نجاحنا لا يتوقف على فشل غيرنا

كثير من الكتاب والمفكرين والدعاة المسلمين إذا تحدثوا عن مستقبل الإسلام، دخلوا مباشرة في الحديث عن مواجهة المخططات والتحديات الخارجية والمؤامرات المعادية، وإذا تحدثوا عن رسالة الإسلام وحضارة الإسلام وحاجة البشرية إلى الإسلام، فإنهم سرعان ما يربطون ذلك بأزمة الحضارة الغربية وعيوبها، ويتحدثون عن فشلها وبوادر تفككها وحتمية انهيارها.. وكأنه لا مستقبل للإسلام ولا مكان لرسالته وحضارته إلا على أنقاض الحضارة الغربية، ولا مكانة للمسلمين إلا بفشل الغرب وتلاشي قوته، وكأنه علينا أن ننتظر ذلك أو أن نعمل لأجله، لكي نأخذ بعد ذلك دورنا ونؤدي رسالتنا ونصنع مستقبلنا، وهذا ليس لازماً، كما أنه -في جزء منه- ليس صواباً، فمصلحة البشرية -ومنها المسلمون- تكمن في إنقاذ الحضارة الغربية وتحسينها وترقيتها ما أمكن، وهذا لن يتأتى -من جهة- إلا بمحاورتها واختراقها واستيعاب إيجابياتها وتبنيها.

ومن جهة أخرى بمزيد من النجاح والتقدم للإسلام، بعقيدته وأخلاقه وقيمه وشريعته، وبالنماذج والإنجازات المشرفة لأهله، والمشوقة لغير أهله.

إن المسلمين -من حيث هم مسلمون- يجب أن يؤمنوا بمستقبل الإسلام ومكانته، وبدوره ورسالته، وبإمكان نجاحه ونجاعته دونما توقف على نجاح الآخرين أو فشلهم، ولا على قوتهم أو ضعفهم، ولا على انتصارهم أو هزيمتهم. 

بعبارة أخرى: إن للإسلام مكانته وقوته ومستقبله حتى مع قوة الغرب وجبروته ومع بقاء حضارته وهيمنته.

لقد نهض اليابانيون ونجحوا فيما أرادوا النجاح فيه، تحت الهزيمة العسكرية والسياسية وتحت الاحتلال والتسلط الأمريكي، وكذلك فعل الألمانيون والكوريون الجنوبيون، والتايوانيون.

نعم هناك اختلافات حقيقية، ولكن هناك إمكانات حقيقية ليتقدم الإسلام وينتصر من حيث هو إسـلام، كما هناك إمكانات حقيقية لفعل الكثير من أجل نهضة المسلمين وتقدمهم وتحضرهم. وإن إظهار الحق وإنجاحه لا يتوقف -مسبقاً- على ذهاب الباطل وزواله، بل إن ظهور الحق ونجاحه وثباته هو المقدمة لزوال الباطل وتنحيه (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً).




مكانة  الدولة عند الحركات الإسلامية

كثير من الجماعات الإسلامية، وكثير من العلماء والدعاة، يعلقون –بدرجة كبيرة- وجود الإسلام، وتطبيق الإسلام، ومصير الإسلام ومستقبله، على موقف الدولة ومدى التزامها بالإسلام وقيامها بحمل رايته، وكثيرون يرون أن التطبيق الحقيقي للإسلام والمستقبل الحقيقي للإسلام إنما يتمثل في “قيام الدولة الإسلامية” أو ربما “الخلافة الإسلامية”.

ولا شك أن الدولة الإسلامية أو الحكم الإسلامي هي عروة من عرى الإسلام، وحصن حصين للحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، ولذلك فإن الانشغال بأمر إقامتها وبذل الجهود والتضحيات في سبيلها أمر مشروع ومعتبر.

 غير أنه حينما تصبح إقامة الدولة الإسلامية هي الشغل الشاغل والهدف العاجل، أو هي الأولوية العليا والغاية القصوى، فإن هذا يصبح داعياً للتريث وموجباً للتثبت، حتى نضع الأمور في نصابها ونعطيها قدرها ومكانها.

لقد رأينا في حركاتنا الإسلامية من يجعلون من إقامة الخلافة شعارهم، ومجمع أهدافهم ومبتدأ طلبهم وتحركهم، معتبرين أن الأمة الإسلامية لا ينقصها سوى استرجاع الخلافة السليبة والنظر في وجهها والتمتع بجاهها.

ومنهم من اعتمدوا شعار “الدولـة الإسلاميـة أولاً”، فخاضوا لأجل الإقامة الفورية لها كبرى معاركهم وألقوا فيها كامل ثقلهم، وجندوا لها كل طاقاتهم وإمكاناتهم المادية والمعنوية.

ومنهم من لا يجعلون الخلافة والدولة كل شيء أو أول شيء، ولكنهم يجعلونها أصلاً من أكبر أصولهم، ومنطلقاً محدداً لتحليلاتهم ومواقفهم ومسارهم، ولذلك فهي عندهم “أعز ما يطلب” حسب عبارة المهدي بن تومرت التي سمى بها أحد كتبه.

وأود أن أوضح أموراً من شأنها أن تساعد على تحديد موقع الدولة ومكانتها في الإسلام، من غير إفراط ولا تفريط، فيما أحسب. 

لا نجد في شـرع الله تعالـى نصاً صريحاً آمراً وملزماً بإقامة الدولة، كما لا نجد في شأنها نصوصاً في الترغيب والترهيب على غرار ما نجد في سائر الواجبات، وإنما تقرر وجوب إقامة الدولة، ووجوب نصب الخليفة، من باب الاجتهاد والاستنباط، ومن باب النظر المصلحي والتخريج القياسي، وامتداداً للأمر الواقع الذي تركه رسول الله.

وفي جميع هذه الحالات، فإن وجوب الدولة والخلافة إنما هو من باب الوسائل لا من باب المقاصد، فهي (أي الدولة) من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بمعنى أن هذا الواجب ليس من نوع “الواجب لذاته” وإنما هو من نوع “الواجب لغيره”، ومعلوم أن الواجب لغيره أخفض رتبة وأقل أهمية من الواجب لذاته، وهذا يعني أمرين:

الأول: أن السعي في إقامة الواجب لغيره لا ينبغي أن يكون على حساب ما هو واجب لذاته، ولا يجوز أن يكون ضاراً به أو مفوتاً له.

والثاني: أن ما تتوقف إقامته على إقامة الدولة، إذا أصبح ممكن التحقيق بغير الدولة فقد سقط وجوب هذه الوسيلة سقوطاً جزئياً.

كما أن الدولة القائمة قد يتأتى في كثير من الحالات إقامة بعض الدين في ظلها أو من خلالها، حتى ولو كانت منحرفة أو مناوئة أو معادية، فضلاً عما إذا كانت محايدة أو محابية.

وفي هذه الحالات أيضاً فإن أهمية “الدولة الإسلامية” وضرورتها تنقص بقدر ما تتيحه “الدولة القائمة” من فرص وإمكانات لإقامة الدين وإقامة أحكامه في الحياة الخاصة والعامة.

ثم إن الدولة التي نعتبرها وسيلة، هي في الحقيقة وعلى وجه التفصيل مجموعة من الوسائل، وهذه المجموعة من الوسائل قابلة للتفكيك والتفريق، أو بتعبير الأصوليين: قابلة للتبعيض، بحيث يتحقق بعضها دون بعض، ويكون بعضها قابلاً للتحقيق وبعضها ليس كذلك، ويكون بعضها صالحاً مشروعاً، ويكون بعضها منحرفاً مرفوضاً، وهذا يعني أن ما يكون متحققاً وصالحاً ومقبولاً في الشرع، أو كان ممكن التحقيق والإصلاح، فهو جزء من “الدولة الإسلامية” يجب التمسك به والاعتداد به.

غير أن الخطأ الكبير والمأزق الخطير الذي وقعت فيه وتقع فيه بعض الحركات الإسلامية، هو الانشغال بالوسيلة عن الهدف، وتضييع الهدف حرصاً على الوسيلة، فكثيرون أولئك الذين أفنوا أعمارهم واستهلكوا حياتهم واستنفدوا جهودهم على طريق إقامة الدولة، من غير أن يظهر لهذه الدولة أثر ولا خبر، وربما لم تزدد الدولة بفضل جهودهم إلا بعداً وعسراً، وهكذا فلا الدولة قامت بهم، ولا الأمة استفادت منهم.

والأدهى من هذا والأمر، هو أن يصل طلب الدولة والسعي إلى إقامتها إلى درجة التعذر والانسداد، أو بعبارة أخرى: يدخل طلب الدولة في مرحة انسداد المسالك وانفتاح المهالك، ومع ذلك يستمر الإلحاح والإصرار والصدام، والحقيقة أن إقامة الدولة تخضع لشروط وأسباب وقوانين تاريخية واجتماعية وسياسية، لا يمكن إلغاؤها أو القفز عليها بمجرد رغبة أو قرار، ولا بمجرد تقديم جهود وتضحيات، حتى ولو كانت صادقة ومخلصة وجسيمة، وقديماً قال ابن عطاء الله الإسكندري رحمه الله: “ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله” فمن يريد ويصر على أن يحقق شيئاً ويظهره في الوجود من غير أن يرى أن الله تعالى قد هيأ أسبابه وأنضج شروطه، فإنما يعبر بذلك عن جهله الكبير بالسنن والقوانين الاجتماعية.

نعم إن عمل الإنسان وجهده وتقدمه ونجاحه هو جزء من الأسباب والشروط، وهو محرك للسنن والقوانين بإذن الله، ولكنه يظل محكوماً أو على الأقل محدوداً بفعل عوامل كثيرة لا يجوز إغفالها أو إسقاطها من الحساب والتقدير، ولو فرضنا أن إقامة “الدولة الإسلامية” هي شعيرة تعبدية وفريضة تعبدية مطلوبة لذاتها، لكان على طلابها أن يتأنوا في التقدير ويتدرجوا في التدبير، وأن يجملوا في طلبهم “فإن المنبَتَّ لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى” فكيف والأمر لا يصل إلى هذه الدرجة ولا يكتسي هذه الصفة.

