لست أدري ما مصدر المقابلة بين “فكر غربي” و”فكر شرقي” ولا خاصة خرافة الشرق شرق والغرب غرب التي يرددها بعض الغربيين وبعض الشرقيين؟
وفيم تتمثل غربية الفكر وشرقيته بحيث تصبح المقابلة بينهما وكأنها هي جوهر الفكر وليست صفة عرضية فيه قد يكون لكل منهما في إحدى مراحله مع الآخر؟
فلو اعتبرنا الشرق هو الحضارة الإسلامية -وهو غير صحيح لأن الشرق غير الإسلامي أكبر وأقدم وقد يكون ذا حضارة أبعد غوراً في التاريخ- والغرب الحضارة المسيحية ثم الأوروبية -وهو غير صحيح لأن أهم فكر حالياً هو ثمرة حصيلة كونية طابعاً الغالب هو هذا الغرب الحديث فإن المقابلة سطحية جداً.
وقبل الكلام على ما يجعلني أعتبرها سطيحة جداً فلأذكر بعامل مهم وهو أن العداوات الموجود في كلتا الحضارتين إن سلمنا بالتقابل أي في كل منهما ألف أمر أشد وأعمق من العداوات الموجودة بينهما، فلم يعرف العالم حرباً بين الحضارتين وصلت مستوى الحربين العالميتين في الغرب المزعوم واحداً.
وحروب المغول بين المشرقيين لا تقل فداحة عن الحروب بين الشرق والغرب مثلاً في عصر الدولة الإسلامية الأولى والثانية (الأموية والعباسية) ولا في الدولة الإسلامية الثالثة (العثمانية وما بينهما ضد الصليبيات والاسترداديات الأوروبية) ومن ثم فالصراع بين الشرق والغرب نسبي في التاريخ.
وأخيراً فالاستعمار الغربي الحديث شمل العالم كله ولم يقتصر على الشرق عامة ولا خاصة على الشرق الإسلامي، وإذن فخرافة المقابلة شرق وغرب من الأحكام المسبقة التاريخية وخاصة إذا طبقت على ما قبل الإسلام: فالمقدوني بشهادة أرسطو ليس غربياً وفارس ليست شرقية بل هما حضارتان ما بينهما، ولنأت الآن إلى السؤالين الأهم:
- ما الغربي في الغرب ليس شرقياً؟
- وما الشرقي في الشرق ليس غربياً؟
ألسنا نعتبر أن الحضارات لها أصلان إما ديني أو فلسفي وتطبيقات الأول الخلقية والروحية والاجتماعية وتطبيقات الثاني التقنية والعلمية والسياسية؟
حسن: هل يوجد عند الغرب دين غير ما جاءه من الشرق؟
وهل عندنا فلسفة غير ما ورثناه من اليونان وسيطاً وما نرثه من الغرب حديثاً إن صح أن اليونان والأوروبيون غربيون؟
حاولت أن أفهم هذه المقابلات السطحية فلم أجد لها أصلاً على الأقل في فكر ابن خلدون مثلاً: فهو لم يسم علم العمران وعلم الاجتماع مثل المتكلمين على علم الاجتماع العربي أو الإسلامي، ولا شيء يخرجني عن طوري أكثر من فلاسفة الخصوصية و”الحق في الفلسفة” والاختلاف.
يا أخي من منعكم أن تتفلسفوا إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً؟
وهل الاختلاف بحاجة لأن يطلب وهو دائماً حاصل مهما سيطر التقليد؟
ممن تطلبون هذا الحق؟
ثم متى كان العلم يعرف بموضوعه؟ فهل لأن العلم يدرس المجتمعات العربية يصبح علم اجتماع عربياً؟
وهل الكلام العلمي في الإسلام يصبح إسلامياً؟
إذا كان الكلام في الإسلام إسلامياً فهو ليس علمياً من حيث هو إسلامي بل هو إسلامي من حيث هو عقيدة.
لذلك فلست أفهم معنى “إسلامية المعرفة”، فلا هي معرفة ولا هي إسلامية، وقد كتبت في ذلك تعليقاً على كتاب الزميل والصديق لؤي صافي نافياً أن يبقى علم الاجتماع علماً إذا اعتبر أنه يتأسس على عقيدة دينية حتى لو كانت إسلامية.
