن بشار أو السيسي أو صاحب المنشار أو حفتر إلخ…يؤمن بقيم الحداثة ولا خاصة النخب التي تصفق لهم فهو إما غافل أو متغافل، وهم لا يجهلون ذلك فحسب بل يجدون فيه طريقة لإطلاق تحريف الإسلام بأن يصبحوا هم من يقوي محرفيه ويشجعونهم ويمولونهم وهما نوعان: 

  1. النوع الذي “يصنعونه” ويسمونه بالإرهاب تشويها لقيمة الجهاد.
  2. والنوع الذي “يصنعونه” ويسمونه التصوف تشويهاً لقيمة الاجتهاد.

 فيصبح المسلم متردداً بين فورة الغضب وسِنة التعب كما يصور الهنود الحمر في سينما رعاة البقر الأمريكية، لذلك فجوابي عن سؤال الصديق هو: العجيب ليس هذا الموقف من التراث الإسلامي والجرأة على الإسلام بل هو: هل المسلمون عامة والعرب خاصة هم بحق أحفاد مؤسسي اللبنة الأولى من رؤية الإسلام وتراثه للإنسان عامة وللحضارة خاصة بمنطق النساء 1 والحجرات 13 أم هم نكصوا إلى ما دون الجاهلية؟

فلا أستطيع أن أتخيل عربياً اليوم يمكن أن يعتبر نفسه عربياً وأن يقبل أن يصبح “درويشاً” يقوده نكرة -السيستاني لم نعلم له علماً لا مكتوباً ولا شفوياً- في العراق لا علاقة له بالإسلام لا من حيث مضمونه العلمي والخلقي ولا من حيث لسانه ولا من حيث أهدافه مفتياً لبريمر ولاستعمار العراق الفارسي ليستباح اقتصادياً وثقافياً وسياسياً من آل ساسان بتنكر تحت كذبة آل البيت الوسطاء والأوصياء على الأمة.

وما أقوله عن العراق يصح على كل بلاد العرب التي ابتلعها التحريف المطلق للإسلام إلى حد قلب كل قيمه بمنطق الباطنية أو التأويل التحكمي الذي كان الغزالي أفضل من وصفه في كتاب فضائح الباطنية، وإذن فليس تراث الإسلام والإسلام هو المشكل بل السعي لتشويهه بالبديل الذي يستمد مما تقدم عليه أو مما تلاه. 

وللحقيقة فإن التشويه بدأ بالعرب أنفسهم وأعني أدعياء القومية العربية، وهذه مناسبة للتنديد بمن يدعي أن اللغة العربية ذات صلة بالقومية العربية، فالذين ينتسبون إلى العروبة كجنس لا يمثلون 5 في المائة ممن يمثلون ثقافة اللغة العربية ليس في العالم بل في المنطقة التي تنتسب إلى الجامعة العربية، لذلك فإني أعارض كل الذين يريدون أن يعتبروا اللسان العربي من حيث هو لغة الحضارة ذا علاقة بقومية عربية، فقبل القرآن العربية كانت لهجات ولم تكن لغة أصلاً، والشعر العربي المتقدم على الإسلام لم يصبح عربياً إلا بفضل هذا الترفيع من اللهجة التي كتب بها وصارت لغة بفضل القرآن أولاً وبفضل عبد الملك بن مروان ثانياً لأنه هو الذي جعل العربية لغة الدولة إدارة تربوية ومن ثم صارت العربية لغة العلم العالمية الثانية بين اليونانية واللاتينية. 

وهذه اللغة ليست عربية بالمعنى العرقي بل هي ثمرة تعاون الشعوب التي بنت الحضارة الإسلامية وهم خاصة قبل انتشار الإسلام في ما وراء ملتقى القارات القديمة الثلاثة أي آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهم خمسة شعوب دخلت التاريخ العالمي بفضل الإسلام، وقد استثنيت من يدعي أن تاريخه قبله أسمى منه: إنهم العرب والأمازيع والأكراد والأتراك وسودان إفريقيا.

إن تبني النخب خرافة الدولة القومية واللغة القومية المأخوذة بغباء عن أوروبا الحديثة -بنيت على تصفية دينية وعرقية في ممالك أوروبا بعد فشل التوحيد المسيحي- تردد موقفها بين العودة إلى ما قبل الإسلام (البابلية أوالفرعونية مثلاً) أو ما بعده (الفرنكوفونية أو الأنجلوفونية مثلاً).

والآن أجيب على السؤال مباشرة: الموقف من الإسلام وتراثه الروحي هو عين الموقف الأوروبي من التراث المتقدم على الإسلام في الإقليم ومن تراثهم قديمه وحديثه، فهم يعتبرون ما تقدم على الإسلام في الإقليم هو تراثهم -فالشرق الأدنى وكامل الضفة الغربية من المتوسط كانت رومانية ثم بيزنطية.

ولما كان الحداثيون العرب ولا يزال جلهم أمياً لأنهم إما عسكريون أو خريجوا الفرنجة الاستعمارية الأولى التي يغلب عليها الانبهار بالثقافة الغربية من دون عميق فهم فإنهم تصوروا أن ما يقولونه عن أنفسهم -كما بينت في كلامي على سطحية المقابلة بين الغرب والشرق- حقيقة وليس صورة ذاتية بغير أساس موضوعي.

فلا فرق عندي بين أتاترك وبورقيبة وطه حسين وكل المنبهرين بالغرب الناسين أن الغرب ليس فيه ما هو غربي ليس مستمداً من الشرق والشرق ليس فيه ما هو شرقي ليس مستمداً من الغرب وبصورة أوجز كل ما هو تاريخي في أي حضارة ليس هو حضاري إلا من حيث هو إنساني سواء أنجز في الشرق أو في الغرب.  

فلا الغرب له دين لم يستمده من الشرق لأنه تجاوز أديانه الطبيعية، فالأديان بهذا المعنى هي بداية الحضارات في الشرق، ولا الشرق له فلسفة لم تستمد من الغرب (تسليماً بأن اليونان من الغرب) لأن الشرق تجاوز فلسفاته الأمبيريكية، فالفلسفات هي مرحلة ثانية من الحضارات في الغرب مثلما أن الأديان المنزلة تعد مرحلة ثانية من الحضارات في الشرق، والواحد فيهما هو الإنساني المشترك بين الحضارات الحالية، وهو جوهر كونية الإسلام.