أضف إلى هذا أن المجال فسيح أمام الحركة الإسلامية ودعاتها وعمالها في أن تحقق الكثير من أهدافها ومن أحكام دينها ومن إصلاح مجتمعها، من غير أن تقيم دولة ومن غير أن تمتلك سلطة، وذلك من خلال العمل في صفوف الأمة ومن خلال بناء الأمة ومن خلال “إقامة الأمة بديلاً عن إقامة الدولة”، وبيان ذلك فيما يلي:

بنـاء الأمـة أولاً:

عن أبي أمامة قال: قال رسول الله :لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة”.

يكثر الاستشهاد بهذا الحديث على أهمية الدول الإسلامية وعلى أولويتها أو ضرورة استعادتها ضمن حركة التصحيح وإعادة البناء، حيث إن الحديث اعتبر الحكم عروة من عرى الإسـلام.

غير أن هذا الحديث يشير إلى حقيقتين ضمنيتين لا ينتبه إليهما المستشهدون به، وهما:

  1. كون الحكم هو أضعف عروة من عرى الإسلام، لأن الانتقاض والانكسار يصيب أول ما يصيب الجزء الأضعف أو الأقل صلابة من أي شيء، بينما يظل الجزء الأكثر قوة ومتانة صامداً مقاوماً لعوامل الهدم والكسر، حتى يكون الأخير بقاء والأخير انكساراً وانتقاضاً، فمعنى الحديث أن أضعف ما يعتمد عليه الإسلام في وجوده وبقائه هو الحكم، وأن أقوى ما يقوم عليه وأصلب ما فيه هو الصلاة.
  2. إن الإسلام يمكنه أن يستمر ويستقر وينمو ويمتد حتى مع انتقاض عروة الحكم، بانحرافه أو غيابه، فمن المعلوم أن الله تعالى أنزل دينه “ليظهره على الدين كله” وأنه وجد ليبقى إلى قيام الساعة، فإذا كان سيفقد عروة الحكم في وقت مبكر من تاريخه، فمعنى هذا أنه سيعيش ويستمر قائماً زمناً طويلاً دون الاعتماد على تلك العروة المنتقضة !!!

ومصداق هذا التنبيه النبوي وتفصيله وبيانه يوجد في تاريخ الإسلام والمسلمين، من أول قرونه إلى الآن، فقد ترعرع الإسلام واشتد عوده وامتد نفوذه عبر الزمان والمكان بالرغم من انتقاض عروة الحكم، وصان المسلمون عزتهم ومنعتهم وحفظوا بيضتهم وأقاموا حضارتهم وطوروا علومهم، بل وسعوا رقعتهم ونشروا في العالمين دينهم، بالرغم من الانحراف والفساد والوهن في دولتهم وحكامهم وحكوماتهم.

ماذا يعنـي هذا؟

يعني أن عرىً أخرى في الإسلام أكثر أهمية وفاعلية من عروة الحكم بقيت قائمة مشتغلة، ويعني أن الأمة تستطيع أن تكون قوية متينة نامية فعالة حتى مع وجود اختلالات وانحرافات وعاهات في نظام حكمها، ومعنى هذا أيضاً أن الدولة ليست كل شيء وليست أهم شيء، وحين تصير الدولة هي كل شيء أو هي أهم شيء، في حياة الناس، وحتى في أذهانهم، فإنها تصبح حينئذ أخطر شيء على الناس وعلى قدراتهم ومبادراتهم وفاعليتهم.

أما حين ينظر الناس إلى الدولة على أساس أن لها حيزاً محدوداً ووظائف محدودة، وأنها لا يمكن أن تقوم مقام الأمة ولا أن تلغي وظائفها، فإنهم حينئذ يتحررون من عقدة الدولة ومن تأليه الدولة، وينطلقون في أداء واجباتهم وإصلاح شؤونهم وبناء مجتمعهم وحمل رسالتهم، أياً كانت مواقف الدولة ودرجة تعاونها أو تخاذلها أو انحرافها.

ومن الواضح جداً أن عامة المسلمين وعلماء المسلمين عاشوا ومضوا زمناً طويلاً وقروناً عديدة على هذا الأساس، ولذلك استمر الإسلام يزداد قوة بعد قوة، وينتشر ويتسع مداه يوماً بعد يوم، واستمرت الشعوب الإسلامية في تماسكها وتقدمها وعطائها بالرغم مما أصاب أنظمتها الحاكمة وحكامها من أعطاب وعيوب لا أنكر آثارها السيئة ولا أقلل منها.

وهذا ما يحتم علينا العناية بالأمة وبتفعيل طاقاتها وتطوير آليات عملها قبل العناية بالدولة ومؤسساتها، ليكن شعارنا في ذلك: (بناء الأمة وتفعيلها أولاً).

لنتذكر أن الأمة هي ما يزيد على الألف مليون، وأن عشرات الملايين منهم يوجدون في قلب الدول الغربية والحضارة الغربية، وأن في الأمة ملايين من العلماء والأثرياء، ومن المفكرين والمبدعين، ومن الدعاة والعاملين، وملايين من المستعدين الراغبين في البذل والتضحية والجهاد لدينهم ولأمتهم وللبشرية قاطبة، وأن كل هذه الطاقات التي لا يحصيها إلا الله تعالى، لا تحتاج إلا إلى التحريك والتوجيه، تحتاج إلى من يسلك بها سبل الرشاد، في الدعوة والتعليم والإعلام والتدافع السياسي والثقافي السلمي، والعمل الخيري والتنموي.

إن الامتحان الكبير الذي على العلماء وطلائع العمل الإسلامي أن يخوضوه وينجحوا فيه هو تفعيل طاقات الأمة في جميع الاتجاهات، والوصول إلى الاشتغال الآلي للمجتمع الأهلي، أو ما يسمى اليـوم بالمجتمـع المدني.




معاملة المرأة مقياسٌ للتحضّر والتخلّق

بسم الله الرحمن الرحيم

روى الإمامان البخاريّ ومسلم في حديث طويل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “كنّا معشر قريش قوماً نغلب النّساء، فلمّا قدِمنا المدينةَ وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم … فتغضّبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرتُ أن تراجعني. فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟! فو الله إنّ أزواج النبيّ – صلى الله عليه وسلم- ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل. فانطلقت فدخلت على حفصة (ابنته)، فقلت أتراجعين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟! فقالت نعم. فقلتُ: أتهجره إحداكنّ اليوم إلى الليل؟! قالت نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله – صلى الله عليه وسلم- فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئاً، وسلينى ما بدا لك…”.

وقد دلّ هذا الحديث على أمور عديدة منها:

1. أنّ العلاقة الزوجيّة لدى أهل مكّة القرشيين، كانت قائمة على أساس غلبة الرجال للنساء؛ فالكلمة كلمة الرجل، والشأن شأنه، والصوت صوته، ولا صوت للمرأة يعلو مع صوته، ولا شأن لها فيما يفعله وفيما يتركه.

2. أنّ الأمر عند أهل المدينة كان على خلاف هذا، فالأنصار قوم تغلبهم نساؤهم، أو نقول: كان الأنصار يتركون الغلبة لنسائهم؛ فلهن شأن مرفوع، ولهن رأي مسموع، ولهن نفوذ مع أزواجهن. وهذا هو السلوك الذي وصفه عمر بأنّه “أدب نساء الأنصار”، كما في رواية للبخاريّ، وبفضل هذه المكانة المحترمة للمرأة المدنيّة الأنصاريّة، تميّز نساء الأنصار بشجاعتهنّ في البحث والسؤال عن أحكام دينهنّ الجديد، حتّى فيما يشوبه الحياء والخجل والتحرّج. وها هي القرشيّة أم المؤمنين رضي الله عنها تشهد للأنصاريات بذلك، حيث قالت: “نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقّهن فيه”.

3. أن النساء القرشيّات المهاجرات إلى المدينة بدأن يتأثّرن ويقتدين بنساء الأنصار، في ممارسة نوع من الغلبة أو المغالبة، وذلك بمزاحمة أزواجهن في الرأي والقرار والمعاملة.

4. أنّ معاملة رسول الله وعلاقته بنسائه كانت على نحو ما عند الأنصار وعلى وفق” أدب نساء الأنصار”. أو بعبارة أصحّ؛ كان أدب الأنصار ونساء الأنصار على وفق الهدي والأدب الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يسمح ويتحمّل أن تناقشه أيّ واحدة من زوجاته، وأن تراجعه في رأيه وتصرّفه، وأن تهجره طيلة النهار، تعبيراً عن مغاضبة ومعاتبة، أو لأجل طلب لم يستجب لها فيه …

5. أنّ زوجة عمر رضي الله عنها وعنه، بدأت تتأسّى بالنموذج النبويّ، وبالنموذج المدنيّ، وسندها في ذلك ما كانت تسمعه من ابنتها حفصة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فلذلك تشجّعت وأقدمت على مراجعة عمر في شأن من شؤونه، رغم شدّته المعروفة، ورغم صخبه وغضبه عليها.

وعموماً نستطيع أن نقول: إنّ هذا الهدي النبويّ المتّسم بالاحترام والتكريم والتسامح والإيثار في معاملة المرأة، وكذلك خُلق الأنصار مع نسائهم، المطابق للهدي النبويّ… إنّ هذا قد أحدث نقلة نوعيّة في معاملة النساء في البيئة العربيّة التي كانت سمتها السائدة هي غلبة الرجال للنساء. 

بل إنّ غلبة الرجال للنساء وسيطرتهم عليهنّ، هو الوضع السهل السائد لدى عامّة الأمم والشعوب، قديماً وحديثاً. وليس في هذا أيّ فضل أو مزيّة أو رقيّ، بل الفضل والمزيّة والرقيّ هو ما يتحقّق في عكس ذلك، فلهذا جاء الإسلام ينقل النّاس ويدرّبهم على ما فيه الفضل والمزيّة والرقيّ. وهذه النقلة والترقية ليست بالشيء الميسور على من اعتاد خلافها فرديّاً وجماعيّاً، وهذا واضح في موقف عمر، وما حكاه عن قومه وعن نفسه، رضي الله عنه، فهو حتى حينما تحقّق من نمط المعامة السائدة بين رسول الله وزوجاته، وحتّى حينما “غلبته” زوجته (عاتكة) بقوّة حجّتها، فإنّه لم يستسغ الأمر، ولم يرض من ابنته خاصّة أن تتجرأ على رسول الله بالمراجعة والمغاضبة، حتّى في حياتهما الزوجيّة.