لا أنفي أن يكون لمعتقدات العلماء أثر في فكرهم، لكن ذلك ليس المطلوب بل المطلوب محاولة وضعه بين قوسين ليس من حيث هو موقف وجودي عند صاحبه بل من حيث رد العلم إلى هذا الموقف، ولا أنفي أن يكون العلم قابلاً للتعريف بموضوعه. ولكن ليس من حيث هو علم بل من حيث هو تطبيق على حضارة محددة لعلم، وشتان بين الأمرين.
فتحديد مكان الظاهرة لبيان التخصص التطبيقي لا العلمية، وليكن مثالي ما هو أشد خصوصية في الظاهرة الدينية أعني الشعائر والعبادات، فخصوصيتها ليست هي طلب العلمي في علم الأديان بل ما في تلك الخصوصية يحقق الكلي في العبادات والشعائر، المشعرية والعبادية هي المطلوب فهمه علمياً في علم الأديان، وقس عليه مثلاً دراسة نظام الغذاء، فالمطلوب التغذية في المادة المعينة التي يستمد منها الإنسان السعرات الضرورية لقيامه العضوي، ما عدى ذلك متعلق بالذوق الذي هو ظاهرة وجدانية لا تنقال ومن ثم فهي ليست موضوع علم.
ومثلما أن “الموضوعية” مثال أعلى مستحيل التحقيق ولكن السعي إليها مطلوب فكذلك الكلي العلمي مستحيل التحقيق لكن السعي إليه هو المطلوب، ولذلك فالعلم سعي دائب نحو مثال الموضوعية ومثال الكلية بما يشبه التطهر من الذاتيات ومن الخصوصيات، فمن يتجاهل ذلك يؤمن بخرافة المقابلات التي وصفت.
هبني ضربت أمثلة من الفلسفة الوسيطة، فما الشرقي في فكر الفارابي وابن سينا وابن رشد مثلاً فكرهم الفلسفي وكلهم تلاميذ أرسطو وأفلاطون إن سلمنا بأن هذين غربيان، وكلاهمـا ينفي أن يكون غربياً وخاصة أرسطو كما هو بين من كتابه في أخلاق نيقوماخوس (ابنه) حيث ينفي أن يكون اليونان أوروبيين.
وما الذي يمكن أن اعتبره غربياً في فكر أي لاهوتي مسيحي سواء قبل الإصلاح أو بعده إذا اعتبرنا أن فكرهم الديني مستمد إما من التوراة أو من الأناجيل أو خاصة في بدايات تاريخهم النهوضي بعد الصدام مع الإسلام وتأثر فكرهم الديني بالفكر الكلامي والفلسفي الإسلاميين (مثال ذلك فكر ابن ميمون الذي يعتبره ابن تيمية غزالي اليهود)؟
وعندما أتكلم على الإسلام مثلاً فإن ما يبدو لي بدهياً هو أن الإسلام تمثله آيتان كلتاهما تنفي مثل هذه الخرافات:
- ف {النساء 1} تعتبر كل الناس من نفس واحدة مع العلم أن الإسلام يؤمن بلا شرقية ولا غربية.
- و {الحجرات 13} تعتبرهم متساوين ولا يتمايزون إلا بالتقوى وهو معيار خلقي قانوني معرفة ومعروفاً.
قد يختلف عنه من حيث هو مستعمل للعلم وليس من حيث هو مبدع له أو معلم. ومستعمل العلم إذا كان بحق حائزاً على أخلاق العلماء فهو واحد أيضاً في العالم كله. فأبوقراط لم يكن مسلماً لكنه يبقى المثال الأعلى في رسالة الطبيب، وكم من طبيب مسلم يكون أفسد خلق الله خاصة إذا رهن نفسه في مشروع مصحة.
لذلك فهذه الفروق الوهمية على الأقل في ما يخص العلم لا الذوق لا تدل على شيء آخر غير عقد نتجت عن علاقات غير سوية بين البشر، وقد صرت أعتبرها من علامات عقد الذين يقولون بها أكثر من دلالتها على شيء يمكن أن نعتمد عليه في الفصل بين البشر، وقد أختم بكلامي على ما يتهم به المستشرقون بحصر فكرهم في ما يستعمل فيه علمهم.
