سألني أحد الأصدقاء عن ظاهرتين لا يمكن ألا يكون أي قارىء قد لاحظهما:
- ما العلة في جرأة النخب العربية التي تدعي الحداثة على الإسلام من دون الأديان الأخرى؟
- ولماذا لا تجد عندهم تقديراً واعترافاً بأهمية التراث الروحي الإنساني بكل أنواعه ما عدى التراث الروحي الإسلامي؟
فلأحاول الجواب. والجواب عسير وعسير جداً إذا احترمنا شرط عدم رد الظاهرة إلى أحوال نفس أصحابها ولم نعتبرها ناتجة عن العقدة التي يتكلم عليها ابن خلدون -رغم أنه أسسها على ظاهرة أنثروبولوجية عميقة هي علاقة المغلوب بالغالب-فسعينا إلى فهمها بما هو أعمق من نظريته فوصلناها بما وصفته من تحريف علوم الملة الغائية والآلية وما ترتب عليها في التربية وفي الحكم. فالتراث الروحي الذي يحدد مواقف الأمم ونخبها يكون دائماً ذا نوعين من العلاقة بمدركه:
- فالموقف من تراث تدركه دون أن تكون عائشاً فيه وبه شيء.
- والموقف من تراث تدركه وأنت تعيش فيه وبه شيء آخر.
وإذا انطلقنا من هذه المقابلة التي أعمق بها نظرية ابن خلدون في مسعاي للانتقال من الخلدونية إلى الخلدونية المحدثة بوصية منه ختم بها مقدمته أمكن أن يكون حكمنا أكثر موضوعية فيقتصر ذنب النخب الحداثية على الخلط بين الموقفين. وسيلاحظ القارئ أني لأول مرة شديد التسامح مع الحداثيين حتى أكاد أبحث لهم عن أعذار لمواقفهم.
فمن يعيش في ما تردى إليه تراث الأمة الروحي وبه يعسر أن يقف منه موقفاً يمكن اعتباره موقفاً من الإسلام وتراثه الذاتي له من دون أن يعلل ذلك بالخلط بين الأمرين اللذين يبدوان معللين للموقفين. ولعل أبرز مثال عن موقف التراث المشوه هو الموقف من المرأة والفن والذي ينسب إلى الإسلام باطلاً.
ومعنى ذلك أن تحريف علوم الملة لرؤى الإسلام في كل شيء ذي قيمة حقيقية يمكن أن يمثل عذراً للنخبة الحداثية خاصة وأغلبها عامة تتصور نفسها خاصة لأنها ترطن ببعض المفردات الأجنبية هو دون العامة البسيطة وعياً لأن فكرهم لم يرتق إلى التمييز بين ما نتج عن التحريف في التربية وفي الحكم باسم الإسلام وبين ما هي عليه في الأصل عند من يتدبر القرآن والسنة (التي هي ليست شيئاً آخر غير شرح الرسول للقرآن: وكل ما لا يرد إليه ليس منه).
فلو خلطنا بين الحداثة وما تردت إليه بسبب تحريفها الاستعماري هل يمكن أن يقدر الحداثة حق قدرها؟ من يمكن أن يصدق أن ترومب ديكارتي؟ وأن الاستعمار الأمريكي يؤمن حقاً بحقوق الإنسان؟ وأن فلسفة الأنوار التي كانت ذات نزعة كونية إذا رأى ما ترتب عليها عند النخب العربية التي تدعي التنوير خلطاً بينه وبين ما ورثوه عن الاستعمار من موقف إزاء شعوبهم بوصفهم “انديجان” متخلفين في ظنهم؟
فحتى المستعمر لم يصل عتاته إلى احتقار النخب العربية لشعوبهم وقد رأيت ذلك خاصة في المشرق وبصورة أخص في مصر، لكن المغرب لا يخلو مما يناظرهما وخاصة عند العلمانيين والعنصريين منهم على وجه الخصوص كالموقف العجيب بين العربي والأمازيغي في هذه الحالة: كلاهما يسقط احتقاره لذاته على خصمه.
وإذن فمواقف النخب الحداثية من الإسلام وروحانياته علتها أعمق من علاقة المغلوب بالغالب الخلدونية، فلنحاول الفهم.
محاولة الفهم هي التي أوصلتني إلى أصل الداء، ولم أكتف باتهام النخب الحداثية بالعقدة الخلدونية -علاقة المغلوب بالغالب- فكلنا مغلوبون حالياً، ولو صح ذلك لصح أننا جميعاً ينبغي أن نرى رأي كارهي الإسلام وحضارته من النخب الحداثية العربية بكل أنواعها وليس غير المسلمين منها، وإذن فالتعليل أعمق من العقدة التي أشار إليها ابن خلدون.