وقد أخرج الإمام مالك في موطّئه “عن عاتكة بنتِ زيد بن عمرو بن نفيل – امرأة عمر بن الخطاب – أنّها كانت تستأذن عمر بن الخطاب إلى المسجد فيسكت، فتقول: والله لأخرجنّ إلا أن تمنعني. فلا يمنعها”. إنّه المنطق الجديد والسلوك الجديد، بدأ يفرض نفسه، ويُعلِّم الناس الغلبة بالعدل والإحسان، بديلاً عن الغلبة بالقوّة والشدّة.

وفي سبيل ترسيخ هذه النقلة وقِـيَمها وثقافتها، نجد أيضا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»

فمعيار الخيريّة والأفضليّة هو معاملة الإنسان لأهله، أي: لزوجته وأهل بيته، فأفضل الناس ديناً وخلقاً هو أحسنهم معاملة لأهله، وأحسنهم خلقاً مع أهله، والعكس بالعكس.

وهذا الحديث يشير إلى وضع اجتماعيّ فاسد، ولكنّه سائد؛ وهو أنّنا نجد كثيراً من النّاس على قدر مرموق من حسن الخلق ومن حسن المعاملة، في علاقاتهم مع أصدقائهم وزملائهم ورفقائهم، فتجد عندهم الكثير من الرّقّة والبشاشة والأدب والإيثار والتسامح … ولكنّك تجدهم مع أهلهم وداخل بيوتهم على غير هذا، إن لم نقل على عكس هذا…! 

وما زال كثير من الرجال يعتقدون أنّ من تمام رجولتهم وقوامتهم، أن يفرضوا إرادتهم واستبدادهم وغلبتهم وخشونتهم على نسائهم، ويعتقدون أنّ مراعاة آراء المرأة المخالفة لآرائهم، والتنازلَ عن رغباتهم لرغباتها، وخفض الجناح لها، هو نقصان وضعف لا يليقان برجولتهم ومكانتهم، فلأجل ذلك ولأجل هؤلاء قال عليه السلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»

على أنّ من مواريثنا الخلقيّة الجميلة التي مازالت تحتفظ بشيء من بقاياها في مجتمعاتنا الإسلاميّة، إيثار المرأة بالمساعدة والتقديم والنجدة، كما نجد – مثلاً – في مواطن الازدحام والانتظار، وعند الحاجة إلى مقعد للجلوس في القطارات والحافلات ونحوها، أو عند التبضّع في الدكاكين …

وهذا السلوك الكريم أصله في سنن الأنبياء، كما حكى القرآن عن موسى عليه الصلاة والسلام: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِيّ حتّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّيّ لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص/23، 24]

مسألة ضرب النساء:

في هذا السياق الذي نحن فيه، لا بدّ أن ترِدَ مسألة ضرب الزوجات، المذكور في قوله تعالى {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِيّ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء/34]

فالآية يستفاد منها جواز ضرب الزوجة، فكيف يجتمع هذا مع ما تقدم كلّه من نصوص في تكريمها وتقديمها وحسن معاملتها؟

وللجواب عن هذا السؤال ورفع هذا الإشكال، أقول:

1. لا ينازع مسلم في أن أفضل تفسير وأرقى تطبيق للقرآن الكريم هو ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تزوّج النبيّ الكريم عشر نساء، من أعمار وصفات مختلفة، وعلى مدى زمنيّ يقترب من أربعة عقود، وها هي إحدى زوجاته – السيّدة عائشة – تروي لنا وتقول: “ما ضرب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شيئاً قطّ بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قطّ فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عزّ وجلّ”.

وعن عبد الله بن زمعة ، قال : “وعظ النبيّ صلى الله عليه وسلم الناسَ في النساء، فقال: يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد، ثم يعانقها آخر النهار ؟!”

2. هذا الضرب يترتّب على ثلاث مراحل، هو رابعها:

ف

أوّلها: أنّ هناك نشوزاً فعليّاً تخشى عواقبه، والنشوز هو تمرّد الزوجة على زوجها في معاشرته وقوامته، وأمّا عواقبه المحذورة، فهي دفع الزوج إلى الوقوع في الفاحشة، وهي كذلك احتمال الوصول إلى الطلاق وتشتيت الأسرة، قال ابن عاشور: “ومعنى {تخافون نشوزهنّ}: تخافون عواقبه السيّئة، فالمعنى أنّه قد حصل النشوز، مع مخائل قصد العصيان والتصميم عليه، لا مطلق المغاضبة أو عدم الامتثال، فإنّ ذلك قلّما يخلو منه حال الزوجين”.

و ثانيها: اعتماد الوعظ والنصح مدّة من الزمن، لمعالجة هذا النشوز وإصلاح ما فسد من علاقة وسوء تصرّف. 

و ثالثها: هجران المرأة الناشز، مدّة أخرى، عسى أن تنتبه إلى عواقب نشوزها.

والحقيقة أنّ هذه المراحل الثلاث التي وضعها الشرع قبل اللجوء إلى الضرب، إنّما هي حواجز حكيمة تمنع الوصول إلى الضرب، لمن كان لهم عقل وخلق، وبهذا لا يكاد يبقى لفكرة الضرب المذكورة في الآية إلا وظيفة تحذيريّة وقائيّة.

3. ومع هذا كلّه، أو بعد هذا كلّه، فإنّ الضرب لا يجوز بحال أن يقع في الوجه، ولا يجوز أن يكون لغير النشوز المتحقّق المستمرّ، ولا يجوز أن يكون ضارّاً ولا مؤثّراً في الجسم، فإن وقع شيء من هذا فهو عدوان يستحقّ فاعله العقاب في الدنيا والآخرة.




الخلافة على منهاج النبوة والخلافة على منهاج “داعش”

في أواسط العقد الثاني من القرن العشرين الميلادي، نفَّذ القائد العسكري التركي الضابط مصطفى كمال -الملقب لاحقا بكمال أتاتورك- أول انقلاب عسكري -بالمعنى الحديث- في العالم الإسلامي، ونفذ بعد ذلك قرارا أوروبيا يقضي بإلغاء الخلافة العثمانية التي كانت تجمع تحت مظلتها معظم الأقطار الإسلامية.

عندها أحس كثير من المسلمين -من عامتهم وخاصتهم- بنوع من التيتم والضياع، ومن يومها أصبح التطلع إلى عودة الخلافة حلما يراود -أو يؤرق- أذهان كل الغيورين الخائفين على مصير الإسلام والأمة الإسلامية.

وفي هذا السياق أيضا، أصبحت قضية “استعادة الخلافة السليبة” من أكثر القضايا التي تشغل الحركات الإسلامية المعاصرة، بل إن إسقاط الدولة العثمانية -أو الخلافة العثمانية- كان من جملة الأسباب القوية والمباشرة التي دفعت إلى ظهور كبريات الحركات الإسلامية العالمية، مثل: جماعة الإخوان المسلمين التي انطلقت من مصر، وجماعة التبليغ، والجماعة الإسلامية، اللتين انطلقتا من الهند، وجماعة النور التي انطلقت من تركيا، ثم ظهر بعد ذلك حزب التحرير الإسلامي، الذي تخصص في مسألة الخلافة وجعل منها شغله الشاغل ومسعاه الدائم.

فقيام الحركات الإسلامية الحديثة مرتبط بفكرة الخلافة، ردا على إلغائها، أو سعيا لإحيائها، أو تصحيحا للمسار الذي انتهى بسقوطها. فبعضها جعل من إقامة الخلافة بداية ومدخلا لمشروعه الإصلاحي النهضوي، كما هو حال حزب التحرير، وبعضها جعل منه غاية لعمله ومساره عبر مراحل أخرى، كحال جماعة الإخوان المسلمين، وبعضها اعتبر أن مشكلة المسلمين في أساسها وجوهرها ليست قضية خلافة وقضية حكم وسياسة، بل هي قضية أمة ابتعدت عن دينها وتراخت في إيمانها وتدينها، وأن الداء والدواء والمشكلة والحل ها هنا، وهذه هي رؤية جماعة التبليغ وجماعة النور.

وبين هؤلاء وهؤلاء -وعلى فترة من الزمن- نشأت جماعات وتيارات وتعبيرات وأحزاب إسلامية أخرى، لا تجعل من الخلافة حلما من أحلامها، ولا مطلبا صريحا من مطالبها، ولكنها استبدلت بها مطالبَ وأهدافا سياسية محددة ذات طبيعة عملية مقاصدية، مثل: المشروعية، والحرية، والشورى، والعدالة، والحكم الرشيد.

وهذا هو ما يمكن تسميته “الجيل الثاني” من الحركات الإسلامية، أو جيل القرن الـ15.

ولعل أبرز تجلٍّ وأقرب تعبير لهذا الجيل الإسلامي الجديد هو الذي نجده ممتدا من تركيا شرقا إلى موريتانيا والسنغال غربا، ومن حزب العدالة والتنمية التركي، إلى حزب العدالة والتنمية المغربي، وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) الموريتاني.

وفي ما بين تركيا وموريتانيا نمر بالعديد من التيارات الإسلامية الجديدة أو التجديدية في كل من مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب. وهذا مجرد تمثيل بمنطقة جغرافية متصلة، تحتضن -أكثر من غيرها في ما يبدو لي- مواطن مزدهرة ورائدة للجيل الحركي الثاني، وإلا فهذا الفكر منتشر ومتنام، وله كياناته وتجاربه، في دول شرق آسيا وشبه الجزيرة العربية، وغيرها.

على مدى العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، نجد رؤية هذا الجيل تترسخ في صفوف الحركات الإسلامية قديمها وجديدها، وتمضي ناسخة أو مغيِّبة شعار الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية، ومركزة على المحتويات لا على المصطلحات، وعلى المعاني لا على المباني.