فلا فرق عندي بين استعمال الطب لعلاج المريض أو لقتله واستعمال علم الذرة لإنتاج الطاقة أو للدمار الشامل فكذلك الاستشراق، فهو محاولات لوصف حضارات ذات تعينات مختلفة طلباً للكلي فيها يمكن أن نحد نظريها عند أي عالم من الشرق يدرس حضارات الغرب بعين ترى الفروق العينية كذلك.
وعندما يرد البعض على المستشرقين ويعتبر صورتهم عن الشرق غير نزيهة قد يكون كلامه صحيحاً، لكن ليس ذلك لكونهم مستشرقين إذ لو نظرنا نحن إلى صورتنا على الغرب لما كنا أنزه منهم في صورتهم عن الشرق، كل ما في الأمر أننا كلانا لم نتحرر من الأحكام المسبقة ولم نرتق إلى مدلول النساء 1 والحجرات 13 وليس لأنهم غربيون ولا لأننا شرقيون.
وعلى كل فأنا باعتباري إنساناً -وباعتباري أحاول أن أفهم القرآن كما يعرف نفسه رسالة كونية موضوعها الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات وليس ديناً من بين الأديان لأنه يعتبر مهمته التذكير بما يسميه فطرة الله التي فطر عليها الإنسان الواحد المتساوي (النساء 1والحجرات 13) لا يعنيني إلا الكلي في الخصوصي.
وأخيراً فلا فرق بين التنوع الحضاري وتنوع الألوان بين البشر، الأول تنوع روحي، والثاني تنوع بدني أو عضوي، وكلاهما يعتبرهما القرآن من آيات الله (اللغات والألوان)، لذلك فالحجرات 13 تتكلم أنثروبولوجياً (شعوباً وقبائل) لا عقدياً ولا جنسياً ولا طبقياً ولا حضارياً بل الجميع بشر متساوون للتعارف معرفة ومعروفاً.
وعندما ندرس التنوع فإن ما فيه مفيد للمعرفة هو نظام التنوع وهو الكلي فيه ونظام التنوع هو بناه “الرياضية” إن صح التعبير أي أهم ما فيه من مجردات تكون بما بينها من تناغم وحدة مميزة لحضارة عن حضارة ليس في حقيقة المختلف بل في وحدة أدائه رغم اختلافه لنفس الوظائف.
مثال ذلك أن نظام الهندام لحماية الأبدان في علاقة بالمناخ وسترها في علاقة بأخلاق العيش المشترك أو نظام العمران في نظام الكون وفي ذوق محل الإقامة والتعايش في المنازل، فكل ذلك متعدد من حيث المواد والأدوات، لكنه متحد من حيث الوظيفة والغايات وحدة يمثلها ما يستجيب له “الشيء المختلف” من الحاجات العضوية والروحية الواحدة للإنسان من حيث هو إنسان بصرف النظر عن التنوع والاختلاف، وذلك هو معنى كونه آية: فتعدد الأعيان مع وحدة الدلالة والمعنى هو حقيقة الآية.
وما به يحصل التنوع المتعين يدرك بالحواس ولا يمكن العبارة عنه بلغة العقل إلا بوصف منظومته إن كان ألواناً بمنظومة الألوان وطبيعة التناسبات التي بينها وإن كان تضاريس أو مآل أو مناكح أو مساكن أو أي شيء مادي أو لا مادي تتعين في الأذواق والمعارف تكون إفادته ليس بتفرده بل بتفرد نظامه وهو عين تعينه الذي رغم كونه عيناً فهو عين كلية.
والعين الكلية في الإدراك العقلي ليست من الأعيان بل هي من أنظمتها التي لا تدرك إلا بقانونها النظامي حتى لو كانت قابلة للإدراك الحسي كما في المرئيات (الرسم والنحت) أو في المسموعات (الصوت والتنغيم) أو الحركات والعلاقات بين الأعيان المختلفة والتي تمثل بتعددها منظومة تفيد بانتظام المتعدد فيها وليس بها من حيث هو أعيان منفصل بعضها عن بعضها.