ولأقلها بجرأة تكاد تصل بي إلى أقصى مما نجده عند أعداء الإسلام: لو كان الإسلام حقيقته مطابقة للصورة التي يقدمها منه مسلمو الانحطاط عامة والعرب منهم خاصة لكنت أول الكافرين به، فلا شيء في سلوكهم وأخلاقهم إذا تجاوزت الأقوال إلى الأفعال يمكن أن يكون بحق ذا صلة بالاسلام غير دعواهم أنهم مسلمون، وإذن فالداء واضح وصريح.
وحتى لا يقع الخلط بين الإسلام وروحانيته وتكديس العبادات الوثنية -وأسمي عبادات وثنية ما ثار عليه ابن تيمية وما يرد خاصة إلى دجل التصوف الذي يدعي أصحابه التفلسف وإلى خبث التوظيف الشيعي للروحانية البدائية التي تستعمل للسيطرة على العامة- فإن من يسمون أنفسهم المسلمين صاورا من عبيد الأوثان بإطلاق، أذكر مرة أنني في حجتي الثانية تصادمت مع أحمق بيده عصا يريد أن يدفعني بإرادته هو إلى المسجد لأنه تصور نفسه وصياً علي ولا يدري إن كنت لحظتها مستعداً لذلك مادياً وروحياً لأنه حمار يتصور العبادة فعلاً آلياً.
ويتضح الأمر لأي إنسان مهما كان عديم الفهم أن أفسد صورة وأقوى تشويه لروحانية الإسلام يرد إلى مآل التربية ومآل الحكم اللذان ينسبان إليه واللذان هما أصل ما يسميه ابن خلدون بالعنف الذي يفسد معاني الإنسانية في الإنسان عامة وفي المسلمين خاصة حتى صاروا بما وصفت من الأخلاق قولاً وفعلاً.
ولما كنت لا أريد أن أحمل نظام التربية ونظام الحكم المسؤولية المباشرة بل اعتبار ما حل بهما هو بدوره نتيجة لأمر أعمق فقد بحثت في مسألتين تنقسم إليهما قضية أولي الأمر منكم بنوعيهم، فالتفسير المعهود هو أن أولي الأمر منكم هم:
- علماؤكم.
- وأمراؤكم.
وكلمة “منكم” تعني “الذين اخترتموهم بحرية من بينكم لتوفر صفة العالم والأمير فيهما والمنتخب الحر فيكم”، وإذن فأنتم من اختار الثاني للإمارة وهو إذن مأمور وليس آمراً إلا بتنفيذ ما أمر به منكم ومن الشريعة، وإذن فالجماعة هي التي تعين من هو الأمير، وهي كذلك التي تعين من هو العالم، فيكون الانخرام الذي حصل متعلقاً إما بمعايير العالمية ومعايير الآمرية في الجماعة أو بطبيعة من الذي يختارهما ومدى حريته إذا سلمنا بأن المعايير سليمة، لكني أعتقد أن المعايير لم تبق سليمة وأن مدى حرية الاختيار زالت نهائياً في الحالتين، وحتى لا يبقى كلامي مجرداً فيراه القارئ العادي عياناً:
- فـما يجري في إيران.
- وما يجري في السعودية.
رغم ما يبدو من تعارض تام بين النموذجين هو في الحقيقة من نفس الطبيعة، وهي أن الدين لا يفرق بين تشيع الملالي وتوهب الشيوخ، لا يختلف “وضعه” إلا بالأسماء، لكن علاقة الروحي بالمادي في الحالتين لا تمت بصلة للدين من حيث هو علاقة برب العالمين: الدين يقتصر دوره على”تزييت” المكينة السياسية و «تشحيمها» لجعله أداةً بيد المستبدين بالدنيا والمتنكرين باسم الدين، لكن الاسم والتبرير الإيديولوجي مختلف:
- فـفي التشيع الأساس هو الحكم بالحق الإلهي أي خرافة آل البيت.
- وفي الوهابية الأساس هو الحكم بالحق الطبيعي لصاحب الشوكة.
والقسمة هي في الحالتين عين القسمة المنسوبة إلى المسيح كذباً عليه والقائلة أعطوا لقيصر ما لقيصر وما لله لله، أي الدنيا لقيصر والآخرة لله فيكون الله في خدمة قيصر وهو حكم بالحق الإلهي في التشيع وبالحق الطبيعي في الوهابية، ومن ثم فالحصيلة واحدة: وهي أن الإنسان عامة -المؤمن في هذه الحالة- لم يعد من حيث هو إنسان خليفة ذا علاقة مباشرة بربه بل لا بد له من وسيط (في التربية وهو الكنيسة سواء كانت من الملالي أو من الشيوخ) وذا علاقة مباشرة بأمره بل لا بد له من وصي (الحق الإلهي للإمام أو الحق الطبيعي للمتغلب).