وفجأة في الأيام الأخيرة، عاد هذا الشعار إلى الساحتين الإعلامية ثم العلمية، وانفجر السجال على أشده حول “مسألة الخلافة”، وعاد أمل الخلافة وحلمها يخيمان على الآلاف من الشباب المسلمين عبر العالم، فمنهم من بايع، ومنهم من أيد من بعيد، ومنهم من يهفو وينتظر.

وحتى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين -الذي بادر مشكورا إلى إعلان موقفه الرافض للخلافة المعلنة مؤخرا، مؤكدا عدم شرعيتها وفقدانَها كل شروط الخلافة ومقوماتها- افتتح بيانه الصادر في الخامس من رمضان 1435هـ (3\7\2014م) بالقول “والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إزاء هذه القضية يرى ويؤكد على ما يلي:

أولا: إننا كلنا نحلم بالخلافة الإسلامية على منهاج النبوة، ونتمنى من أعماق قلوبنا أن تقوم اليوم قبل الغد”.

عمدة الحالمين بالخلافة وعودتها، هو الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره، وهو عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة”.

وهذا الحديث، أولا: لا يخلو من هشاشة في ثبوته وصحته، وأقصى ما يقوله فيه أهل الاختصاص هو أنه “حَسَنُ الإسناد”. ومثل هذا لا يبنى عليه شيء من الأحكام الغليظة والأمور الجسيمة، وقصارى ما يصلح له هو التبشير وبث الأمل، أما إذا جد الجد وعظمت الأمور، فلا بد من أدلة صحيحة متينة، وإلا فلا.

وثانيا: هناك حديث آخر في الموضوع، وهو في مثل درجة هذا أو أعلى منه، وأعني به حديثَ سفينةَ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي اللهُ مُلكه من يشاء». فهذا الحديث لم يذكر خلافة ثانية تأتي وتكون على منهاج النبوة بعد الخلافة الأولى.

وثالثا: كلا الحديثين ليس فيه أمر ولا نهي، أي ليس فيه تكليف بشيء. فمن ادعى أنه بإعلانه الخلافة وتبعاتها الخطيرة قد قام بما أوجب الله عليه، فليخبرنا أين كلفه الله بهذا؟ ومن أين له هذا الوجوب؟ وإلا فهو دعي، ومن الذين يفعلون ما لا يُؤمرون.

الخلافة بين منهاجين
وأما إذا جئنا إلى مسمى الخلافة الراشدة، أو “الخلافة على منهاج النبوة” فسنجد من صفاتها وأحوالها ما يلي:

1- أنها كانت تجمع تحت ولائها وسلطانها كافة المسلمين -بغض النظر عن قلتهم أو كثرتهم- وأن المسلمين جميعا كانوا راضين عنها فرحين بها. وأما الخلافة المعلنة مؤخرا (خلافة داعش “تنظيم الدولة الإسلامية”) فليس تحت سيطرتها حتى واحد من ألف من المسلمين ومن بلاد المسلمين. ثم هل كل من تحت سيطرتهم مسَلِّم لهم وراغب فيهم ومحب لسلطانهم؟ قطعا لا.

2- أن اختيار الخليفة كان يتم بعد تشاور وتداول بين عامة أهل الرأي والمكانة، بل حتى بمشاركة واسعة من عامة المسلمين -نساء ورجالا- كما في اختيار الخليفة عثمان رضي الله عنه. ولذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه -كما في صحيح البخاري- “فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابَع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا”.

وأما خليفة المسلمين المزعوم، فلا ندري من بايعه ومن اختاره؟ وما قيمتهم ومكانتهم في الأمة الإسلامية؟ والذي نعلمه ولا نشك فيه هو أن صاحبنا بايعه حفنة من أصحابه وأعوانه، وهذا قد يخوله أن يكون أميرا عليهم في شؤونهم الخاصة، وأما أن يصبح بذلك خليفة للمسلمين، فدونه ما بين السماء والأرض.

3- أن التداول والاختيار للخلفاء الراشدين كانا يتمان في حرية مطلقة وأمان تامّ، وليس تحت سطوة السيوف والتهديد والوعيد. وأما الخلافة المتحدث عنها في وسائل الإعلام، فيراد فرضها وتثبيتها في خضم الفتنة والحرب، وفي جو الخوف والرعب، وتحت التسلط والإكراه. وفي ما هو دون هذا بكثير كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يفتي ويقول: طلاق المكره لا يقع. فبيعة المكره والخائف لغو.

4- أن الخلافة الراشدة كانت خلافة وحدة ورحمة ونعمة على المسلمين، لا خلافة حروب أهلية بين المسلمين، ولا خلافة نقمة وفتنة وتمزيق وعذاب.

5- أن الخلافة على منهاج النبوة كانت قائمة على تحقيق المعاني والمقاصد والأعمال، وليس على الشعارات والبيانات، والمظاهر والألقاب. نقل الإمام البغوي في “شرح السنة”، عن حميد بن زنجويه “أن الخلافة إنما هي للذين صدقوا هذا الاسم بأعمالهم، وتمسكوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، فإذا خالفوا السنة، وبدلوا السيرة، فهم حينئذ ملوك، وإن كانت أساميهم الخلفاء”.

وما أكثر الحكام الذين بالغوا في تدبيج ألقابهم وتقديس أنفسهم وتمطيط أنسابهم، وهم في الحقيقة لم يجلبوا لشعوبهم وأمتهم سوى الفتنة والمحنة والوبال والخبال. وفي بعضهم قال الشاعر:

مما يُزهِّدني في أرض أندلسٍ ألقابُ مملكة في غير موضعها
ألقابُ معتضِدٍ فيها ومعتمِدٍ كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ

لا شك أن الهرَّ في أصله كائن محترم ومحبوب، وله مكانته ووظيفته، ولكن حين ينتفخ ويعلن نفسه أسدا، وينصب نفسه “ملك الغابة”، هنا يفقد كل شيء ويصبح لا شيء.

“نَوطُ الأحكامِ الشرعية بمعانٍ وأوصاف، لا بأسماء وأشكال”

هذه العبارة للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور، وقد جعلها عنوانا لمبحث من مباحث كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”. ومعناها أن الأحكام الشرعية لا تبنى ولا تترتب على الأشكال والأسماء والمظاهر، وإنما تبنى على مراعاة حقائق الأشياء وصفاتها المؤثرة.

فليس في الشريعة تحريم شيء أو إباحته أو وجوبه لأن اسمه كذا، ولقبه كذا، أو لأن شكله أو لونه كذا. قال ابن عاشور رحمه الله: “وإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفية للمعاني الشرعية، فتقع في أخطاء في الفقه”.

وفي ما يخص قضيتنا -قضيةَ الحكم والخلافة والسياسة- نجد أن الشرع جاء بالعدل وأوجبه في كل المجالات، وجاء بالإحسان وكتبه على كل شيء، وجاء بالشورى والمشروعية ومنع الاستبداد، وجاء بالإيثار وذم الاستئثار، وجاء بالمساواة والتواضع وتحريم التجبر والطغيان، وجاء بحفظ الأموال العامة وألا تُقرب إلا بالتي هي أحسن، وحرم التخوض فيها بأي استئثار أو اختلاس أو تبذير أو محاباة، وجاء بنصرة الضعفاء وتمكينهم من حقوقهم وكرامتهم وحاجاتهم، وجاء بردع الأقوياء، ومنعهم من البغي والاعتداء، وجاء لتحقيق الأمن ورفع الخوف.

وهذه كلها أركان وفرائض وعزائم قطعية، معلومة مواضعها ومكانتها وأدلتها في الدين. فإذا تحققت هذه المعاني والمقاصد في ظل شيء اسمه الخلافة فنِعْمَتِ الخلافة، وهي التي نريد. وإذا انتهكت وضيعت في ظل “الخلافة” فبئست الخلافة، وهي ما لا نريد. وإذا تحققت دون اسم الخلافة، وتحت أي اسم آخر، فقد حصل المقصود كاملا غير منقوص.

والشرع الذي فرض علينا ما تقدم ذكره -وغيره- من الأحكام والمبادئ والمقاصد، لم يفرض علينا أبدا أن نقيم شيئا نسميه الخلافة، أو الخلافة الإسلامية، أو دولة الخلافة، ولا فرض علينا أن نقيم شكلا معينا ولا نمطا محددا لهذه الخلافة أو لهذه الدولة، ولا أمرنا -ولو بجملة واحدة- أن نسمي الحاكم خليفة، وأن نسمي نظام حكمنا خلافة.

ولذلك أقول: لو اختفى لفظ “الخلافة والخليفة” من حياة المسلمين إلى الأبد، ما نقص ذلك من دينهم مثقالَ ذرة ولا أصغرَ منها. ولكن إذا اختفى العدل، واختفت الشورى، وشرعية الحكم ليوم واحد، فتلك طامة كبرى.

إن “خلافة” تأتينا بالسيف وتخاطبنا بالسيف، لن تكون -فيما لو كانت- إلا نذير شؤم ومصدر شر لهذه الأمة.

نحن نعاني من ويلات حكام أتونا بالسيف، ويحكموننا بالسيف، وبعضهم ما زال يتخذ السيف شعارا لدولته ورايته، فكفانا سيفا وتسلطا.

نعم للسيف حين يصد الغزاة ويطرد المحتلين ويذل عملاءهم وأولياءهم، وحين يحمي الأوطان ويؤمن الثغور والجبهات. أما حين يتجه السيف إلى نحور المسلمين، ويتجه إلى السيطرة والتحكم، ويصبح بديلا عن الشرعية والشورى، ووسيلة لإعلان الخلافة، فهو باطل ومرفوض هو وخلافته.




الكليّات القرآنيّة: إيجاز وإعجاز [1]

بسم الله الرحمن الرحيم

مدخل حول عنوان المؤتمر: التشريع الإسلاميّ الملاذ الآمن للبشريّة…

لا شكّ أنّ هذا العنوان الجميل والموفّق يعبّر عن الحقيقة التي لا تخفى على أيّ دارس للشريعة الإسلاميّة وخصائصها ومقاصدها.

غير أنيّ أريد أن أوضّح أنّ التشريع الإسلاميّ ليس منحصراً في التشريعات المتوقّفة على اعتماد الدولة ومؤسّساتها، وعلى التطبيق الرسميّ لها؛ بعبارة أخرى: التشريع الإسلاميّ ليس مجرد أحكام قانونيّة تتبناها الدولة، وتعمل بها في محاكمها، التشريع الإسلاميّ أوسع من ذلك بأضعاف مضاعفة، وهو الملاذ الآمن للبشريّة بهذا المعنى الواسع الشامل لجوانب الحياة كلّها: الفرديّة والجماعيّة، الخاصّة والعامّة، الماديّة والروحيّة، الأخلاقيّة والاجتماعيّة…

ولذلك فالتشريع الإسلاميّ يشتغل ويسير بمحرّكين اثنين:

محرّك أصليّ أساسيّ، وهو المحرّك الإيمانيّ الديانيّ الإراديّ،

ومحرّك تكميليّ احتياطيّ، وهو المحرّك السلطانيّ الإلزاميّ.

وأنا أتحدّث عن التشريع الإسلاميّ وعن الكلّيّات القرآنيّة بكلّ هذه المعاني والأبعاد.

الكلّيّات القرآنيّة: إيجاز وإعجاز:

في القرآن الكريم أحكام كليّة جامعة، وفيه أحكام ووقائع جزئيّة مفصّلة، وهو في كلّ ذلك يتّسم بالإيجاز والإعجاز.

وموضوع هذه الورقة يتناول الصنف الأوّل؛ صنف الكلّيّات وما فيها من إيجاز جامع معجز، فالكلّيّات القرآنيّة يمكن وصفها بأنّها: عبارة عن نصوص ذات كلمات محدودة، ومعانٍ لا محدودة، أو هي معان كثيفة، بعبارات خفيفة.

فهي من جملة “جوامع الكلِم”، التي ذكرها النبيّ صلى الله عليه وسلم.

ففي الصحيحين عن أَبِى هُرَيْرَة  قَال، قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ…».

وفي رواية لمسلم: «وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِم …».

فما معنى جوامع الكلم؟ وما المراد بجوامع الكلم التي أوتيها -أو بُعث بها- النبيّ صلى الله عليه وسلم؟

الكلِمُ جمع كلمة، قاله الطبريّ وابن عطيّة في تفسيريهما[2].

وفي لسان العرب: “والكِلْمَة: لغةٌ تَميمِيّة، والكَلِمَة: حجازيّة، وَجَمْعُهَا كَلِمٌ، تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ. يُقَالُ: هُوَ الكَلِمُ وَهِي الكَلِم”.

وتطلق الكلمة، أو الكَلِمُ، على الكلام المختصر القصير…

ولفظ “جوامع”، جمع مفرده جامعة.

ومعنى جوامع الكلم: الكلام القليل، أو الكلِم القليل، الجامع للمعاني الكثيرة الواسعة المتشعّبة.

قال الإمام البخاريّ في صحيحه: “وبلغني أنّ جوامع الكلم: أنّ الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك”.

ولعل البخاريّ يقصد بقوله “وبلغني”، قولَ الإمام ابْن شهَاب الزهريّ، “فِيمَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ: بَلغنِي أَن جَوَامِع الكَلم: أَنّ الله تَعَالَى يجمع لَهُ الْأُمُور الْكَثِيرَة التي كَانَت تكْتب في الْكتب قبله في الْأَمر الْوَاحِد أَو الْأَمريْنِ أَو نَحْو ذَلِك“[3]

وَقَالَ الْخطابِيّ: “مَعْنَاهُ: إيجاز الْكَلَام في إشباع المعَانِي“[4].

ما هي جوامع الكلم التي خُصّ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟

للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

الأوّل: هو أنّ جوامع الكلم هي أقواله وأحاديثه الجامعة، كقوله: إنّما الأعمال بالنيّات. وقوله: كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام. وقوله: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ.

وهذا هو القول السائد والمتبادر، فلا أطيل فيه ولا فيما يدلّ عليه.

الثاني: أنّ المراد بها القرآن الكريم.

قال ابن بطّال: “وأمّا جوامع الكلم فهو القرآن؛ لأنّه تأتي منه الآية في معان مختلفة ولها تأويلات مختلفة، وكلّ يؤدّى إلى [.…] والأخذ به. يدلّ على ذلك قوله تعالى: (ما فرّطنا في الكتاب من شيء). فهذا يدلّ على أنّ القرآن الكريم جوامع، وقوله: (خذ العفو وأْمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين). فلو أنّ هذا نزل في تدبير الدنيا والآخرة لكفاهما“[5].

وقَالَ ابْن التِّين: “جَوَامِعُ الْكَلمِ الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّهُ يَقع فِيهِ المعَانِي الْكَثِيرَة بالألفاظ القليلة، وَكَذَلِكَ يَقع في الْأَحَادِيث النَّبَوِيّة الْكثيرُ من ذَلِك”.[6]

وقال ابن الأثير في حديث «أوتيت جوامع الكلم»: “يعني القرآن، جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة، واحدها جامعة: أي: كلمة جامعة“[7].

وقال الحافظ ابن حجر: “وجزم غير الزهريّ بأنّ المراد بجوامع الكلم القرآن، بقرينة قوله بعثت. والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ واتِّساع المعاني“[8].

الثالث: وهو القول الأشمل الأعدل، مضمنه أنّ “جوامع الكلم” التي أوتيها النبيّ صلى الله عليه شاملة للقرآن الكريم أولاً وأساساً، وشاملة كذلك للأحاديث النبويّة الكليّة الجامعة.

وإلى هذا ذهب ابن رجب جازماً، حيث قال: “فجوامع الكلم التي خُصّ بها النبيّ صلى الله عليه وسلم نوعان:

أحدهما: ما هو في القرآن، كقوله عزّ وجلّ: {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} (النحل: 90). قال الحسن: لم تترك هذه الآية خيراً إلّا أمرت به، ولا شرّاً إلّا نهت عنه.

والثاني: ما هو في كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو منتشر موجود في السّنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم، وقد جمع العلماء جموعاً من كلماته صلى الله عليه وسلم الجامعة؛ فصنّف الحافظ أبو بكر بن السنّيّ كتاباً سمّاه: ” الإيجاز وجوامع الكلم من السّنن المأثورة “. وجمع القاضي أبو عبد الله القضاعيّ من جوامع الكلم الوجيزة كتاباً سمّاه: ” الشهاب في الحكم والآداب “. وصنّف على منواله قوم آخرون، فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة، وأشار الخطابيّ في أوّل كتابه ” غريب الحديث ” إلى يسير من الأحاديث الجامعة، وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلساً سمّاه ” الأحاديث الكليّة “، جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال: إنّ مدار الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، فاشتمل مجلسه هذا على ستّة وعشرين حديثاً…“[9].

بين الإيجاز والإعجاز: 

وإلى هذا القول الثالث مال الحافظ ابن حجر في تعقبه للإمام البخاريّ. قال في الفتح:“يؤخذ من إيراد البخاريّ هذا الحديثَ عقب الذي قبله أن الرّاجح عنده أن ّالمراد بجوامع الكلم القرآن، وليس ذلك بلازم؛ فإنّ دخول القرآن في قوله بعثت بجوامع الكلم لا شكّ فيه، وإنّما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن، وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قولَه تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلّكم تتّقون) وقوله (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتّقه فأولئك هم الفائزون) إلى غير ذلك“[10].

لعلّ أوّل من ربط بين الإيجاز والإعجاز، ووضع لذلك كتاباً خاصّاً، هو الأديب اللغويّ المؤرخ أبو منصور الثعالبيّ (350هـ /429ه)، في كتابه الممتع (الإعجاز والإيجاز).

وقد جعل أوّل أبوابه العشرة “في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجِز المعجز”، وجعل “الباب الثاني في جوامع الكلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم…”.

وأنقل فيما يلي نموذجاً ممّا قاله في الباب الأوّل، وهو الباب الذي يدخل في موضوعنا: قال رحمه الله: “من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبّه على فضل الإعجاز والاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز، فليتدبّر القرآن، وليتأمّل علوّه على سائر الكلام.

فمن ذلك قوله عزّ ذكره {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثمّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13]. استقاموا: كلمة واحدة، تفصح عن الطاعات كلّها في الائتمار والانزجار. وقوله: فلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، أُدرج فيه ذكر إقبال كلّ محبوب عليهم، وزوالَ كلّ مكروه عنهم، ولا شيء أضرّ بالإنسان من الحزن والخوف، لأنّ الحزن يتولّد من مكروه ماض أو حاضر، والخوف يتولّد من مكروه مستقبل، فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه، بل يتبرّم بحياته، والحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس، كما أنّ السرور والأمن من أقوى أسباب صحّتها؛ فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كلّ محنة وبليّة، والسرور والأمن موضوعان بإزاء كلّ صحّة ونعمة هنيّة“[11]. اهـ.

ومن نوادر التفطّن لما في القرآن من الإيجاز المعجز الباهر، ما وقع للأصمعيّ إمامِ اللّغة والبلاغة (122 — 216 هـ)، مع فتاة بدويّة حين سمعها تنشد وتقول:

أستغفر الله لأمري كلّهِ … قتلت إنساناً بغير حلّهِ

مثل غزال ناعماً في دَلّه … انتصف الليل ولم أصله

فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك. فقالت له: أوَ يُعَدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فجمع في آية واحدة خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين).

فالخبران هما {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} وقوله {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ}، لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه.

والأمران هما: {أَرْضِعِيهِ} و (ألقيه).

والنهيان: {وَلا تَخَافِي} و {وَلا تَحْزَنِي}.

والبشارتان {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .

من الكلّيّات العلميّة إلى الكلّيّات العمليّة

فيّ “كتاب العلم” من صحيح البخاريّ نجد الباب العاشر، الذي قال المؤلّف رضي الله عنه في ترجمته وبدايته: “باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى {فاعلم أنّه لا إله إلا الله} فبدأ بالعلم”.

ومعنى هذا أنّ العلم سابق على أيّ قول، وسابق على أيّ فعل، ومعنى هذا أنّ الإيمان، وهو علم، مقدّم على التشريع المتعلّق بالأقوال والأفعال.