ولست أدعي شيئاً من عندي بخصوص التشيع، فهذا صريح في عقيدتهم، كما أني لا أدعي شيئاً من عندي بخصوص الوهابية، فالعقد بين عبد الوهاب والأمير المؤسس للنظام كان قسمة بين الديني والسياسي كلاهما يقر للثاني بمطلق سلطانه دون تدخله فيه (ومعلوم أن ذلك كلام لأن السياسي هو الحاسم في الغاية).
والنتيجة في الحالتين الشيعية والسنية هي أن أهم آيتين من القرآن تتعلقان بالتربية والحكم تم حذفهما بما حصل ففسدت كل معاني الإنسانية في الحضارة الإسلامية بلغة ابن خلدون ومعها كل ثورة الإسلام بلغة القرآن:
- لم يعد للغاشية 22-23 معنى.
- ولم يعد للشورى 38 معنى.
فتنبيه الله للرسول بـ”إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر” وقوله تعالى “..وأمرهم شورى بينهم…” كلاهما وقع التخلي عنهما نهائياً فصار للعلماء وساطة نفاها الله حتى عن الرسول وصار للحكام وصاية نفاها الله حتى عن الرسول وأصبح من يدعون وراثة الرسول وارثين لما لم يدع أنه يملكه ومن يزعمون الحكم بالشريعة أكثر الناس عدواناً عليها وتوظيفاً لها لتبرير فسادهم.
واعتقد أن القارئ يفهم الآن أني لكأني أبحث عما يمكن أن يكون عذراً لأدعياء الحداثة وأفهم موقفهم من التراث الإسلامي وجرأتهم على الإسلام، لكنـي أعتبر أن عذرهم أقبح من الذنب، فلو طبقوا هذا الموقف من الإسلام على الحداثة نفسها لكان عليهم أن يقفوا منها نفس موقفهم من الإسلام لا أن يعللوا بها موقفهم منه، فالتحريف واحد في الحالتين، خطؤهم أنهم يقارنون “واقع” الحضارة الإسلامية بـ”مثال” الحداثة أو أفعال المسلمين بأقوال الحداثيين.
لكن لو قارنوا الأفعال في الحالتين عند كلا الفريقين لوجدوا أن الفرق بين ما في المثال وما في “الواقع” لا يختلف كثيراً، فلا الحداثيون في الغرب مخلصون لقيم الحداثة ولا المسلمون في الشرق مخلصون لقيم الإسلام، لذلك فلا غرابة أن تجد أدعياء الحداثة من الحكام والنخب العربية من غير الغافلين عن ذلك يجدون ذلك مناسباً لما يطلبونه من تزيين أفعالهم بما يمكنهم من التقرب من حماتهم، فلا يكون موقفهم من الإسلام وقيمه بسبب إيمانهم بالحداثة وقيمها بل لأن تغافلهم عن تحريفاتهم هذه يغفلهم حقيقة الإسلام: فعداوتهم لقيم الحداثة لا تقل عن عداوتهم للإسلام، من يظن أن بشار أو السيسي أو صاحب المنشار أو حفتر إلخ…يؤمن بقيم الحداثة ولا خاصة النخب التي تصفق لهم فهو إما غافل أو متغافل، وهم لا يجهلون ذلك فحسب بل يجدون فيه طريقة لإطلاق تحريف الإسلام بأن يصبحوا هم من يقوي محرفيه ويشجعونهم ويمولونهم وهما نوعان:
- النوع الذي “يصنعونه” ويسمونه بالإرهاب تشويها لقيمة الجهاد.
- والنوع الذي “يصنعونه” ويسمونه التصوف تشويهاً لقيمة الاجتهاد.
فيصبح المسلم متردداً بين فورة الغضب وسِنة التعب كما يصور الهنود الحمر في سينما رعاة البقر الأمريكية، لذلك فجوابي عن سؤال الصديق هو: العجيب ليس هذا الموقف من التراث الإسلامي والجرأة على الإسلام بل هو: هل المسلمون عامة والعرب خاصة هم بحق أحفاد مؤسسي اللبنة الأولى من رؤية الإسلام وتراثه للإنسان عامة وللحضارة خاصة بمنطق النساء 1 والحجرات 13 أم هم نكصوا إلى ما دون الجاهلية؟
فلا أستطيع أن أتخيل عربياً اليوم يمكن أن يعتبر نفسه عربياً وأن يقبل أن يصبح “درويشاً” يقوده نكرة -السيستاني لم نعلم له علماً لا مكتوباً ولا شفوياً- في العراق لا علاقة له بالإسلام لا من حيث مضمونه العلمي والخلقي ولا من حيث لسانه ولا من حيث أهدافه مفتياً لبريمر ولاستعمار العراق الفارسي ليستباح اقتصادياً وثقافياً وسياسياً من آل ساسان بتنكر تحت كذبة آل البيت الوسطاء والأوصياء على الأمة.