وإذا كانت الكلّيّات سابقة على الجزئيّات، فإنّ الكُلِّيّات العلميّة والعقديّة سابقة على الكلّيّات العمليّة والتشريعيّة، بل هذه مبنيّة على تلك، وهذا ما عناه الإمام البخاريّ، وهو المشار إليه في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا في السَّمَاء تُؤْتِيّ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24 ـ 25].

قال ابن القيّم رحمه الله: “فشَبَّه سبحانه الكلمة الطيّبة بالشجرة الطيّبة، لأنّ الكلمة الطيّبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيّبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيّبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنّها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة… ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كلّ وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبّة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقّها، ومراعاته حقّ رعايتها.…

… فالمؤمن دائمٌ سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة، وتنقية ما حولها، فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتمّ”[12].

وتشبيه الإيمان وما يتفرّع عنه من أحكام وأحوال، وأقوال وأفعال، بالشجرة وما يتفرّع عنها من أغصان وأوراق وثمار متجدّدة، هو ما تمثله واستوحاه، وجسّده وبيّنه، الإمامُ عزّ الدين بن عبد السلام في كتابه الفذّ (شجرة المعارف والأحوال وصالحِ الأقوال والأعمال).

فالكتاب من أوّل كلمة في عنوانه قائم على فكرة الشجرة، الواردة في الآية سالفة الذكر من سورة إبراهيم، والشجرة عند ابن عبد السلام هيّ شجرة معارف عقليّة قلبيّة وأحوالٍ نفسيّة شعوريّة، وعن هذه الشجرة تتولّد وتنبثق الصالحات من كافّة الأقوال والأعمال.

وقد اختار المؤلّف من تلك الشجرة غصناً واحداً، ركّز عليه وأبرز ما أمكن من ثماره وآثاره، وهو غصن “الإحسان”. وما الإحسان إلّا كلمة كلّيّة من كلّيّات القرآن.

وابن عبد السلام منذ بداية الكتاب يقول: “وبعد، فإنّ الله فضّل الإنسان بالنُّطق والبيان، والعقل والعرفان، ثمّ أدّبه بالقرآن، وأمره بكلّ برّ وإحسان…“[13].

ثمّ يضيف: “فانحصر الإحسان في جلب المصالح الخالصة أو الراجحة، وفي دفع المفاسد الخالصة، وانحصرت الإساءة[14] في جلب المفاسد الخالصة أو الراجحة، وفي دفع المصالح الخالصة والراجحة[15]

وقد جعل البابَ الثاني “في التخلّق بصفات الرحمن على حسب الإمكان”، وختمه ولخّصه بالقول: “من أفضل التخلّقات أن تحسن إلى عباد الله بمثل ما أَحسن به إليك، وأن تُنعم عليهم بمثل ما أَنعم به عليك؛ قال تعالى:{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 9، 10]، أي: عامل السائلَ بمثل ما عاملناك، فإنّا وجدناك عائلاً فأغنيناك، {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، أي: حدّثهم بما أنعمنا به عليك من هدايتنا، فإنّا وجدناك ضالاً فهديناك“[16]

وأمّا الباب السابع فهو “في الإحسان العام…”.

وقد بدأه بالقول: “كلّ من أطاع الله فهو محسن إلى نفسه بطاعته، فإن كان في طاعته نفعٌ لغيره فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره، وإحسانه إلى غيره قد يكون عاماً وقد يكون خاصّاً. والإحسان عبارة عن جلب مصالح الدارين أو إحداهما،، ودفع مفاسدهما أو إحداهما…“[17].

وأمّا الباب الثامن فجعله “في ضروب الإحسان المذكور في كتب الفقه”.

يليه الباب التاسع، وهو “في الإحسان بإسقاط الحقوق”،

فالباب العاشر، “في الإحسان ببذل الأموال”،

ثمّ الباب الحادي عشر “في الإحسان بالأخلاق والأعمال”،

والباب الثاني عشر “في الإحسان بالأقوال”،

والباب الثالث عشر “في الإحسان بالدعاء القاصر والمتعدّي”،

ثمّ يأتي الباب السابع عشر بعنوان “في الإحسان المتعلّق بالجهاد”،

وحتّى حين تخلو عناوين بعض الأبواب من كلمة “الإحسان”، فإنّنا نجدها بكثافة في عناوين الفصول، فضلاً عن تفاصيلها.

ومن الواضح أنّ ابن عبد السلام قد جعل من كتابه هذا تشجيراً بيانيّاً للآية الكريمة {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} [النحل: 90].

وهي الآية التي قال عنها الحافظ ابن عبد البرّ: “وقد قالت العلماء: إنّ أجمع آية للبرّ والفضل ومكارم الأخلاق، قولُه عزّ وجلّ: (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان…)… “ [18].

وللفقيه الحنبليّ العلّامة مرعي المقدسيّ (1033هـ) رسالة خاصّة في تفسير هذه الآية وبيان مضامينها، سمّاها: (قلائد العقيان في قوله تعالى: إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان) [19].

ومن المعاصرين قال عنها الشيخ محمد عزّة دروزة “والآية من جوامع الكلم القرآنيّة الرائعة، فيما يجب أن يفعله المؤمن، وفيما يجب أن ينتهي عنه، تجاه مجتمعه أفراداً كانوا أو هيئات، وتجاه أقاربه.صهيب

فالمتبادر أنّ العدل في الآية لم يقصد به العدل في القضاء، أو لم يقصد به ذلك فحسب، بل قصد به العدل المطلق، الذي يتناول معاني الإنصاف وعدم الاجحاف، وعدم تجاوز الحقّ قولاً وفعلاً في كلّ موقف ومناسبة“[20].

يحلّ الطيّبات ويحرّم الخبائث:

وهذه قاعدة كليّة أخرى من الكلّيّات التشريعيّة في القرآن الكريم، يأتي ذكرها في كلمات معدودة، بل حروفها معدودة، ولكن مشمولاتها التشريعيّة لامتناهية.

وقد ذكرت الطيّبات وحدها في عدّة آيات، ولكنّ الطيّبات بمفهومها تدلّ على حكم ضدّها.

قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4].

وقال: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 5].

وقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51].

وأمّا الآية التي نصّت بمنطوقها على الوجهين معاً، فهي قوله عزّ وجلّ -يصف رسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم-: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157].

فهذه الآيات -بمفردها وبمجموعها- تعطينا حكماً كلّيّاً مفاده: أنّ كلّ ما هو طيّب فهو في الأصل حلال، وكلّ ما هو خبيث فهو في الأصل حرام.((فصار هذا أصلا ًكبيراً وقانوناً مرجوعاً إليه في معرفة ما يحلّ ويحرم من الأطعمة))؛ كما قال الفخر الرازيّ في تفسيره للآية.

وأمّا معنى ( الطيّبات ) ومعنى ( الخبائث )، فللعلماء والمفسرين في تحديده وجهتان مختلفتان:

-الوجهة الأولى تربط معناهما بدلالة الحكم الشرعيّ، فما أباحه الله فهو طيّب، وما حرّمه فهو خبيث. 

ومعنى هذا أنّ الطيّبات هي ما نصّ الشرع على إباحته، وأنّ الخبائث هي ما نص الشرع على تحريمه، قال الإمام الطبريّ: “الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربّكم في أكله من الذبائح”[21].

وقال عن الخبائث: ((وذلك لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلّونه من المطاعم والمشارب التي حرّمها الله))[22].

-الوجهة الثانية لفريق آخر من العلماء لم يرتض هذا التفسير، لأنّه لا يفيد شيئاً جديداً في حكم الآيات الناصّة على تحليل الطيّبات وتحريم الخبائث، فالأشياء المنصوص على إباحتها وكذلك المنصوص على تحريمها، قد عرفت بأعيانها وأسمائها، ولذلك ذهب هؤلاء إلى أنّ الطيّبات والخبائث هي على عمومها ومعناها اللغويّ، فتشمل تحليل كلّ طيّب بصفته طيّباً، وتحريم كلّ خبيث بصفته خبيثاً، سواء كان منصوصاً عليه، أو لم يكن؛ قال الفخر الرازيّ: “واعلم أنّ الطيِّب في اللّغة هو المستلَذّ، والحلال المأذون فيه يسمّى طيّباً، تشبيهاً له بما هو مُسْتَلذّ، لأنّهما اجتمعا في انتفاء المضرّة. فلا يمكن أن يكون المراد بالطيّبات هنا المحلَّلات، ومعلوم أنّ هذا ركيك، فوجب حمل الطيّبات على المستلذّ المشتهَى. فصار التقدير: أُحلّ لكم كلّ ما يستلذّ ويشتهى”[23].

وقال ابن عاشور: ((والمراد بالطيبات في قوله {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} معناها اللغويّ، ليصحّ إسناد فعل ( أحلّ ) إليها…))[24].

فظهر أنّ الطيّبات المباحة هي أوسع مما جاءت النصوص بتعيينه وتسميته والتصريح بإباحته، وأنّ الخبائث المحرّمة هي أوسع مما جاء التنصيص على تحريمه باسمه، فما أحلّه الله تعالى بعينه فهو من الطيّبات لا شكّ، ولكنّه ليس هو كلّ الطيّبات المباحة، وما حرّمه الله بعينه، فهو من الخبائث لا شكّ، ولكنّه ليس هو كلّ الخبائث المحرّمة.

فهناك طيّبات لا حصر لها غير منصوص على إباحتها بعينها وباسمها، فهذه تباح وتحلّ بمقتضى النصّ العام على إباحة الطيّبات، وهناك خبائث لا حصر لها لم ينصّ على تحريمها بعينها وباسمها، فهذه محرّمة بالنصّ العام على تحريم الخبائث.

فالحاصل أنّ المباحات والمحرّمات في الشرع صنفان:

صنف وقع تحليله وتحريمه بأعيانه وأسمائه، كما في قوله تعالى {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1]، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]، وقوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3].

وصنف وقع تحليله أو تحريمه بصفاته، كما في موضوعنا {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}.

فالتحليل والتحريم قد يكونان بالنصّ الخاصّ، وقد يكونان بالوصف العامّ.

وفي قوله تعالى {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: 5] ذُكر الصنفان معاً، ففيه تحليل عام غير معيّن، وهو تحليل الطيّبات، وفيه تحليل شيء بعينه وهو طعام أهل الكتاب. ففي الآية تحليل كلّيّ بالوصف، وتحليل جزئيّ بالاسم.

والذي يعنينا الآن -ونحن في موضوع الكلّيّات- هو الحكم الكلّيّ بتحليل الطيّبات وتحريم الخبائث، وهذه القاعدة تعتبر موضّحة ومقيّدة للقاعدة الكليّة السابقة ( الأصل الإباحة والتسخير )؛ فالإباحة والتسخير قائمان ساريان فيما هو طَيّب، وفيما هو باقٍ على طِيبه، وأمّا الأشياء التي تحوّلت أو حُوِّلت إلى خبائث، فهي داخلة في دائرة التحريم.

ومعلوم أنّ كلّ ما خلقه الله تعالى وسخّره لعباده طيّب نافع، عدا استثناءات طارئة، لا تخرج عن حدّ الندرة والضآلة.

وأكثر هذه الاستثناءات ليست خبيثة بأصلها، وإنّما تصير خبيثة، بفعل الإنسان وبسوء استعماله، كما هو الحال في الخمر، وفي السموم، وفي المكاسب المحرّمة لما فيها من ظلم وغصب وفساد، وهذا يقودنا إلى مسألة أساسيّة في موضوعنا، وهي المعايير التي تعرف بها الطيّبات والخبائث التي ليست منصوصاً على تعيينها وتسميتها.

لقد تقدّم في قول بعض المفسّرين أنّ المعنى المراد بالطيّبات والخبائث هو المعنى اللغويّ المتعارف عليه، وهذا مهمّ ومفيد، ولكنّه لا يغني عن تحديد معايير موضوعيّة لمعرفة ما هو طيّب وما هو خبيث، بخاصّة مع تعدّد الاستعمالات وتطوّر المفاهيم اللغويّة والعرفيّة.

يقول العلّامة ابن عاشور: ((وأصل معنى الطيِّب: معنى الطهارة والزكاة والوقعِ الحسن في النفس، عاجلاً وآجلاً، فالشيء المستلذّ إذا كان وخِماً ( أيّ وخيم العاقبة ) لا يسمّى طيّباً، لأنّه يُعقب ألماً وضرراً)) [25].

فالطيّب بالإضافة إلى كونه مستلذّاً ومحبّباً إلى النفوس يجب “أن يكون غير ضارٍّ ولا مستقذر ولا منافٍ للدين، وأن يكون مقبولاً عند جمهور المعتدلين من البشر.…)) [26].

وبالمقابل يحدّد أوصاف الخبائث المحرّمة، بما يضرّ تناولُه العقل أو البدن، وما هو نجس بالشرع، وما هو مستقذر بالطبع))([27]).

ويضيف ابن تيميّة صنفاً آخر من الخبائث، حيث يقسّم الخبائث إلى نوعين: ((ما خبث لعينه)) [28]، لمعنى قام به، كالدم والميتة ولحم الخنزير، وما خبث كسبه، كالمأخوذ ظلماً، أو بعقد حرام كالربا والميسر)) [29].

ومعنى هذا أنّ خبث الأشياء،ـ وكذلك طيبها، قد يكون ذاتيّاً حسّيّاً، وهذا يعرف بالطبع والتجربة، وقد يكون معنويّاً حُكميّاً، وهذا يعرف بالشرع ودلائله، وكلّ ذلك ينبني عليه التحريم أو التحليل.

____________________

[1] ورقة مقدّمة للمؤتمر الدوليّ السادس للإعجاز العلميّ في القرآن والسُّنّة، في موضوع: التشريع الإسلاميّ الملاذ الآمن للبشريّة، المنعقد بمدينة تطوان المغربيّة، بتاريخ:29 – 30 أبريل 2016

[2]-انظر: جامع البيان للطبريّ (8/432) ، والمحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطيّة (4/431)

[3]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، لبدر الدين العينيّ (14/235).

[4]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، للعينيّ (14/235).

[5]-شرح صحيح البخاريّ لابن بطّال (5/143).

[6]-عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، للعينيّ (14/235).

[7]-النهاية في غريب الحديث والأثر (1/295).

[8]-فتح الباري لابن حجر (13/247).

[9]-جامع العلوم والحكم (1/55).

[10]-فتح الباري12/248.

[11]-الإعجاز والإيجاز، ص 10÷11− الطبعة الأولى بمصر 1862م.

[12]-الأمثال في القرآن 35 ـ 39.

[13]-شجرة المعارف والأحوال، 11.

[14]-التي هي ضدُّ الإحسان. وعلى هذا الأساس، ولكون تَوَقّي الإساءة هو نوع من الإحسان، اعتنى الإمام بشتّى أنواع الإساءات الظاهرة والباطنة، وخصّص لها البابين السادس عشر والرابع عشر. فحديثه عن الإساءة هو حديث عن وجه من وجوه الإحسان.

[15]-شجرة المعارف والأحوال، 12 – 13.

[16]-شجرة المعارف والأحوال، 42.

[17]-نفسه، ص112.

[18]-التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد، (24\ 463-334)- نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة المغربيّة- 1387ه.

[19]-حقّقها عبد الحكيم الأنيس، ونشرتها دار البحوث والدراسات الإسلاميّة-الطبعة الأولى: 1426هـ/2005م.

[20]-التفسير الحديث (5/168).

[21]-عند تفسيره الآية 4 من سورة المائدة.

[22]-عند تفسيره الآية 157 من سورة الأعراف.

[23]-عند تفسره الآية 4 من سورة المائدة.

[24]-عند تفسره الآية 5 من سورة المائدة.

[25]-التحرير والتنوير , تفسير الآية 5 من سورة المائدة.

[26]-المرجع نفسه.

[27]-نفسه.

[28]-وتدخل فيه الأنواع الثلاثة التي ذكرها ابن عاشور.

[29]-مجموع الفتاوى 4⁄304.




إمامة المتغلب بين الشرع والتاريخ

من الأفكار الرائجة في الفقه الإسلامي وفي الثقافة الإسلامية قديما وحديثا القول بشرعية الحكم القائم على القوة والغلبة، بمعنى أن من استولى على الخلافة أو الإمارة بالقوة والسيف، حتى قهر خصومه واستولى على البلاد وسلّم له العباد، فهو إمام شرعي تجب طاعته ولا تجوز معصيته ولا الخروج عليه.

وهذه القضية فيها من الالتباس والتلبيس ما يستوجب تفكيكها وبيان حقيقتها، وهو ما يرمي إليه هذا المقال.
ليست من الإسلام
أعني أن الإسلام لم ينص على مشروعية هذه الطريقة في تولي الحكم، ولا هو أرشد إليها ولا أقر وقوعها ولو في نازلة واحدة، فلا نجد شيئا من هذا لا في القرآن الكريم، ولا في السنة الشريفة، ولا في سنة الخلفاء الراشدين.
أما المسلك الشرعي المنصوص عليه والمأمور به في باب السياسة وتولي الحكم، وفي باب تدبير الشؤون العامة فهو مسلك الشورى وما تسفر عنه من قرار واختيار، وهو الذي قال الله تعالى فيه {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]
فما جاءنا عن طريق الشورى ومؤسساتها، من اختيار وتولية وبيعة، أو من عزل وإعفاء وإلغاء، أو من “حل وعقد” فهو شرعي ومشروع، وهو من الإسلام وإليه، لكونه مأموراً به في القرآن والسنة، ومعمولاً به في سنة الخلفاء الراشدين.

وقد كان أول تطبيق لمسلك الشورى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التشاور في اختيار خليفة له من بعده، فكان بذلك اختيار أبي بكر وبيعته إماما للمسلمين، وهكذا مضت الأمور على عهد بقية الخلفاء الراشدين: الشورى والاختيار، ولو بأساليب وأشكال متنوعة.

وبناء عليه نستطيع القول بكل ثقة واطمئنان: إن الطريقة الشرعية الوحيدة التي جاء بها الإسلام ونص عليها -لتولي الحكم وانتقاله وتدبير أموره- هي: الشورى والاختيار، مع ترك الطرق والوسائل التفصيلية المعتمدة في ذلك للاجتهاد والتشاور والمراجعة.

بين التاريخ والفقه:
مما يقرره ويردده الفقهاء والأصوليون أن النصوص متناهية والوقائع لامتناهية، وأنه يتعذر التنصيص على كافة الحالات والاحتمالات والوقائع الممكنة عبر التاريخ بكل تقلباتها وتشكلاتها التي لا تنتهي، فيبقى كثير منها -أو أكثرها- للاجتهاد والتفاعل بين الفقه والتاريخ.

وفي موضوعنا نجد أن الطرق والأساليب المتبعة في تولي الحكم وتدبير شؤونه عبر التاريخ لا تقف عند حد ولا تلتزم بقيد.

ومن هنا وجد الفقهاء أنفسهم أمام دول تقوم وتسود، وليس فيها مكان للشرعية الإسلامية، أي شرعية الشورى والاختيار، ولكنها على كل حال دول تدين بالإسلام، وتحكم باسم الإسلام، وتنفذ كثيرا من أحكام الإسلام.

ووجدوا -من بين ما وجدوا- أن التاريخ يضعهم أمام حكام تغلبوا وتمكنوا، واستولوا على الحكم وأقاموا دولتهم، لا بالشورى والاختيار من أهل الحل والعقد، ولكن بفضل شوكتهم وقوة عصبيتهم، وربما بفضل سيوفهم وسيوف أنصارهم.

فهذه هي إمامة المتغلب التي ذهب جمهور الفقهاء إلى التعامل معها والإقرار بشرعيتها ونفاذ أحكامها.
وقد يكون من السهل علينا اليوم أن نرمي الفقهاء -في موقفهم هذا- بتهمة التفريط في الشرعية الإسلامية والاستسلام أمام الأمر الواقع، وهو اتهام له -في الجملة- نصيبه من الحق والصواب، أما تفاصيله فالكلام فيها طويل متشعب لا يحتمله المقام.