وما أقوله عن العراق يصح على كل بلاد العرب التي ابتلعها التحريف المطلق للإسلام إلى حد قلب كل قيمه بمنطق الباطنية أو التأويل التحكمي الذي كان الغزالي أفضل من وصفه في كتاب فضائح الباطنية، وإذن فليس تراث الإسلام والإسلام هو المشكل بل السعي لتشويهه بالبديل الذي يستمد مما تقدم عليه أو مما تلاه.
وللحقيقة فإن التشويه بدأ بالعرب أنفسهم وأعني أدعياء القومية العربية، وهذه مناسبة للتنديد بمن يدعي أن اللغة العربية ذات صلة بالقومية العربية، فالذين ينتسبون إلى العروبة كجنس لا يمثلون 5 في المائة ممن يمثلون ثقافة اللغة العربية ليس في العالم بل في المنطقة التي تنتسب إلى الجامعة العربية، لذلك فإني أعارض كل الذين يريدون أن يعتبروا اللسان العربي من حيث هو لغة الحضارة ذا علاقة بقومية عربية، فقبل القرآن العربية كانت لهجات ولم تكن لغة أصلاً، والشعر العربي المتقدم على الإسلام لم يصبح عربياً إلا بفضل هذا الترفيع من اللهجة التي كتب بها وصارت لغة بفضل القرآن أولاً وبفضل عبد الملك بن مروان ثانياً لأنه هو الذي جعل العربية لغة الدولة إدارة تربوية ومن ثم صارت العربية لغة العلم العالمية الثانية بين اليونانية واللاتينية.
وهذه اللغة ليست عربية بالمعنى العرقي بل هي ثمرة تعاون الشعوب التي بنت الحضارة الإسلامية وهم خاصة قبل انتشار الإسلام في ما وراء ملتقى القارات القديمة الثلاثة أي آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهم خمسة شعوب دخلت التاريخ العالمي بفضل الإسلام، وقد استثنيت من يدعي أن تاريخه قبله أسمى منه: إنهم العرب والأمازيع والأكراد والأتراك وسودان إفريقيا.
إن تبني النخب خرافة الدولة القومية واللغة القومية المأخوذة بغباء عن أوروبا الحديثة -بنيت على تصفية دينية وعرقية في ممالك أوروبا بعد فشل التوحيد المسيحي- تردد موقفها بين العودة إلى ما قبل الإسلام (البابلية أوالفرعونية مثلاً) أو ما بعده (الفرنكوفونية أو الأنجلوفونية مثلاً).
والآن أجيب على السؤال مباشرة: الموقف من الإسلام وتراثه الروحي هو عين الموقف الأوروبي من التراث المتقدم على الإسلام في الإقليم ومن تراثهم قديمه وحديثه، فهم يعتبرون ما تقدم على الإسلام في الإقليم هو تراثهم -فالشرق الأدنى وكامل الضفة الغربية من المتوسط كانت رومانية ثم بيزنطية.
ولما كان الحداثيون العرب ولا يزال جلهم أمياً لأنهم إما عسكريون أو خريجوا الفرنجة الاستعمارية الأولى التي يغلب عليها الانبهار بالثقافة الغربية من دون عميق فهم فإنهم تصوروا أن ما يقولونه عن أنفسهم -كما بينت في كلامي على سطحية المقابلة بين الغرب والشرق- حقيقة وليس صورة ذاتية بغير أساس موضوعي.
فلا فرق عندي بين أتاترك وبورقيبة وطه حسين وكل المنبهرين بالغرب الناسين أن الغرب ليس فيه ما هو غربي ليس مستمداً من الشرق والشرق ليس فيه ما هو شرقي ليس مستمداً من الغرب وبصورة أوجز كل ما هو تاريخي في أي حضارة ليس هو حضاري إلا من حيث هو إنساني سواء أنجز في الشرق أو في الغرب.
فلا الغرب له دين لم يستمده من الشرق لأنه تجاوز أديانه الطبيعية، فالأديان بهذا المعنى هي بداية الحضارات في الشرق، ولا الشرق له فلسفة لم تستمد من الغرب (تسليماً بأن اليونان من الغرب) لأن الشرق تجاوز فلسفاته الأمبيريكية، فالفلسفات هي مرحلة ثانية من الحضارات في الغرب مثلما أن الأديان المنزلة تعد مرحلة ثانية من الحضارات في الشرق، والواحد فيهما هو الإنساني المشترك بين الحضارات الحالية، وهو جوهر كونية الإسلام.