على أن للفقهاء مستندات واعتبارات عديدة، هي معتمدهم وعذرهم في تسويغ حكم المتغلب إذا ما نزل ووقع، وأهم تلك الاعتبارات والتعليلات ما يلي:

1- إن هذه ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، علما بأن ما يباح في محل الضرورة لا يمكن اعتباره مباحا في غير محلها.

2- إن البديل الشرعي الأمثل (أي الشورى والاختيار) كثيرا ما يكون متعذرا لا سبيل إليه ضمن الممكنات المتاحة في العهود الماضية.

3- إن التغلب والاستيلاء قد يكون في بعض الحالات هو الخيار الأصلح، كحالة الموت المفاجئ للحاكم السابق دون أن يكون له عهد أو ترتيب لمن سيخلفه، أو كحالة كون ولي عهده طفلا صغيرا لا يقدر على شيء، وكحالة أن يأتي الاستيلاء على الحكم بعد أن تكون الدولة القائمة قد غرقت في الفساد والتفكك والانحلال، فيكون المتغلب المستولي هو المنقذ.

4- إن إبطال حكم المتغلب وشرعيته، والمناداة بإزالته بعد الغلبة والتمكن قد يعنيان الدخول في حرب أهلية تهلك الحرث والنسل، وقد تنتهي إلى تقسيم البلد.

5- إن إبطال إمامة المتغلبين يستتبع إبطال كل تصرفاتهم وكل تصرفات الدولة التابعة لهم، مما يعني تعطيل الخدمات والأحكام القضائية وسائر المصالح والحقوق المتوقفة على الدولة وولاتها ومؤسساتها، وهذا فساد عريض لا يقبله شرع ولا عقل.

ومع هذه الاعتبارات القوية والوجيهة في زمانها وظروفها، فقد أحاط الفقهاء قبولهم لإمامة المتغلب بمزيد من الشروط والقيود:

• أن يكون تغلبه واقعا ضد حاكم متغلب، أما حاكم جاء ببيعة أو عهد، وما زال حكمه قائما فلا تنعقد إمامة المتغلب عليه (انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني الشافعي
5/423).

• أن يكون الزعيم المتغلب ذا أهلية في ذاته لتولي المنصب، فلا يكون فاسقا ولا ظالما، لأن الله تعالى يقول {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين} [البقرة: 124]. وبناء عليه “قال ابن خُوَيز منداد المالكي “الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكما ولا مفتيا ولا شاهدا ولا راويا”. (تفسير ابن كثير 1/289).

• أن يستتب له الأمر، لا أن يكون باقيا في طور التجاذب والتنازع ما بين مؤيد له ومؤيد لغيره.

• أن يبادر إلى إقامة العدل والحكم بالشرع، إذ بدون تحقيقه هذين الغرضين لا حاجة إليه أصلا.
المتغلب في عصرنا
من المعلوم أن العصر الحديث شهد تطورات هائلة في كثير من مجالات الحياة البشرية وأنماطها، ومنها مجال الحكم والسياسة وتنظيم الشؤون العامة.
ففي هذا المجال نجد على سبيل المثال انتشار فكرة الدساتير المنظمة لشؤون الحكم وإدارة الدولة، وفكرة دولة القانون، ودولة المؤسسات، وتنظيم فكرة فصل السلطات، واعتماد أسلوب الانتخابات والاستفتاءات، وكل هذا لم يكن ممكنا من قبل، أو لم يكن متيسرا في العصور القديمة كما هو اليوم.

على أن التطور الحاصل في هذا المجال ليس فقط سياسيا ودستوريا وفكريا، بل هو -أكثر من ذلك- تطور في التجارب والوسائل والأدوات والإمكانات.

والحقيقة أن هذه التطورات قد أسقطت جميع المسوغات والدواعي لنهج الاستيلاء على الحكم بالقوة والغلبة.
وحين أتأمل ما جاء به الإسلام وطبقه الخلفاء الراشدون من شرعية شورية انتخابية رفيعة -في مطلع القرن الأول- فإني أوشك أن أقول إن ذلك كان سابقا لأوانه، وكان فلتة في زمانه، ولكنه على كل حال رسم للبشرية الصورة المثلى لما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وترك لنا أن نتعارك مع الواقع لإقامة تلك الشرعية بعينها، أو بما يشبهها، أو ما يكون الأقرب إليها.

وها هو الزمان قد استدار دورته، وأصبحت إقامة الشرعية الشورية الانتخابية اليوم ميسرة وفي متناول أيدي المسلمين، ولا يحول بينهم وبينها إلا طبائع الاستبداد وطلائع الاستبلاد.

ولئن كان لولاية التغلب والاستيلاء مسوغات معقولة في العصور الماضية، على الأقل في بعض حالاتها، فإنها اليوم -في ظل شيوع الدساتير والمؤسسات، ويسر تنظيم الاستفتاءات والانتخابات- قد فقدت كل مسوغ لبقائها، بل هي اليوم تعد أسوأ من الرق والقرصنة، لأن الرق والقرصنة كانا يصيبان أفرادا وأطرافا من المجتمعات، أما الاستيلاء على الحكم بالقوة والغلبة وبدون ضرورة ملجئة فهو استرقاق للأمم وقرصنة للدول.
فلذلك يجب القول شرعا إن تولي الحكم عن طريق القوة والغلبة والاستيلاء قد انتهى زمانه وتمحض بطلانه.

وإذا كانت دول القارة الأفريقية تعتبر اليوم هي الأكثر تخلفا وانحطاطا وفوضوية بين دول العالم وقاراته فإنها من حيث الشرعية الدستورية والقانونية قد أصبحت أرقى من جامعة الدول العربية وأعضائها، وأرقى من منظمة التعاون الإسلامي ودولها.

فالاتحاد الأفريقي قد نص في المادة الثلاثين من قانونه الأساسي المعتمد سنة 2000 على أنه “لا يُسمح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد”.

ثم أصدر في يناير/كانون الثاني 2007 (الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم)، ونص في مادته الثانية على أهداف هذا الميثاق، فكان من بينها ما جاء في الفقرة الرابعة، وهو “رفض وحظر وإدانة التغييرات غير الدستورية للحكومات في أي دولة عضو، باعتبار ذلك تهديدا خطيرا للاستقرار والسلم والأمن والتنمية”، والغريب أن مصر كانت هي الدولة الوحيدة التي تحفظت على هذا الميثاق.

ومنذ سنة 2000 أصبح الاتحاد الأفريقي يبادر بتلقائية إلى تجميد العضوية فيه وفي منظماته وأنشطته، لكل دولة يقع فيها انقلاب عسكري.

وفي الحقيقة، لقد أصبح الاتحاد الأفريقي أكثر تمثلا وتمسكا بالشرعية الإسلامية النيرة من عدد من المشايخ المحسوبين أزهريين أو سلفيين أو من هيئة كبار العلماء ممن يدافعون عن الاستبداد ويشكلون طلائع الاستبلاد.
الانقلابات العسكرية
الحكام المتغلبون -الذين كانوا يستولون على الحكم قديما- كانوا عادة ما ينبثقون من بين الشخصيات ذات الشعبية والمكانة والزعامة في الأمة، ومن ذوي النخوة والشهامة والنجدة، ومن ذوي المؤهلات القيادية والقدرات التأسيسية، فكان هذا مما يسهل نجاحهم ويغري الفقهاء والوجهاء بمبايعتهم والتعاون معهم.

أما الانقلابيون العسكريون في هذا العصر فينبتون في الظلام والتكتم، ويتسلقون بمكر وخداع، ومؤهلاتهم الأساسية عادة لا تتجاوز ثلاثة عناصر، هي:

– الرتبة العسكرية والمنصب العسكري.
– القابلية للخيانة والغدر.
– القدرة على المناورة والمغامرة.

فلذلك لا يمكن أن يكون استيلاؤهم على الحكم سوى سلسلة من الجرائم والكوارث والنكبات، والعرب بالباب كما يقال.

أضف إلى هذا أن الجنود والضباط اليوم في دول الاستبداد والاستبلاد قد أصبحوا يُنشّؤون على فلسفة الغباء والطاعة العمياء، يقتلون و

لا يعرفون من يقتلون، ولا لماذا يقتلون، ولا لفائدة من يقتلون.
ومنذ حوالي ثمانين سنة تفطن العلامة السيد رشيد رضا لهذه الحقيقة المرة، فكتب في تفسيره يقول “ولكن الحكام في هذا الزمان مؤيدون بقوة الجند الذين تربيهم الحكومة على الطاعة العمياء، حتى لو أمرتهم أن يهدموا المساجد، ويقتلوا أولي الأمر الموثوق بهم عند أمتهم لفعلوا، فلا يشعر الحاكم بالحاجة إلى أولي الأمر إلا لإفسادهم وإفساد الناس بهم، ولا يريدون أن يقرب إليه منهم إلا المتملق المدهن”.

على أن من أخبث الحيل التي بدأ بعض الانقلابيين يتّبعونها هروبا من تطورات العصر واستحقاقاته أنهم بعد تنفيذ انقلابهم واستيلائهم على الحكم، وبعد إحكام قبضتهم على الدولة والمجتمع يعمدون إلى إعداد طبخة ديمقراطية انتخابية، لكسب رداء الشرعية، فإذا بالزعيم الانقلابي يصبح “رئيسا شرعيا منتخبا”.

هكذا وقع مرارا في مصر وسوريا والعراق والجزائر وموريتانيا والسودان والصومال وتشاد.
ولذلك وجب القول إن كل انقلابي متغلب يتمسك بالحكم بعد الانقلاب، ويوطد أقدامه ليستمر فيه، بأي حيلة أو خدعة، فهو غاصب ظالم: بانقلابه أولا، وباستمراره فيه ثانيا، وبكافة جرائمه في حق البلاد والعباد.

ويبقى أن الانقلاب العسكري يكون جائزا ومحمودا في حالة واحدة، هي عندما يكون ضد انقلابي سابق، بشرط أن يتم تسليم الحكم بعد الانقلاب للمدنيين المنتخبين في أقرب وقت ممكن، وهذا ما فعله السيدان الفاضلان: المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، والعقيد اعل ولد محمد ولد فال في موريتانيا.

منقول من موقع الجزيرة نت